9095
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة المتخصصة بالخطـب والمحاضرات 🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه •~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~• للتواصل مع إدارة القناة إضغط على الرابط التالي @majd321
وهذا عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه يكتبُ لأمراءِ الأمصارِ: "إن أهمَّ أمورِكم عندي الصلاةُ، فمن حفظِها وحافظَ عليها حفظَ دينَه، ومن ضيَّعَها فهو لما سواها أضيعُ" .
وبقدرِ اهتمامِك بالصلاةِ وحرصِك عليها تعرفُ يا عبد الله مدى حبِّك له تعالى، ورغبتَك في اللهِ، وقدرَ الدِّينِ في قلبِك، قال الإمام أحمد رحمه الله: "إنما حظُّهم من الإسلامِ على قدرِ حظِّهم من الصلاةِ، ورغبتُهم في الإسلام على قدر رغبتِهم في الصلاةِ" ثم قال رحمه الله: "فاعرف نفسك ياعبد الله، احذرْ أن تلقى اللهَ عز وجل ولا قدرَ للإسلامِ عندك، فإن قدرَ الإسلامِ في قلبِك كقدرِ الصلاةِ في قلبِك" .
فاعرفوا أيها المؤمنون مكانةَ هذه الشعيرةِ، وحافظوا عليها، أَدُّوها في أوقاتِها، أتِمَّوا ركوعَها وخشوعَها وسجودَها، حافظوا على هذه الصلواتِ في المساجدِ مع الجماعةِ، فإن صلاةَ الجماعةِ واجبةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) ، وقال صلى الله عليه وسلم :(لقد هممتُ أن آمُرَ بالصلاةِ فتقام، ثم آمُرَ رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلقُ معي برجالٍ معهم حِزَمٌ من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاةَ، فأحرِّقُ عليهم بيوتَهم) ، فكيف يطيبُ لك تركُ الجماعة، والجلوسُ في البيتِ أو المكتبِ، والنبي صلى الله عليه وسلم الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) همَّ أن يحرِّق بيوتَ الذين لا يشهدون الصلاة ؟!!
فالصلاةُ مع الجماعةِ لها منزلةٌ عظيمةٌ؛ لذا أمرَ اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) فكان الصحابةُ رضي الله عنهم إذا جاءت الصلاةُ تركت منهم طائفةٌ القتالَ، وأقبَلوا على صلاتِهم، كما قال الأولُ في وصفِهم:
نحن الذين إذا دُعوا لصلاتِهم *** والحربُ تسقي الأرضَ جاماً أحمرا
جعلوا الوجوهَ إلى الحجازِ فكبَّروا *** يدعـون ربًّا بالفــضائلِ أنعمَا
واسمع أرشدك اللهُ وصيةَ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه حيث قال: "من سرَّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلواتِ حيث ينُادى بهن، فإن اللهَ شرع لنبيِّكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سننِ الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتِكم كما يصلي هذا المتخلفُ في بيتِه لتركتم سنةَ نبيِّكم، ولو تركتم سنةَ نبيِّكم لضللتم، وما من رجل يتطهَّرُ فيحسنُ الطهورَ ثم يعمدُ إلى مسجد من هذه المساجدِ، إلا كتب الله له بكل خطوةٍ يخطوها حسنةً، ويرفعُه بها درجةً ويحطُّ عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلفُ عنها إلا منافقٌ معلومُ النفاقِ، ولقد كان الرجلُ يُؤتى به يُهادى بين الرجُلين حتى يقامَ في الصف" .
فليت شعري!! ماذا تراه يقول ابن مسعود رضي الله عنه لو رأى أولئك الذين هجروا بيوت الله، وعمَّروا الشوارعَ والطرقاتِ أو البراريَ والاستراحاتِ، لا يقيمون ولا يشهدون الجماعاتِ، تعاهدوا على العصيان؟!
أم ماذا تراه ابن مسعود رضي الله عنه يقولُ لو رأى أولئك الذين قضوا الساعاتِ تلوَ الساعاتِ على مدرَّجاتِ الكرةِ، يدخل وقتُ الصلاة ويخرج وهم على ما هم عليه، من لهوٍ، ولا يصلي منهم إلا نفرٌ قليلٌ؟!
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
فاتقوا الله عباد الله، وحافظوا على هؤلاءِ الصلواتِ في المساجدِ حيثُ ينادَى بهن.
أيها المؤمنون: مُروا أبناءَكم بالصلاةِ وحُثُّوهم عليها، وتعاهدوهم عليها، فإن اللهَ تعالى قد أمرَكم بذلك، قال تعالى:﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)
عباد الله: إن ما نشهدُه من استهتارِ كثيرٍ من الشبابِ بهذه الفريضةِ، وتهاونهم بها إنما هو نتاجُ تفريطِ الآباءِ في الغالبِ، فاتقوا الله أيها الآباءُ والأولياءُ، فيمن استرعاكم اللهُ إياهم، قوموا بما أمرَ اللهُ به من الرعايةِ والصيانةِ، فإن الأمرَ جِدُّ خطيرٌ؛ إذ الصلاةُ فرقانٌ بينَ أولياءِ اللهِ وبينَ أولياءِ الشيطان، فمن تركها فإنه كافرٌ.
ربُّوهم على ارتيادِ المساجدِ من صِغَرِهم، وإياكم والتفريطَ والتهاونَ في ذلك، فإن عواقبَه وخيمةٌ، فإذا أَهملتَ اليومَ صعب عليك الإصلاح غداً، ولا ينفعُ عندها الندم.
ربنا اجعلنا مقيمي الصلاة، ومن ذريتنا، ربنا وتقبل دعاء.
*الصلاة الصلاة*
*للشيخ/ خالد المصلح*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*الخطبة الأولى :*
إن الحمد لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أما بعد. أيها المؤمنون: اتقوا اللهَ واعلموا أن خيرَ أعمالِكم الصلاةُ، فالصلاةُ عمادُ الدِّينِ وعصامُ اليقين، هي ناصيةُ القرُباتِ وعزةُ الطاعاتِ، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (رأسُ الأمرِ الإسلامُ، وعمودُه الصلاةُ ، وذروةُ سَنامِه الجهادُ في سبيلِ الله )
والصلاةُ أيها المؤمنون أعظمُ شعائرِ الدِّينِ وأهمُّ أركانِ الإسلامِ بعد الشهادتين فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بني الإسلامُ على خمس: شهادةُ أن إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقامُ الصلاة وإيتاءُ الزكاة وصومُ رمضان وحجُّ البيت من استطاع إليه سبيلاً) .
والصلاةُ يا عبادَ اللهِ أحبُّ الأعمالِ إلى الله تعالى، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: يارسولَ الله، أي الأعمالِ أحبُّ إلى الله؟ قال: ( الصلاةُ على وقتِها ) .
وروى الحاكم عن ثوبان أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ( استقِيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خيرَ أعمالِكم الصلاةُ ) .
والصلاةُ أيها الإخوان صلةٌ بينَ العبدِ وربِّه تبارك وتعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:(أقربُ ما يكونُ العبدُ من ربِّه وهو ساجدٌ، فأكثِروا الدعاءَ )
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : قال اللهُ تعالى:(قسمت الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم. قال تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين. قال جل وعلا: مجَّدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال تعالى: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ماسأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم. قال الله تعالى: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ماسأل) .
والصلاةُ أيها المؤمنون مفتاحٌ من مفاتيحِ الجنة، فعن ربيعةَ بنِ كعب رضي الله عنه قال:(كنت مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فكنت آتيه بوضوئِه وحاجتِه، فقال لي: سلْني فقلت: أسألُك مرافقتَك في الجنةِ. قال: أو غيرُ ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأَعِنِّي على نفسِك بكثرةِ السجود ) .
وعن ابي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من صلى البردين -أي: الصبحَ والعصرَ- دخلَ الجنة) .
والصلاةُ ياعباد الله من أعظمِ ما يكفِّرُ الخطايا ويرفعُ الدرجاتِ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أرأيتم لو أن نهراً ببابِ أحدِكم، يغتسلُ منه كلَّ يومٍ خمسَ مرات، هل يبقى من درنِه شيءُ؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيءٌ. قال: فذلك مَثَل الصلواتِ الخمسِ، يمحو اللهُ بها الخطايا) .
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(ألا أدُلُّكم على مايمحو اللهُ به الخطايا، ويرفعُ به الدرجاتِ؟ قالوا: بلى يارسول الله، قال: إسباغُ الوضوءِ على المكارِه، وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعد الصلاةِ، فذلكم الرباطُ، فذلكم الرباطُ ) .
والصلاةُ يا عباد الله نورٌ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :(الصلاةُ نور) .
وهي أيها المؤمنون من أهم أسبابِ تركِ الفحشاءِ والمنكرِ، قال الله تعالى:﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) ، وقال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) فرتَّب اللهُ تعالى اتباعَ الشهواتِ ولقيانَ الغيِّ على إضاعةِ الصلاةِ.
هذا أيها المؤمنون طرفٌ من فضائلِ هذه الشعيرةِ الكبرى، وإلا فإن فضائلَها تفوقُ الحصرَ، كيف لا وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "أكثر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والجهاد" .
وقد أجاد من قال:
ألا في الصلاة الخير والفضل أجمع *** لأن بها الآراب لله تخضع
وأول فرض من شريعة ديننا *** وآخر ما يبقى إذا الدين يرفع
فمن قام للتكبير لاقته رحمة *** وكان كعبد باب مولاه يقرع
وصار لرب العرش حين صلاته *** نجيا فيا طوباه لو كان يخشع
أيها المؤمنون: إن اللهَ تعالى أمركم بالصلاةِ، فقال تعالى:﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) .
الله-، فسبحان من كان بعباده لطيفًا خبيرًا، حليمًا كريمًا، عفوًّا غفورًا رحيمًا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الْمُلْكِ: 13-14].
بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه كان غفَّارًا.
*الخطبة الثانية:*
الحمد لله، الحمد لله الذي نِعَمُه علينا وافيةٌ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا تخفى عليه خافيةٌ، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، راقَب ربَّه واتَّقاه، فطهَّره ونقَّاه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، والتابعينَ لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعدُ؛ معاشرَ المؤمنينَ: إن من آثار الإيمان باسم الله اللطيف: مجاهَدة النفس على صلاح القلب؛ فالقلب هو محلُّ نظر الرب، فبصلاح القلوب، تصلُح الأجساد والأعمال، فَعِلْمُ العبد أنَّ ربَّه مُطَّلِعٌ على ما في السرائر، محيطٌ بكل صغير وكبير، يحمله على محاسَبة نفسه في أقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، قال لقمان لابنه وهو يعظه: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)[لُقْمَانَ: 16].
إنَّ مَنْ آمَن باسم الله اللطيف، عَلِمَ أنَّ كلَّ مُصاب يأتيه، إنما هو سُلَّمٌ يرتقي به لأعلى الدرجات، فكم في البلايا من عطايا؟! والمحن في ثناياها المنحُ، ولولا المصائبُ والابتلاءاتُ ما تاب بعضُ العاصين من ذنوبهم، واللطيفُ جلَّ جلاله وتقدَّسَت أسماؤه يبتلي عبدَه المؤمن، ليهذِّبَه لا ليعذِّبه، وفي (سنن الترمذي): قال -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: "مَا يَزَالُ البَلاءُ بِالمُؤمِنِ وَالمُؤمِنَةِ في نَفسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ، حَتَّى يَلقَى اللهَ وَمَا عَلَيهِ خَطِيئَةٌ".
أمةَ الإسلامِ: إن من مُقتَضيات الإيمان باسم الله اللطيف، أن يتخلَّق المرءُ بصفة اللُّطف؛ فالله -تعالى- لطيف، ويحب اللطيف من عباده، ويَبغَض الفظَّ الغليظَ القاسيَ، وفي الصحيحين: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ"، والعُتُلُّ: هو الفظُّ الغليظُ الجافي، الشديد الخصومة في الباطل، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم الناس لطفًا، وقد زكَّاه اللهُ -تعالى- بقوله: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)[آلِ عِمْرَانَ: 159]، واللطف من الرحمة؛ فلذا اجتمع الناسُ حولَه، ولو كان فظًّا لانفضَّ الناسُ عنه، ومَنْ عامَل الخلقَ بصفة يُحِبُّها اللهُ ورسولُه، عامَله اللهُ -تعالى- بتلك الصفة في الدنيا والآخرة، فالجزاء من جنس العمل.
اللهم الطُفْ بنا، وتُبْ علينا وارْحَمْنَا، وعافِنا واعفُ عنا، اللهم إنَّا نسألك إيمانًا يُباشِر قلوبَنا، ويَقِينًا صادقًا، حتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبتَ لنا.
اللهم صلِّ على محمد، وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وجودك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًّا وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إنا نسألك بفضلك ومنتك، وجودك وكرمك، أن تحفظنا من كل سوء ومكروه، برحمتك يا رب العالمين، اللهم ادفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء، ومن درك الشقاء، وسوء القضاء وشماتة الأعداء، اللهم إنا نسألك من الخير كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، اللهم إنا نسألك الجنة، وما قرَّب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل.
اللهم أَحْسِنْ عاقبتَنا في الأمور كلها، وأَجِرْنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا، وكن للمستضعفين منا، اللهم يا ذا الجلال والإكرام، وفِّق خادم الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، اللهم واجزه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، اللهم وفقه ووليَّ عهده لما فيه خير للإسلام والمسلمين، اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين لما تحبه وترضاه.
*الله لطيف بعباده*
*للشيخ/ ماهر المعيقلي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*عناصر الخطبة*
1/أشرف العلوم التعريف بأسماء الله تعالى وصفاته 2/معنى اسم الله اللطيف وبعض مقتضياته 3/بعض مظاهر اللطف في حياة الأنبياء والخلق أجمعين 4/قد يكون اللطف في الابتلاء 5/بعض آثار الإيمان باسم الله اللطيف
*الخطبة الأولى:*
الحمد لله، الحمد لله اللطيف الخبير، عمَّ بلطفه العالَمِينَ، وخصَّ به عبادَه المؤمنينَ، أحمده -سبحانه- وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الْأَنْعَامِ: 103]، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أخبَر عن ربه -تبارك وتعالى- بما يملأ القلوب عبوديةً له وتعظيمًا، ومحبةً وخوفًا ورجاءً، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعدُ معاشرَ المؤمنينَ: فأُوصِيكم ونفسي بتقوى الله وشكره في السراء، والصبر على أقداره في الضراء؛ فإن الله -تعالى- لطيف بعباده؛ (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ)[الشُّورَى: 19].
أمةَ الإسلامِ: إن أشرفَ العلومِ وأجلَّها، ما كان يُعرِّفُ بالله جلَّ جلالُه، وبأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو حقيقةُ الإيمانِ، وغايةُ دعوةِ الرسلِ؛ فإنَّ العبدَ إذا عرَف ربَّه، بصفاته العليا وأسمائه الحسنى، أخلَص بتوحيده، وأحبَّه وأطاعه، وابتَعَد عن معصيته ومخالَفة أمره، فالمقصودُ من إيجاد الخَلْق عبادة الخالق، والتعرُّف عليه -سبحانه-، بعظيم قدرته، وشمول علمه وكمال تدبيره: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)[الطَّلَاقِ: 12].
وقد بيَّن القرآنُ الكريمُ كثيرًا من أسماء الله وصفاته وأفعاله، وأعظمُ سورِ القرآنِ الكريمِ وآياتِه، هي المشتملةُ على بيان أسماء الربِّ وصفاتِه وأفعالِه، فسورةُ الفاتحةِ، أعظمُ سُوَرِ القرآنِ، فيها حمدٌ وثناءٌ، وتعظيمٌ وتمجيدٌ، وبيانٌ لأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، وأنه الإله المتفرِّد بالألوهية، والرب المتفرِّد بالربوبية، الرحمن الرحيم، المالك ليوم الدين.
وسورة الإخلاص، تعدِل ثلثَ القرآن؛ لأنها أُخلِصَتْ لبيانِ صفةِ الرحمنِ، وفي الصحيحين: "أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: "سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟"، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ"؛ وكلما كان العبد بالله أَعْرَفَ، كان منه أخوفَ، ولعبادته أطلبَ، وعن معصيته أبعدَ، ومنه جلَّ جلالُه وتقدَّسَت أسماؤُه أقربَ، وكان قلبُه في شوق دائم إلى لقاء ربه، ومحبته ورؤيته، ومَنْ أحبَّ لقاءَ اللهِ، أحبَّ اللهُ لقاءه.
إخوةَ الإيمانِ: إنَّ لكلِّ اسمٍ من أسماء الله -تعالى-، ولكلِّ صفةٍ من صفاته عبوديةً تليق به، وإن من أسماء الله -تعالى- الحسنى، ومن صفاته العليا: اسم الله اللَّطِيف، الذي دقَّ علمُه بكل الخفايا، فيعلَم السرَّ وأخفى، من خلَجات الصدور، ومكنُونات النفوس، وفي هذا المعنى، ما جاء في (صحيح مسلم): "أن جبريل -عليه السلام-، أتى للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالليل، وقد تهيَّأَ -صلى الله عليه وسلم- لنومه، فأخبَرَه بأمر الله -تعالى-، أن يستغفر لأهل البقيع، فقام -صلى الله عليه وسلم- برِفْق من فراش عائشة، فلمَّا خرَج لَحِقَتْه عائشةُ -رضي الله عنها وأرضاها-، متخفِّيةً تنظر ماذا يفعل، فلمَّا انحرف راجعًا رَجَعَتْ، فأَسْرَعَ فأَسْرَعَتْ، فهروَلَ فهروَلَتْ، فسبَقَتْه إلى فراشها؛ كأنها نائمةٌ، فدَخَل -صلى الله عليه وسلم- فقال: "مَا لَكِ يَا عَائِشُ، حَشْيًا رَابِيَةً"؛ أي: مرتفعةَ النَّفَس، قَالَتْ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ، قَالَ: "لَتُخْبِرِينِي أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"، فأخبرَتْه وقَالَتْ: مَهْمَا يَكْتُمِ النَّاسُ يَعْلَمْهُ اللهُ، وكانت رضي الله عنها وأرضاها، تظنُّ أنه -صلى الله عليه وسلم- ذاهبٌ لبعض نسائه في ليلتها.
مَعاشِرَ المؤمنينَ: ومن معاني اللطيف، أنه يُوصِل إلى عبادِه نِعَمَه، ويدفع عنهم نِقَمَه، بِلُطفِه وإحسانِه، ويسوقُهم إلى كمالهم وسعادتهم، بطُرُق خفية قد لا يشعرون بها، ولا يهتدون لمعرفتها، إلَّا إذا لاحَتْ لهم عواقِبُها، (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا
وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ المؤونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا"الحديث.
ومهما كان فإنه إذا حصل القحط وجفاف الأمطار فلا يجوز اليأس والقنوط من رحمة الله فيشرع للناس أن يتضرعوا إلى الله ويخرجوا إلى المصلى متبذلين متخشعين فيخطب بهم أحدهم ويدعوا الله ويصلي بهم ركعتين ثم ينصرفون .
ويشرع لخطيب الجمعة أن يستسقي في خطبته فيرفع يديه ويدعوا الله أن يغيثهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم, أما ما يفعله بعض الأئمة من أنه يصلي بهم ركعتين صلاة الاستسقاء بعد صلاة الجمعة فهذا محدث ليس من السنة فإن السنة هو الخروج إلى المصلى كما تقدم.
فقد روى البخاري ومسلم عن أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ المِنْبَرِ، وَرَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله: هَلَكَتِ المَوَاشِي، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا» قَالَ أَنَسُ: وَلاَ وَالله مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ، وَلاَ قَزَعَةً وَلاَ شَيْئًا وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ، وَلاَ دَارٍ قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ، انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: وَالله مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ البَابِ فِي الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله: هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ الله يُمْسِكْهَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» قَالَ: فَانْقَطَعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ.
ومعنى قوله "هلكت الأموال": هي المواشي من قلة الأقوات بسبب عدم المطر والنبات. وقوله: "وقطعت السبل": أي الطرق فلم تسلكها الإبل بسبب عدم ا لكلأ.
وقوله: "قزعة "أي قطعة سحاب. وقوله: "سلع": هو جبل أي يرونه بوضوح.
وقوله: "الترس": هو ما يتقى به من ضربات السيوف. وقوله: "سبتا": أي أسبوعا. (1)
فليس في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الاستسقاء بعد صلاة الجمعة وإنما رفع يديه ودعا,وذات يوم خرج بهم إلى المصلى فخطب بهم ودعا وصلى بهم ركعتين وانصرف,فخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم.
ويستفاد من هذا الحديث أنه لا ينبغي لعبد أن يدعو الله برفع نعمة من النعم ,يؤخذ هذا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "اللهم حوالينا ولا علينا". ولم يقل اللهم ارفعه عنا, وإنما دعا أن يصرفه الله إلى الأماكن التي لا يتضررون منها عند نزول المطر بل ربما استفادوا من المطر عليها مستقبلا.
ويستفاد من الحديث أن الله سبحانه وتعالى ينشئ السحاب من العدم وليس كما يقول بعض الفلكيين وأتباعهم أن السحاب تتكون من بخار البحار والأنهار ونحوها فإن هذا قول لا دليل عليه فينبغي التوقف فيه لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ }[الإسراء:36] .
فإن أنس بن مالك رضي الله عنه أخبر بأن السماء كانت صافية ليس فيها سحاب ثم كوَّن الله سبحانه وتعالى سحابة صغيرة مثل الترس ثم انتشرت فأمطرت والله تعالى يقول في محكم التنزيل: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئ السَّحَابَ الثِّقَال}[الرعد:12].
قال المفسر ابن كثير رحمه الله: أي يخلقها منشأة جديدة. اهـ
وقال المفسر البغوي رحمه الله: وينشئ السحاب الثقال بالمطر يقال: أنشأ الله السحابة فنشأت أي: أبداها فبدأت. اهـ
وفي الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك". رواه أحمد وغيره .
فلا ينبغي الالتفات إلى أقوال الفلكيين فعندهم نظريات تصادم النصوص , منها :قولهم :إن الشمس ثابتة والأرض تدور.
فالذي يجب على العباد أن يشكروه على نعمه عمومًا وعلى نعمة المطر خصوصاً, وشكر الله يكون بطاعته واجتناب معاصيه وصرف هذه النعم التي تنتج عن الأمطار من سائر الأرزاق فيما يرضي الله سبحانه وتعالى فإن شكر الله دليل الزيادة وكفر النعمة مظنة الزوال ألا ترى إلى قول القائل:
إذا كنت في نعمة فارعهــا ** فإن المعاصي تزيل النعم
وداوم عليـها بشكر الإلـــــه ** فإن الإلـــه سريـــع النقـم
فقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهُمَّ إنِي أَعوذُ بِك مِن زَوالِ نِعمتِك وتَحوِل عَافِيتِك وفُجأةِ نِقمَتِك وجَميعِ سَخطِكِ) رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما.
ألا وإن من أعظم كفر نعمة المطر لهو نسبتها إلى النجوم والأنواء والفصول والأوقات كقول بعضهم مطرنا بنوء كذا وبنجم كذا.
قال تعالى: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُون * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون}[الواقعة:81-82].
قال ابن ابن كثيروغيره من المفسرين في تفسير قوله تعالى: { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ } :قال مجاهد: قولهم في الأنواء: مُطِرنا بنوء كذا، وبنوء كذا، يقول: قولوا: هو من عند الله، وهو رزقه. وهكذا قال الضحاك وغير واحد.اهـ
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى:{ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا } .
قال عكرمة: يعني: الذين يقولون: مطرنا بنَوء كذا وكذا.اهـ
وفي الصحيحين عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاَةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مطرنابِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ ".
ففي هذا الحديث بيان تحريم نسبة المطر إلى النجوم والأنواء والكواكب وأن ذلك من الكفر بالله عز وجل ومن كفر النعمة وأن حقيقة الإيمان هو نسبته إلى الله عز وجل.
ذكر ابن عثيمين رحمه الله أقسام الشرك في الاستسقاء بالأنواء فقال: من سأل النجم أو الكوكب ودعاه أن ينزل المطر فهذا هو الكفر الأكبر أو الشرك الأكبر.
ومن نسب المطر إلى النجم أو الكوكب نسبة إيجاد بأنه هو الذي أنزل المطر وهذا أيضا كفر أكبر.
ومن جعل النجم أو الكوكب هو السبب في نزول المطر وأن منزله هو الله فجعل النجم أو الكوكب سببا في نزوله فهذا كفر أو شرك أصغر لأنه اتخذ ما ليس سبب سببا .
أما من جعل هذا النجم أو هذا الوقت ظرفا لنزول المطر كأن يقول: سقانا الله في نجم كذا وكذا فهذا جائز. اهـ بمعناه.
والأفضل أن يقول العبد مطرنا بفضل الله ورحمته هذا هوالكمال في شكر هذه النعمة.
وأما ما يعتقده بعض العامة في بعض الفصول أو النجوم أنها سبب لنزول الأمطار كفصل الخريف ـ مثلاـ فيقسمونه إلى نجوم فإذا خرجت هذه النجوم ولم ينزل المطرفيها يئسوا وهذا من الشرك الأصغر الذي أشار إليه ابن عثيمين رحمه الله.
والحاصل أن الله سبحانه وتعالى يسقي عباده حسب ما تقتضيه حكمته وحسب علمه بمصالح عباده وزراعاتهم, فربما جرت العادة أن الله سبحانه وتعالى يسقيهم في هذه النجوم وفي هذه الأوقات لمصالحهم ,فيعتقد البعض أن هذه النجوم هي السبب لنزول المطر ,لكن عند التأمل فإن الله سبحانه وتعالى قد يسقيهم وقت زراعاتهم لمصالحهم .
ومن الملاحظ أن المطر قد ينزله الله في غيرهذه الفصول أو النجوم, أوفي أوقات لم تجرِ العادة أن ينزل فيها, أوينزل في أوقات قد يئس بعضهم من نزول المطر فيها ,ومن الملاحظ أحيانًا عدم نزول المطر في الأوقات التي جرت العادة أن تنزل الأمطار فيها وهكذا .
فالأمور بيد الله والواجب الاعتقاد أن المتصرف في نزول الأمطار وتدبيرها هو الله سبحانه وتعالى في أي وقت شاء ويمنعها متى شاء لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه سبحانه وتعالى والله المستعان.
الخطبة الثانية)):
أحكام ومسائل تتعلق بالمطر))
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشأنه وأشهد أن محمد عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه والصلاة والسلام عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وإخوانه.
وقال عن عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيم * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِين }[الأحقاف:24-25].
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى سحابة يخيل فيها المطر يخاف ويتغير وجهه ويرغب إلى ربه خوفا أن يكون فيها عذاب فإذا أمطرت سري عنه وذهب خوفه.
فقد روى الإمام البخاري ومسلم رحمة الله عليهما عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ، أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتُ ذَلِكَ في وجهه، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ»: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} [الأحقاف: 24] الآيَةَ.
ولهذا ينبغي على المسلم أن يكون عند نزول المطر راجيا طمعا فيما عند الله من الرزق والغيث ,وخائفا من عذاب الله وغضبه لا يكون فيه عذاب ,ولهذا قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون}[الروم:24].
قال المفسر السعدي رحمه الله: أي: يخاف منه الصواعق والهدم وأنواع الضرر، على بعض الثمار ونحوها ويطمع في خيره ونفعه. اهـ
واعلمواعباد الله أن وقت نزول المطر مما استأثر الله به من علم الغيب, فلا يعلمه أحد ولم يخبرنا الله سبحانه بعلامات لمعرفة نزوله إلا إذا كانت ظاهرة مثل هبوب الرياح وتراكم السحب .
فمن ادعى أنه يعلم وقت نزول المطر فهو مشرك شركا أكبر لأنه زعم أنه مشارك لله في صفة من صفاته وهي علم الغيب ومن ادعى أنه يعلم وقت نزول المطر بعلامات لم يجعلها الله علامات لنزوله, فهو مشرك شركا أصغر لأنه اتخذ سببًا لم يجعله الله سببا.
قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ }الآية[الأنعام:59] وقال تعالى: {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ }الآية[لقمان:34] .
وروى البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا الله لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ، وَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ ".
وأما ما يسمى بأحوال الطقس والإرصاد فهذا ليس من علم الغيب وإنماهو مجرد توقعات ونظر في الغيوم وحركات الرياح وتوجهها, فإذا ما رأوا سحبا وتلبدت السماء بالغيوم فمن ثَمَّ يتوقعون نزول أمطار في منطقة كذا أو هبوب رياح ونحو ذلك ,وقد يحصل ما يتوقعونه وقد لا يحصل ,أما الأيام المقبلة البعيدة فإنهم لا يستطيعون توقع ذلك لأنه لا يعلم ما في المستقبل إلا الله.
فيا عباد الله :المطر نعمة من الله على عبادة وسخر الرياح تسوقه إلى حيث شاء من الأرض, ممن أراد الله سقياهم ولهذا جعل الله الرياح من المبشرات.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الماء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون}[الأعراف:57] .
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا }[الفرقان:48-49]
قال المفسر السعدي رحمه الله: (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي: بين يدي المطر، فيرسلها فتثير السحاب ثم تؤلفه ثم تجمعه ثم تلقحه ثم تدره، فيستبشر بذلك العباد قبل نزول المطر. اهـ.
وقال تعالى:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الروم : 46]
فقد سقط جبابرة قريش في القليب، كما قال الله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]، فلكل طاغية مصير محتوم، وإنْ تأخر موعده.
عباد الله.. إن الدماء التي بذلت في بدر لم تذهب سدى؛ بل صنعت فجرا جديدا، ودماء أهلنا في غزة لن تذهب سدى! بل سيعقبها نصر مبينٌ وفتحٌ قريب إن شاء الله، ولن يتحقق نصر إلا بالصبر والثبات، قال النبي ﷺ: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا»؛ فبدر ليست مجرد قصة للتاريخ؛ بل سُنّةٌ إلهية تتكرر، فمن كان في صف الطغاة؛ فليبحث عن قبرٍ يختبئ فيه، ومن كان مع الحق، فليثبت، فإن موعد الطغاة يقترب، وإن النصر قادم لا محالة.
إن من سنن الله: أنه إذا أراد إهلاك أمة؛ ازداد ظلمها حتى يحل بها العقاب، وفق سنته في الأمم السابقة حين أخرجوا رسلهم ومن يقرأ أحداث غزّة والضفة وفق السنن الإلهية يدرك أن إهلاك المحتلين بات قريبا، وأن تصاعد الظلم والطغيان يسرّع وقوع هذه السنة بإذن الله. فأمام تهديدات تهجير أهل غزة، يتجلى قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: 103]. ومعنى "يستفزّهم" أي دفعهم للهرب والرحيل.
فلا مكان للشك أو التردد، فخلف هذا الألم خير كثير! لا يعلمه إلا الله، وإن النصر قادم لا محالة، فقد قال النبي ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ وَرَاءَ الحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ» (رواه مسلم).
أمتنا لا ينقصها عددها ولا عتادها، بل قادتها، والثقة بما عندها، والاعتزاز بدينها، وقبل ذلك صدق الإيمان بالله ﷻ وموعوده الذي يحركها.
أمَا وأهل ڠـزة يبا'دو'ن وأمتنا تصوم وتنعم، وتأكل وتشرب وتنام وتهنأ فلا أعتقد أن صيامنا مقبول، ولا صالح أعمالنا إلى الله مرفوع
هذا وصلوا وسلموا على سيد المجاهدين وإمام الثابتين وقدوة الصابرين والمثابرين على طاعة الله حتى أتاه اليقين؛ من أمركم الله -تعالى- بالصلاة والسلام عليه، فقال:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب : 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللَّهُمَّ عن خلفائِه الراشدين، أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التابعين، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك، وإحسانِكَ، يا أرحمَ الراحمين!
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، أن تنصر إخواننا المستضعفين في فلسطين، اللهم اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وسدد رميهم، وارفع عنهم الكرب والبلاء.
اللهم الطف بإخواننا في غزة، وارحم ضعفهم، وتولَّ أمرهم وأحسن خلاصهم، واجعل لهم فرجاً ومخرجا.
اللهم اشف جرحاهم، وعاف مبتلاهم، وأطعم جائعهم، وأمن خائفهم، وارزقهم من حيث لا يحتسبون.
اللهم أهلك الظالمين المعتدين، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، واجعل بأسهم بينهم شديد، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين.
اللهم اكشف المؤامرات، وأبطل المكائد، اللهم عليك بمن تواطأ مع العدو، ومن أعانهم بالمال أو السلاح أو السكوت، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم عبرة لمن خلفهم.
اللهم افتح الحدود، وأزل القيود، ويسّر سبل النصرة لعبادك المجاهدين، اللهم ألّف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين، واجعلهم يدًا واحدة ضد عدوهم.
اللهم بارك في أموال المنفقين، وتقبل صدقاتهم، وأعنهم على نصرة المستضعفين، اللهم اجعل الإعلام صوتًا للحق، واكبت الباطل وأهله.
اللهم اجعل هذه المعركة بداية نصرٍ وعز للإسلام والمسلمين، اللهم كما نصرت عبادك في بدر، فانصر عبادك في غزة، وحقق لهم الفتح المبين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
فقوة العقيدة هي أقوى من كلّ سلاح، وصاروخ الحقّ أقوى من كل صاروخ، وقذيفة العزيمة والإرادة هي أقوى من كلّ قذيفة، ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلّا بُشرى لَكُم وَلِتَطمَئِنَّ قُلوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللَّهِ العَزيزِ الحَكيمِ﴾.
٦-لن تستحق هذه الأمّةُ النصر، ولن تحصل على التمكين والقيادة؛ إلا إذا قامت وعَمِلت بمقوّمات وشروط النصر؛ من إيمانٍ وتقوى، وصبْرٍ ويقين، وتَدريب وإعدادٍ وتربية، وجهادٍ وقتال وفداء وتضخية، وتجَرُد وأُخُوّة {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ﴾.
ولكي يتحقق النصر؛ فلابد من وجود إعدادَيْن اثنَيْين للأمّة وهما: الإعداد المادي، والإعداد المعنوي. فالإعداد المادّي يكون بالتدريب والسِلاح، والإعداد المعنوي يكون بالإيمان والتقوى. فطائرُ النصر لا يطيرُ إلا بجناحَيْنِ؛ جِناح:﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ …} فهذا (الإعداد العسكري). وجِناح:{إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدامَكُم}، وهذا هو (الإعداد الإيماني). فلابد من هذَين الإعدادَيْن لهذه الأمّة لكي تستحق النصر من عند ربها تعالى.
٧- هذه القصة، وجميع قصص القرْآن الكريم، هي أجمل وأصدق، وأصّح وأبلغ القَصص! فيجب على هذه الأمّة أنْ تَقرأ هذا القرآن، (فهي أمّة اِقرأ)، ويَجب كذلك على هذه الأمّة أنْ تُدَرِّس هذه القِصص القرآنية، وتُعلّمها لجميع الأجيال في المدارس والجامعات.
فالقرآن الكريم ليس مجرد كتاب فيه سطور من الكلمات، وليست حروفُه مجرد كلام يُقرأ، أو آياتٌ تُتلى فقط، لا؛ بل هو سِجِلٌّ لأحداثٍ وظواهر وقعَت في الماضي، ليُعِيد لنا التأريخُ أحداثَها من جديد، فعلى الأمّة اليوم أنْ تأخذ من هذه القصص العِبرَ والعِظات، حتى لا تقع فيما وقع فيه السابقون.
-فإنّ القصص القرآنية جاءت للعبرة والعِظة، فهي وإن كانت تتحدَّث عن مواقف وأحداث، وأشخاصٍ، وأزمنةٍ معينة، إلا أنّ مقاصدَها تتجاوز تلك الظروف، لتخاطب كلَّ عَصر، وكل مَصْر، وكلّ حاكمٍ، وكل محكوم، وكلّ أمةٍ، وكلّ شعب، فقد جاءت هذه القصص والأخبار للإتعاظ والاعتبار، كما قال اللهُ تعالى:﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
*-ولتَعلم هذه الأمّة؛ أنّها لن تَنتفعَ بهذا القرآن، ولن تستفيدَ من هذا الكتاب الرّباني؛ إلا إذا قَرَأَتْهُ بوَعْيٍ، وتَلَتْهُ بتَدَبُّرٍ، وطَبَقَتْهُ بصِدْقٍ، وحكّمَتْهُ عَمَليّاً في كلّ شؤون حياتها)* .﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمّا قَضَيتَ وَيُسَلِّموا تَسليمًا﴾.
-فالقرآن الكريم مليءٌ بالقصص والأخبار التي تَحلّ كلّ مشاكل هذا الأمّة، وتُنيرُ لها طريقَها، وتَرْسِم لها مستقبَلَها الواعدَ المُشرِق.
وصَدَقَ اللهُ تعالى القائل عن كتابه العزيز: ﴿ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ﴾، ﴿وَنَزَّلنا عَلَيكَ الكِتابَ تِبيانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً وَبُشرى لِلمُسلِمينَ}.
*♡ فللّه الحمد والمنّة♡*
﴿لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبابِ ما كانَ حَديثًا يُفتَرى وَلكِن تَصديقَ الَّذي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنونَ﴾.
رَبَّنَا اغفِر لَنا ذُنوبَنا، وَإِسرافَنا في أَمرِنا، وَثَبِّت أَقدامَنا، وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرين.
*♕والحَمدُ اللّه ربّ العالمين♕*
لماذا؟ *إهانةً وإذْلالاً لهؤلاء الجبابرة*. والتأريخ يشهد بذلك؛ فمثلاً مَن الذي قتَلَ جبروتَ قريش، وطاغيةَ مكة (أباجهل)؟ أليس مَن قتَلَ فرعونَ هذه الأمة طفلان صغيران، هما (معاذ ومُعَوّذ) أبناء العفراء؟! وكذلك ألَمْ يُهلِك اللهُ المَلِكَ النمرودَ بأصغر جندٍ من جنوده التي لا يَعلمها إلا هو سبحانه، وهي البعوضة؟ فاللهُ تعالى يُهِينُ هؤلاء الطواغيت بأنْ يجعلَ موتتَهم على أيدي أطفالٍ صغار، أو على أيدي جنودٍ لا يُتوقع منهم أنْ تكون نهايتُهم على أيديهم، كما سمعتم، إذلالاً وإهانةً من اللهِ لهم ﴿وَما يَعلَمُ جُنودَ رَبِّكَ إِلّا هُوَ، وَما هِيَ إِلّا ذِكرى لِلبَشَرِ﴾.
-{فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ، وَقَتَلَ داوودُ جالوتَ، وَآتاهُ اللَّهُ المُلكَ وَالحِكمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ}: فاللهُ هو الذي آتى المُلكَ والحُكمَ لداوود عليه السلام، وآتاهُ وأعطاهُ اللهُ كذلك الحِكْمة، وهي النُّبُوة، وعلّمه مما يشاء. وهذه حكمة أخرى أرادها اللهُ لبني اسرائيل بعد يَقظتهم الإيمانية؛ وهي أنّ اللهَ تعالى أعطى المُلْكَ والنّبوةَ لنبيّه داوود عليه السلام، ليكونَ داوودُ عليه السلام بذلك هو أوّل رَجلٍ في بني اسرائيل جمَعَ بين المُلْك، وبين النّبوة. «فكما عرفتم سابقاً أنّ المُلكَ والنّبوةَ كانتا لا تجتمعان في سِبطٍ واحد في بني إسرائيل». فجَمع اللهُ لنبيّه داوود بينهما معاً، ليكونَ عهدُ داوود، ومِن بعده عهدُ ابنِه سليمان عليهما السلام؛ هو العهد الذهبي لبني اسرائيل في تأريخهم الطويل (القديم منه والحديث).
-{وَآتاهُ اللَّهُ المُلكَ}: فاللهُ تعالى وحده هو الذي يُؤتي ويُعطي، وهو كذلك الذي يأخذ ويَنزِع، فكما أنّ اللهَ انتزعَ الحُكمَ والمُلكَ مِن جالوت؛ هو اللهُ وحده كذلك الذي أعطى وآتى ووهَبَ هذا الحُكم والمُلك لداوود، فهو وحدُه سبحانه من يفعل ذلك، فهو سبحانه مالِك الملوك ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلكِ تُؤتِي المُلكَ مَن تَشاءُ وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ﴾.
-{وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ}: اللهُ هو الذي علّمَ داوودَ مِن بعضِ ما شاء اللهُ أنْ يُعلّمْه إيّاه، مِن أسرار بعض العلوم النافعة، مثل كيفية الحُكم بين الناس، وفصْل الخِطاب بينهم، وعلّمه صناعةَ الدروع وعدةَ الحروب وغيرها... كما قال اللهُ تعالى عنه: ﴿وَعَلَّمناهُ صَنعَةَ لَبوسٍ لَكُم لِتُحصِنَكُم مِن بَأسِكُم فَهَل أَنتُم شاكِرونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. ﴿وعلَّمْناه صنعةَ لَبوسٍ لكم﴾ [أي: علَّم اللهُ داودَ عليه السلام صَنعةَ الدُّروع، فهو أوّل من صَنَعَها، وعَلّمها وسَرَتْ صناعتُه إلى مَنْ بعده، فأَلآنَ اللهُ له الحديدَ، وعلَّمه كيف يَسْرُدُها لماذا؟ ﴿لِتُحْصِنَكُم من بأسِكُم﴾ أي: هي وقايةٌ لكم، وحفظٌ عند الحرب واشتداد البأس. ﴿فهل أنتم شاكرونَ﴾: نعمةَ الله عليكم، حيث أجراها على يد عبده داوود؟. وقد قال المفسِّرون: إنَّ اللهَ أَلاَنَ له الحديدَ، حتَّى كان يعمَله كالعجين والطين من دون إذابةٍ له على النار.]. تفسير السعدي.
*-ثمّ ختمَ اللهُ هذه الآيات وهذه القصة بسُنّةٍ من سُنن اللهِ في هذا الكون، ختمها بسُنةٍ متكررة في كلّ زمان ومكان؛ وهي سُنّة التدافع بين الناس،*
فقال اللهُ تعالى بعد هذه القصة:{وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾.
-فلولا هذه السُنّة؛ سنّةُ التدافع بين الناس، وبين الحقّ والباطل، لولا مقاتلةُ أهلَ الحقّ لأهلِ الباطل؛ لعَمّ الباطلُ أرجاءَ المعمورة، ولانْتشَر الفسادُ في الأرض. أي: لولا أنّ اللهَ تعالى يَدفعُ أهلَ الباطل بأهلِ الحقّ، ويصدُّ أهلَ الفساد بأهلِ الصلاح؛ لعمّ الفسادُ، ولَبَغَى أهلُ الفساد في الأرض، فقتَلوا عندها أهلَ الصلاح، ودَمّروا دُورَ عباداتهم، مِن مساجدَ (للمسلمين)، وبِيَعٍ (كنائس النصارى)، وصَوامع (معابد اليهود)، ولهَدَموها، ولَمَنعوا فيها الصلوات وشعائرَ العبادات، وفتنوهم عن دينهم. كما قال اللهُ تعالى ذلك في سورة الحجّ: ﴿وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذكَرُ فيهَا اسمُ اللَّهِ كَثيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ﴾. [قال ابن عباس: ولولا دفْعُ اللهِ العدوَّ بجنود المسلمين، لَغَلَبَ المشركون، فقتلوا المؤمنين، وخرّبوا البلادَ والمساجد…].
فلولا هذه السُنّة -سنّة التدافع- لمَا انتصرَ طالوتُ وجنودُه، على جالوتَ وجيشِه، ولَعَاش بنو اسرائيل في ذلّ وهوان، وعبودية، وتعذيب، إلى ما شاء اللهُ ذلك. {وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾ ومن فضْل الله على العالَمين في كل زمان ومكان؛ هذه السُنّة، سنّة المدافعة عن الحق، وعن أهل الحق، وعن الصلاح، وأهل الصلاح.
-ثم قال اللهُ تعالى تكلمةً لهذه القصة:{فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ قالوا لا طاقَةَ لَنَا اليَومَ بِجالوتَ وَجُنودِهِ قالَ الَّذينَ يَظُنّونَ أَنَّهُم مُلاقُو اللَّهِ كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصّابِرينَ﴾.
-وهنا لفتة قوية في قوله تعالى: {فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ}
أي: فلما جاوز طالوتُ ومَن تبقى معه من جنودِه النهرَ، فهنا سمّاهم اللهُ مؤمنين (والذين آمنوا معه) ففي السابق كان يسميهم جنوداً (فلما فصل طالوت بالجنود...). أما هنا سماهم اللهُ مؤمنين:(والذين آمنوا معه) لأنّ ذلك جاء بعد تصفية وغربلة للصّف، فأصبح الذين معه الآن متصفِين بالإيمان، بعد نجاحهم في الإختبارات السابقة...، لكن ومع وجود هذا الإيمان، فإنّه لازال البعض لم يكتمل إيمانُه بعد، فقال البعض: (لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودِه).
-فإنّه لما جاوَزَ وتعدّى طالوتُ ومَن بقي معه من المؤمنين النهرَ، ورأَوْا جيشَ العدو، فلما رأوا جالوتَ الظالم وجيشَه الجرّار؛ خاف البعض وارتعدت فرائصُه، ونطَقوا وقالوا خائفين:(لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه) أي لاقوةَ لنا ولا استطاعة في هزيمة هذا الجيش الضخم، فمَن يقدر أنْ يقاوِم هذه القوة الجبّارة في الأرض؟
4/- *فكان هذا هو السقوط الرابع والأخير لبني اسرائيل في هذه المعركة*. السقوط عند ملاقاة العدو.
-فإنّه لايَثبت في أرض المعركة إلا مَن ثبَتهُ اللهُ تعالى. فقد قال البعض هنا:(لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودِه)، فقد كان القائد جَالُوتُ رجلاً مُقاتِلاً ضَخْمًا وشُجَاعًا، لَا يُبَارِزُ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، أضف إلى ذلك أنّ عددَ جيش جالوت عشرات الآلاف، أمّا عدد جيش طالوت فكان أربعة آلاف فقط. عندها قال أصحابُ النفوس المنهزِمة وأصحاب القلوب اليائسة، تكلّم الذين لا يثقِونَ بنصْر ووعْد اللهِ للمؤمنين، نطَق الذين يرَوْن أنّ النصرَ بكثرة العَدَد فقط فنطقوا كلُّهم وقالوا:(لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه). فمَن لم يكتمل إيمانُه؛ نطَقَ وتكلّم، وعبّر عن الهزيمة النفسية التي يعيشها في داخله وقال:(لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه). لكنّ القلّةَ القليلة والفئة المؤمنة الواثقة بنصْر الله، الفئة التي لاترى النصرَ بكثرة العَدَد، ولا بكثرة العُدَد، وإنما تراهُ بالإيمان وبالصبر وبالثبات، تراه بالتضحية وبالفداء، فقالوا وهم معتقدِين بصدْق هذا الكلام، وبمصداقية هذه العبارة: {كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصّابِرينَ﴾. وهذه هي قاعدة عامة للذين يوقنون أنهم ملاقوا ربهم، في كل زمان، وفي كل مكان:{قالَ الَّذينَ يَظُنّونَ أَنَّهُم مُلاقُو اللَّهِ كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصّابِرينَ﴾. قال المؤمنون ذووا الإيمان الراسخ، واليقين المتجذِّر بنصر الله، المستيقنون بهذا اللقاء قولًا وعملًا، الذين يُبصِرون موازينَ الأرض والسماء ببصيرتهم لا بأبصارهم، الذين أخلصوا النيّة لله، وتوكلوا على الله، فأولئك يُنطقهم اللهُ بالحكمة فيقولون:﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.
-(بإذن الله): لأنّ هذه الطائفة القليلة يعتقدون الإعتقاد الجازم الذي لا شكّ فيه؛ أنّ مصدرَ هذه القوة هي من الله، وأنّ القوةَ الغالبةَ دائماً هي قوةُ الله، وأنّ الحقّ دائماً هو المنتصِر بإذن الله وبقدرته، وبإرادته ومشيئته التي لاحدود لها.
*الخطبة الثانية*
-ثمّ جاءت ساعةُ الصفر، فدُقّتْ🥁 طُبول الحرب، واقترب وقتُ اللقاء، وسُلّت السيوف ولَمَعت، واستعد كلُّ فريقٍ للإنقضاض على الآخَر، وحان وقت المبارَزة.
-﴿وَلَمّا بَرَزوا لِجالوتَ وَجُنودِهِ…} أتدرون كم عدد مَن تبقى وثَبَتَ مع طالوت إلى هذه اللحظة الفارِقة، وإلى هذه الساعة الحرِجة؟! اسمع الجواب: فقد روى البخاري عن البراء بن عازب (رضي الله عنه) أنّه قال: (كنّا أصحابَ رسولِ الله ﷺ نتحدث أنّ عِدة بدرٍ، على عِدة أصحاب طالوت…، فلم يُجاوِز معه إلا بضعة عشر رجلاً وثلاثمائة).
-فمِن ثمانين ألف رجل لم يصمد ولم يثبت مع طالوت إلى بداية المعركة إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، كعدد الصحابة يوم بدر (314)رجلاً.
*[فهؤلاء همُ الطائفة المَنصورة، والفِرقة الناجية التي أخذتْ بحظٍّ وافر مِن اليقين بالله، والثقة في النفس، والثبات عند الامتحان، فعُوِّضَت بنوعيَّتها الرفيعة عن قِلَّة عددها. وما الذي سيفوتها إذا كان الواحد من أفرادها كألفٍ أو كمائةٍ من أعدائها بفضْل خصالِه وأخلاقه وعطائه؟ وما فائدةُ كَثْرة غُثائيَّة ترسب في أول اختبار، وتتراجع عند أول تحدّي، تَمتهِن الجدَل، ولا تَقوى على التضحيَة والعمل؟ فما زالت دُروس بدْرٍ وحُنينٍ ماثِلةً للناس، تدحَض أي مماحَكة أو مُجادَلة بالباطل].*
والثاني: أنّه رجلٌ فقير، وليس من الأغنياء، فكان المعيار في الولاية عندهم المال، وليس الكفاءة، ولا حتى الإصطفاء الرباني. [ومتى كان المُلُك بالوارثة؟ ومتى كانت القيادة خاصة بالأغنياء دون غيرهم؟ وأيضاً ما دخْل الثروة في قيادة الجيوش وإدارة الحروب؟ هكذا كان اعتقادهم].
فردّ عليهم هذا النبيّ وقال لهم: اللهُ هو الذي اختاره عليكم، هذا اختيار اللهُ، وليس اختياري أنا، أنا فقط دعوتُ اللهَ، واللهُ هو الذي اصطفاه عليكم، فـ{قالَ إِنَّ اللَّهَ اصطَفاهُ عَلَيكُم وَزادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ} فالمُلْك ليس بالتوارث، بل هو اصطفاء، المُلك ليس من شرْطه أن يكونَ صاحبُه ذا نسبٍ، أو ذا شرفٍ، أو ذا مالٍ، هذا ميزان البشر، أما الميزان عند الله فهو التقوى، والايمان، والعلم، والخبرة، والقوة. فاللهُ تعالى اختاره عليكم، ومِن بينكم لسببين اثنيين وهما: زيادة بسطةً في العلم والجسم، فهم ردّوا ولايتَه لسببين، واللهُ فضّله عليهم أيضاً لسببين:
الأول: أنّ لدى طالوت قوة عقل، وسعة علم، وكثرة تجارب...«بسْطةً في العلِم».
الثاني: أنّ لديه قوةً في الجسم، فقد كان طالوتُ ذا هيبة، قويّ البُنية، عريضَ المنكبين، طويل القامة، ضخم الجُثّة، مَن يراه يهَابه. وهذه هي مواصفات القيادة الحكيمة، فهو اختيارٌ وِفْق مرادِ الله وشرعِه، وبسطةٌ في العلم والفقه والحكمة، وصحةٌ وسلامةٌ في البدن والحواسِّ.
-ثمّ قال لهم نبيُّهم بعدها:{وَاللَّهُ يُؤتي مُلكَهُ مَن يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ} فالمُلك يُؤتيه اللهُ لمن يشاء من عباده، فمَن يُعطي المُلك أو ينزعه هو اللهُ وحده، وليس أنا أو أنتم، فاللهُ هو الذي يُعطي ملكَه لمن يستحقه ولمن يريد، فهو فعّال لما يريد {واللهُ واسعٌ عليمٌ} فهو ذو سِعة في علمه، محيطٌ بكل شيء، عليم بأحوال عباده، وبما يصلح لهم، ومِن بين ذلك الحُكم والمُلْك {وَاللَّهُ يُؤتي مُلكَهُ مَن يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ}.
-ثم قال لهم نبيُهم:﴿... إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَنْ يَأتِيَكُمُ التّابوتُ فيهِ سَكينَةٌ مِن رَبِّكُم وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هارونَ تَحمِلُهُ المَلائِكَةُ إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لَكُم إِن كُنتُم مُؤمِنين}.
فيبدو أنّ القوم مازلوا معترضين على ولاية طالوت عليهم، فهم مازالوا رافضين أنْ يكون طالوت ملِكاً عليهم، وأنه مختار من عند الله، فهم مازالوا عند عنادهم، فلم يُذعنوا لحكْم ربهم، باختيار طالوت ملِكاً عليهم. عندها أعطى اللهُ للمَلِك طالوت أيةً ومعجزةً من السماء، تُثبِتْ للقوم أنّه مَلِكٌ مختارٌ من عند الله، وهذه الآية هي الإتيان بالتابوت عن طريق الملائكة. فقال لهم نبيُهم: «إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَنْ يَأتِيَكُمُ التّابوتُ» فماهو هذا التابوت وما قصتُه؟ وماذا يوجد في داخل هذا التابوت؟ والجواب: أنّ هذا التابوت هو عبارة عن صندوق خشبي، كانوا يضعون فيه ما تبقى من ألواح موسى التي أعطاها اللهُ له، وفي داخله أيضاً عصا موسى، وعمامة نبيّ اللهِ هارون عليهما السلام، فقد كان بنو اسرائيل يأخذون معهم هذا الصندوق في المعارك والحروب ضد أعدائهم تبركاً به، فإنه لما كانوا يشاهدون هذا التابوت في المعركة؛ فإنّهم يتفاءلون بالنصر، وحُسنِ العاقبة، لأنّ هذا التابوت يَرمز عندهم لشيءٍ مقدّس، فيقاتِلون من أجله، ويندفعون للقتال بشراسةٍ وبقوةٍ وجِدّية، تبركاً بما في داخل هذا الصندوق.
فجاءت فترةٌ من الحروب مع أعدائهم كانت نتيجتُها أنْ سُلِبَ منهم هذا الصندوق، وصار مع أعدائهم لسنوات طويلة، ولم يستطيعوا استرجاعه منهم، رغم كثرة المحاولات لذلك، فقد كانت أمنيتُهم أنْ يَرجعَ إليهم هذا التابوت.
-فنبيُّهم (شَمْويل) قال لهم مبيّناً صدْق ولاية طالوت عليهم، وأنه مختار من عند الله، أنّ اللهَ سوف يُرجِع لكم هذا التابوت المفقود، (آيةً) أي علامة لصدق ولاية طالوت عليكم، وأنّ الذي سوف يأتي بهذا التابوت هم الملائكة! وهذه في حدّ ذاتها معجزة، فالملائكةُ هم الذين يحملون هذا التابوت إليكم، وليست مثلاً الرياح تحمله، أو أنّه جاء لوحده وظهر فجأة ولا يرافقه أحد. {إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَنْ يَأتِيَكُمُ التّابوتُ فيهِ سَكينَةٌ مِن رَبِّكُم وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هارونَ تَحمِلُهُ المَلائِكةُ}. وشيءٌ تحمله الملائكة لهو شيءٌ عظيم.
[قال ابن جريج قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون].
وهذا المشهد -مشهد إرجاع التابوت المفقود من سنوات- مشهدٌ يراه قاسي القلب، ومُنكِر صدق ولاية طالوت عليه؛ إنه لمشهدٌ عظيم يجعل أصحابَ القلوب القاسية تَلين، وأصحابَ الأفْئدة المتحجرة تسجد لله شكراً، وتقوم من سجودها وتقول [آمنّا بالله، وصدّقْنا أنّك ياطالوت مَلِكُنا من عند الله]. {إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لَكُم إِنْ كُنتُم مُؤمِنين}. إنّ في إتيان هذا التابوت، والملائكة تحمله إليكم لآيةً لكم إنْ كنتم مصدّقِين بولاية طالوت عليكم.
*(تحليل قصة طالوت مع جنوده، والسقوطات الأربعة لبني اسرائيل)*
جمع وترتيب الاستاذ مطيع عبدالله الظفاري
الْحَمْدُ لِلَّهِ مَالِكِ الْمُلْكِ، يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فهو الذي﴿يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَأَزْكَى الْبَشَرِيَّةَ؛ خَيَّرَهُ رَبُّهُ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالرِّسَالَةِ، وَبَيْنَ الْعُبُودِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. *أما بعد*:
إنّ قصص القرآن الكريم هي أحسن القصص، وأصدقها على الإطلاق، كما قال الله تعالى لنبيّه محمد:(نحنُ نقصُ عليكَ أحسَنَ القَصَص)، وقال تعالى:﴿لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبابِ ما كانَ حَديثًا يُفتَرى وَلكِن تَصديقَ الَّذي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنونَ﴾. ومِن هذه القصص القرآنية؛ قصص بني إسرائيل مع أنبيائهم، وما أكثرُها في القرآن الكريم، ومن هذه القصص:(قصة أحد الأنبياء مع بني إسرائيل، والمعروفة بقصة المَلِك طالوت مع جنوده). فبإذن الله تعالى خلال هذه الدقائق المعدودة، سوف نعرف هذه القصة، *وسوف نتعرف أيضاً على السقوطات الأربعة التي حدثت من بني اسرائيل والتي رافقت هذه القصة.*
عباد االله
لقد ذكَر اللهُ قصةَ طالوت في القرآن في سورة البقرة، في سبع آيات فقط وهي قصة حدثت بعد عهد موسى وأخيه هارون عليهما السلام. وذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَتَابَعَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تَرَكُوا دِينَهُمْ، وَفَسَدَتْ أَخْلَاقُهُمْ، وَانْغَمَسُوا فِي الْمُحَرَّمَاتِ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ فَاسْتَبَاحُوهُمْ وَسَبَوْهُمْ، فَجَاءَ نَفَرٌ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ وَسَادَتِهِمْ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ يَشْكُونَ لَهُ حَالَهُمْ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُ طَلَبَاً! فقال اللهُ تعالى في مطلع هذه القصة:﴿أَلَم تَرَ إِلَى المَلَإِ مِن بَني إِسرائيلَ مِن بَعدِ موسى...}. إذاً وقْت حدوث هذه القصة هو بعد زمان موسى «ألمْ ترَ» والخطاب هنا موجّهَ لمحمد عليه الصلاة والسلام، أي: أَلَمْ ترَ يا محمد أَلَمْ تسمع، أَلَمْ تعلم، أَلَمْ تشاهد، أَلَمْ يأتِكَ خبرُ هؤلاء القوم وخبر هؤلاء الملأ؟ (والملأ): هم رؤساء القوم ووجهائهم، فهم كبار القوم وأشرافهم، فهؤلاء الملأ جاؤا لنبيّ لهم، ولم يذكر القرآن اسم هذا النبيّ، لكنّ المفسرين ذكروا اسمَه فقد ذكر ابن كثير أنّ اسم هذا النبيّ هو *[شَمْويل]*. وقبل أن نعرف ماذا طلب هؤلاء الوجهاء من هذا النبيّ، نريد أولاً أنْ نعرف مَن هو هذا النبيّ وما قصتُه؟ فكما نعرف أنّ بني اسرائيل اثنا عشر سِبطاً، أي اثني عشر قبيلة، وهؤلاء هم أولاد نبيّ الله يعقوب عليه السلام، فكانت العادة عند بني اسرائيل أنّ النبوة تكون من نسْل وسبطٍ واحد، وهو سبط نبيّ الله [لاَوا]، وأنّ المُلْك والحُكم يكون من نسل وسبطٍ آخر، وهو سبط [يهوذا]، فالنبوة والمُلك لا يجتمعان في سبطٍ واحد في بني اسرائيل. فجاءت فترة من الزمن لم يبقَ من نسل النبوة [من نسل لآوا] إلا رجلٌ واحد، إذا مات هذا الرجل؛ فإنّ النبوة سوف تنقطع من نسل بني اسرائيل كما هي العادة عندهم. عندها قام بنو اسرائيل بتزويج هذا الرجل بإمرأةٍ، لعلّها تُنجِب ولداً ذكَراً ليكون نبيّاً، ويستمر به نسلُ الأنبياء من بعده. وبالفعل تمّ الزواج، وبعد الزواج مات هذا الرجل في أحد المعارك، فقام بنو اسرائيل وقتها بحراسة زوجته الحامل، ووضعوها في بيتٍ محصّنٍ، وقدّموا لها جميع الخدمات حتى تعيش، لعلّها تلِدُ لهم ولداً ذَكَراً يَخْلُف أباه بعد موته. وبعد تسعة أشهر من الحفاظ والرعاية لهذه المرأة، ولدَتْ هذه المرأة إبناً ذكَراً، ففرح بنو اسرائيل به، واهتموا به وحافظوا عليه ورعَوْه صغيراً، فلما كبُر هذا الصبيّ، أوحى اللهُ إليه، وصار نبيّاً من الأنبياء الصالحين.
-فلما أصبح نبيّاً؛ جاء إليه هؤلاء الأشراف من بني اسرائيل، جاءُوه وسألوه وطلبوا منه أنْ يَبعثَ لهم، أي يختار لهم مَلِكاً مناسباً يقودهم للقتال في سبيل الله.{إِذْ قالوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابعَث لَنا مَلِكًا نُقاتِل في سَبيلِ اللَّهِ} نريد أنْ نقاتلَ في سبيل الله، يكفينا ذلٌ وهوان، يكفينا تشريد وتعذيب، جاءت لهم صحوةٌ إيمانية، انتفضت عندهم العقيدة، وبُثَّ في قلوبهم روحُ الجهاد
الحمدُ للهِ الذي جعلَ في هذه الأمةِ بقيةً من خير، يُحيي بها القلوب بعد موتها، ويوقظ بها الضمائر بعد غفلتها، أحمده سبحانه على ما ابتلى به فطهَّر، وعلى ما قدَّر فدبَّر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل نصرة المظلوم دينًا، وخذلانَه خسرانًا مبينًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بلَّغ الرسالة، وأقام الحجة، وربط بين الإيمان والواقع، وبين العقيدة والمسؤولية؛ فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]
وبعد، عباد الله!
□ فإن من أعظم الأمانات في هذا الزمان، أمانة الكلمة، وأمانة البيان؛ فالعلماء، والدعاة، والإعلاميون، ليسوا مجرد ناقلين للأحداث؛ بل هم صُنّاع وعي، وحراس حقيقة.
إن دورهم أن يكشفوا التضليل، وأن يفضحوا الزيف، وأن يقولوا الحق لا يخافون في الله لومة لائم. قال ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» [رواه أبو داود (4344)، والترمذي (2174)، وصححه الألباني]؛ فأين الكلمة الصادقة؟ وأين الصوت الذي يصدع بالحق؟ أين من يجعل الأقصى قضية يومه، والأسرى همَّ ليله؟
إن الصمت في مواطن البيان خيانة، والتهميش المتعمد للقضايا الكبرى جريمة في حق الأمة.
وإن تحويل قضية الأقصى والأسرى إلى أولوية دائمة، هو أول طريق النهضة، وأول خطوة في استعادة الوعي.
□ عباد الله! ليست كل القضايا سواء، ولا كل المعارك تستحق أن تُخاض. وإن من الفقه أن نعرف ما نقدِّم، وما نؤخر، ما نجتمع عليه، وما نؤجله. وقضية الأقصى ليست قضية هامشية؛ بل هي في قلب الصراع، وفي صميم هوية الأمة. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]؛ فلا يجوز أن تُقدَّم الخلافات الثانوية على القضايا المصيرية، ولا أن تُستهلك الطاقات في معارك جانبية، بينما العدو يتقدم.
ووحدة الصف ليست خيارًا تجميليًا؛ بل شرطٌ من شروط النصر. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: 4]
□ عباد الله! إن معركة الأقصى ليست حدودًا وجغرافيا؛ بل هي معركة هوية ووجود؛ فالأقصى ليس مجرد مسجد؛ بل هو بوابة نهضة؛ فإن حفظناه؛ حفظنا أنفسنا، وإن ضيعناه؛ ضاعت منا معالم الطريق.
وإن الصراع اليوم ليس محليًا؛ بل هو صراع حضاري شامل، تُراد فيه إعادة تشكيل الأمة، ونزع هويتها، وفصلها عن دينها. قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]
وتحرير الأرض لا يكون إلا بتحرير الإنسان، من الخوف، ومن التبعية، ومن الجهل؛ فإذا تحررت النفوس؛ تحررت الأرض، وإذا استيقظت الأمة؛ استعادت دورها، وقادت العالم من جديد.
□ عباد الله! مهما اشتد الظلام؛ فإن الفجر آتٍ لا محالة. وهذه سنن الله، لا تتخلف، ولا تتبدل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
إن الأزمات الكبرى، ليست نهاية؛ بل بداية تحولات عظيمة. وما نراه اليوم، من شدة، وضيق، واضطراب، إنما هو مخاض مرحلة جديدة؛ فالظلم لا يدوم، والطغيان لا يبقى، مهما طال. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]؛ لكن المستقبل لا يُمنح؛ بل يُصنع،
يُصنع بجيلٍ واعٍ، يحمل القضية، ويعيش لها، ويضحي من أجلها.
□ عباد الله! قد يظن بعض الناس أن دوره صغير، وأنه لا يملك شيئًا. وهذا وهمٌ خطير؛ فكل واحدٍ منا له دور، له كلمة، له موقف. قال ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم (49)]
والكلمة الصادقة معركة، والموقف الثابت جهاد.
وتربية النفس على الصدق، والثبات، وعدم التلون، هي أساس كل تغيير. ليس المطلوب أن نشعر فقط؛ بل أن نتحرك،
أن نُحوِّل الألم إلى عمل، والتفاعل إلى التزام.
□ عباد الله! الأقصى والأسرى ليسوا خبرًا؛ بل اختبار؛ اختبارٌ لضمير الأمة، اختبارٌ لإيمانها، اختبارٌ لصدقها مع ربها.
والصمت ليس حيادًا؛ بل موقف،
ومن سكت عن الحق وهو قادر؛ فقد خذله.
والنهضة لا تبدأ من الخارج؛ بل من الداخل، ومن إدراك المسؤولية، ومن صدق التوجه إلى الله.
والتغيير لا يأتي دفعة واحدة، بل يبدأ بخطوة، خطوة صادقة، نحو الله، ثم خطوة ثابتة، نحو الواجب.
هذا، وصلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير، محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ ۚ يٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب : 56].
اللهم صل وسلم وبارك على النبي وآله وارضَ عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعلينا معهم برحمتك وفضلك يا رب العالمين!
*الأقصى والأسرى*
*صرخة أمة ومسؤولية نهضة*
*إعــداد / حــســـن الـكـنزلي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*محاور الخطبة:*
□ مركزية المسجد الأقصى في العقيدة والهوية
□ طبيعة المخطط القائم تجاه المسجد الأقصى
□ قراءة في سلوك الاحتلال ومنهجيته
□ قضية الأسرى الوجه الآخر للمأساة
□ البعد الإنساني والأخلاقي لقضية الأسرى
□ واقع الأمة بين الغفلة والتشظي
□ سنن التدافع والصراع في المنظور الإسلامي
□ عوامل الضعف الداخلي
□ معالم النهوض واستعادة الدور
□ دور الشعوب في نصرة الأقصى والأسرى
□ دور النخب والعلماء والإعلاميين
□ فقه الأولويات في واقع الصراع
□ البعد الحضاري والاستراتيجي للقضية
□ الأمل والوعد والمستقبل
□ مسؤولية الفرد في معركة الأمة
□ خاتمة (من الوعي إلى الفعل)
*الخطبة الأولى:*
الحمد لله الذي جعل المسجد الأقصى قبلةً للأولين والآخرين، ومهدً للأنبياء، وحمى دينه، وأيد رسله. نحمده على نعمة الإسلام، ونستعينه على نصرة المظلومين، ونستغفره من كل تقصير في حق دينه ومقدساته.
وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه.
عباد الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنها الزادُ في الشدائد، والنورُ في الظلمات، والعاصمُ من الفتن، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
وبعد، عباد الله
□ فإن المسجد الأقصى ليس خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، ولا قضيةً تُطرح ثم تُنسى؛ بل هو عقيدةٌ تسكن القلوب، وأمانةٌ في الأعناق، وعنوانُ هويةٍ لهذه الأمة.
الأقصى ليس أرضًا فقط؛ بل هو دينٌ يُتعبد به، ومقدسٌ يُتقرَّب إلى الله بحفظه ونصرته، كيف لا؟ وقد جعله الله من آياته العظمى، فقال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]
هو مسرى نبيكم، ومجمع أنبياء ربكم، ومهوى أفئدة المؤمنين.
وفي السنة، يقول ﷺ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، ومسجدي هذا، والمسجدِ الأقصى» [رواه البخاري (1189)، ومسلم (1397)]
فأيُّ مقامٍ أعظم من هذا؟ وأيُّ شرفٍ أرفع من أن يكون الأقصى ثالث الحرمين، وأحد أعمدة الارتباط الإيماني لهذه الأمة؟
إن الأقصى معيار صدق الانتماء، فمن كان قلبه مع الأقصى؛ فهو حيُّ الإيمان، ومن غاب عنه الأقصى؛ غاب عنه شيء من روحه.
□ عباد الله! ما يجري اليوم ليس حادثةً عابرة! بل هو مشروعٌ متدرج، يُنفذ خطوةً خطوة:
– إغلاقٌ للمسجد، ومنعٌ للأذان، وتضييقٌ على المصلين، حتى يُراد أن يُصبح الدخول إليه استثناءً بعد أن كان الأصل.
– محاولاتٌ لفرض واقعٍ جديد، تُغيَّر فيه هوية المكان، وتُبدَّل فيه معالمه، ويُسحب منه طابعه الإسلامي شيئًا فشيئًا.
– حفرياتٌ تحت الأساسات، وتهديدٌ للبنية، في صمتٍ دوليٍّ مريب، وكأنَّ هذا المسجد لا ربَّ له يحميه، ولا أمةَ له تدافع عنه.
– إنها سياسة التدرج، يبدأون بالمنع، ثم التقسيم، ثم السيطرة، حتى يصلوا إلى ما يريدون.
□ عباد الله! إن من يقرأ الواقع بعين البصيرة؛ يدرك أن ما يجري ليس عشوائيًا؛ بل هو منهجٌ مدروس:
– قوةٌ تُستعمل لاختبار ردود الأفعال؛ فإن سكتت الأمة؛ زادوا، وإن ضعفت؛ تمادوا.
– يستغلون تفرقنا، وانشغالنا بأنفسنا، فيصنعون الوقائع على الأرض، ثم يفرضونها كأمرٍ واقع.
– يجمعون بين البطش في الميدان، والتضليل في الإعلام؛ حتى يربكوا العقول، ويخدروا المشاعر.
وهنا يأتي السؤال: أين موقعنا نحن؟ هل نحن متفرجون؟ أم شهود حق؟ أم أصحاب رسالة؟
□ عباد الله! وإذا كان الأقصى جرحًا مفتوحًا؛ فإن الأسرى نزيفٌ لا يتوقف؛
– آلافٌ خلف القضبان، في زنازين ضيقة، يُعذبون جسدًا وروحًا، ويُحرمون من أبسط حقوق الإنسان. يقول النبي ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسلمه» [رواه البخاري (2442)، ومسلم (2580)]؛ فكيف بنا وقد تُركوا وحدهم؟
– قوانينٌ تُسنّ لإعدامهم، لا لمحاكمتهم، في تحولٍ خطير، يُخرج القضية من دائرة الظلم إلى دائرة الإبادة المقننة.
ومع ذلك، يثبتون، ويصبرون، ويكتبون بآلامهم صفحات العزة والكرامة.
□ عباد الله! الأسرى ليسوا أرقامًا في تقارير؛ بل هم آباءٌ وأبناء، لهم وجوهٌ وأسماء، لهم أمهاتٌ تبكي، وأطفالٌ ينتظرون.
بيوتٌ تُهدم معنويًا، وأسرٌ تُفكك، وأجيالٌ تُحرم من حنان الآباء.
إنها قضية إنسان؛ قبل أن تكون قضية أرض. والعجيب أن العالم الذي يتغنى بالحرية، يقف صامتًا، وكأن الدم إذا كان عربيًا أو مسلمًا، فقد قيمته. قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: 75]
إنها صرخة المستضعفين؛ فهل من مجيب؟ إنها محنة الأخوة؛ فهل من وفاء؟ إنها لحظة اختبار؛ فإما أن نكون أمةً حية، أو مجرد أرقامٍ في تاريخٍ يُكتب بغيرنا. وقد "كان السلف يعدّون الأسير أمانةً في أعناق الأمة" [ابن قدامة، المغني 9/237].
وقد أمرَ اللهُ تعالى بالمحافظةِ عليها فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) . وقد حثَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال:(من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظْ عليها لم تكن له نوراً ولا برهاناً ولا نجاة ، وكان يومَ القيامة مع قارونَ وفرعونَ وهامانَ وأبيِّ بنِ خلف) .
وقد توعَّد الله تعالى المضيِّعين لها بالغيِّ والإثمِ والتورُّط في وحلِ الشهواتِ، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) وقد هدَّد اللهُ الساهين عن الصلاةِ بالويْلِ، فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُون)
أيها المؤمنون: إن أعظمَ صورِ إضاعةِ الصلاةِ والغفلةِ عنها ذاك الذنبُ العظيمُ الخطيرُ الكبيرُ، الذي تورَّط فيه جمعٌ غيرُ قليل، ألا وهو تركُ الصلاة والعياذ بالله، ويالَها من نكبةٍ كبرى، ومصيبةٍ عظمى، ونازلةٍ شنعاء أن يقطع العبدُ صلتَه بمولاه، الذي لا غنى له عنه طرفةَ عين.
أيها المؤمنون: إن تركَ الصلاةِ انخلاعٌ من الدِّينِ، وانسلاخٌ من الإسلامِ، وكفرٌ باللهِ الواحدِ القهارِ، فتركُ الصلاةِ، والمحافظةُ على عدم القيامِ بها لا يكونُ من رجلٍ في قلبِه مثقالُ حبةِ خردلٍ من إيمانٍ، بل واللهِ لا يصدرُ إلا من قلبٍ قد عشعَشَ فيه الشيطانُ، كما قال الله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّه) ؛ ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى حكمِ على تارك الصلاةِ بالكفرِ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(بين الرجلِ وبين الشركِ والكفرِ تركُ الصلاة) ، وفي المسند قال صلى الله عليه وسلم : (العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاةُ، فمَن تركَها فقد كفَر) .
وقد أجمع الصحابةُ الكرامُ على كفرِ تاركِ الصلاةِ، فعن عبد الله بن شقيق رحمه الله قال: "كان أصحابُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئاً من الأعمالِ تركُه كفرٌ، غيرَ الصلاةِ" .
وقد قال عمر رضي الله عنه : "لا إسلامَ لمن لم يصلِّ" .
وقال عليٌّ رضي الله عنه : "من لم يصلِّ فقد كفَرَ" .
وقد جعل الله تركَ الصلاة من أسبابِ دخولِ النار، فاستمع -بارك الله فيك- إلى جوابِ أهلِ النارِ، عندما يسألون عن سببِ دخولها، قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) ، فياليتَ شِعري! هل علم أولئك المستهترون الساهون، الذين حافظوا على تركِ الصلواتِ واستهانوا بها، بأنه لا إيمانَ لمن لا صلاةَ له؟!
فتركُ الصلاةِ كفرٌ أيضاً، أولئك متلاعبون بدينِهم، يظنُّون أنَّ الأمر هيِّنٌ سهلٌ، لا واللهِ، إن الأمرَ جِدُّ خطيرٌ، فإن تركَ صلاةٍ واحدةٍ سببٌ لإحباط العمل، فعن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :(من تركَ صلاةَ العصرِ حبطَ عملُه ) .
فكيف أيها الإخوان بتركِ الصلاةِ تلوَ الصلاةِ؟!
واعلموا بارك الله فيكم أن إحباطَ العملِ ليس خاصًّا بتركِ صلاةِ العصر، بل هو ثابتٌ بتركِ أيِّ صلاةٍ من الصلواتِ المكتوبةِ.
فاتقوا الله عبادَ اللهِ، وحافظوا على هذه الشعيرةِ العظيمةِ، التي من لم يحافظ عليها أدركه الخذلانُ، وغشيته اللعنةُ والسخطُ، وانقطع عنه من ربه المددُ، ومن حافظ عليها، فقد أخذ بأسبابِ السعادة والنجاةِ والفوزِ والفلاحِ.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.
*الخطبة الثانية:*
الحمد لله حمدا يليق بجلال الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن سار على طريقته ونهجه. أما بعد:
عباد الله: إن الصلاةَ من أعظمِ العباداتِ، وقد أمرَ اللهُ تعالى بها الأنبياءَ جميعاً، فهذا إمامُ الحنفاءِ إبراهيمُ عليه السلام يسأل ربَّه، فيقولُ:﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) وأمر تعالى بها موسى عليه السلام، فقال:﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) ومما يؤكِّدُ أهميةَ الصلاةِ أنها واجبةٌ على كلِّ أحدِ، ولا تسقطُ ما دام العقل ثابتاً.
ويظهر مكانتَها أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أوصى بها وهو في سكراتِ الموتِ، وفي الرَّمَقِ الأخيرِ، فكان يقول لأصحابه في مرضِه الذي تُوفِّي فيه:(الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانُكم) فما زال يقولها حتى ما يفيضَ بها لسانُه . وفي رواية: وهو يغرغر بنفسه:(الصلاةَ وما ملكت أيمانكم) .
لا إله إلا أنت سبحانك، إنَّا كنَّا من الظالمينَ، ربنا تقبَّل توبتَنا، واغسل حوبتَنا، وأَجِبْ دعوتَنا، وثبِّت حُجَّتَنا، وَاهْدِ قلوبَنا، وسدِّد ألسنَتَنَا، وَاسْلُلْ سخيمةَ قلوبِنا، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[الْحَشْرِ: 10]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[الْبَقَرَةِ: 216].
وأعرفُ خلقِ اللهِ به أنبياؤه ورسلُه، فمَن نظَر فيما جرى عليهم، من الأمور التي في ظاهرها امتحانٌ وابتلاءٌ، وبأساءٌ وضرَّاءُ، ولكِنْ في باطنها لطفٌ ورأفةٌ، ورِفْق ورحمة، أيقَن أن الأمر كله بيد اللطيف، فهذا يوسف -عليه السلام-، توالَت عليه الشدائد منذ صِغَره؛ فتآمَر عليه إخوتُه، وحرموه من البقاء مع والديه؛ وألقَوْه في الجُبِّ، وبِيع بثمن بخس، ثم لبث في السجن بضع سنين، وهو وحيد بعيد، ولكِنَّ اللهَ -تعالى- لطَف به؛ فالجُبُّ كان حمايةً له من القتل، والرق كان حماية له من التيه في الصحراء، والسجن ابتلاءٌ وعصمةٌ من دواعي المعصية، وفيه التقى بمَنْ أوصَل نبأه إلى الملك، فأصبحت هذه البلايا والرزايا سببًا لرفعة يوسف -عليه السلام-، في الدنيا والآخرة، وجمَع اللهُ شملَه بوالديه وأهله، وهو في غاية العز والعظمة والرفعة، مع ما منَّ اللهُ -تعالى- به عليه من النبوة، (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ)[يُوسُفَ: 100].
أيها المؤمنون: إن مظاهر لطف الله بعباده كثيرة، لا يمكن حصرُها، أو الإحاطة بها، فمِن لُطفِ اللهِ بعباده أنه يقدِّر أرزاقَهم، بِمَا يَحْتَسِبُونَ وَمَا لَا يَحْتَسِبُونَ، وَبِمَا يَظُنُّونَ وَمَا لَا يَظُنُّونَ، وكل ذلك بحسب علمه بمصالحهم، لا بحسب رغباتهم، لطفًا بهم وبرًّا، ورحمةً وإحسانًا، (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)[الشُّورَى: 27]، وفي (مسند الإمام أحمد): "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَيَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيَا، وَهُوَ يُحِبُّهُ، كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، تَخَافُونَهُ عَلَيْهِ".
ومن لطفه -سبحانه- بعباده المؤمنين، يُخرِجُهم من ظلمات الجهل والكفر والمعصية، إلى نور العلم والإيمان والطاعة، ويُذِيقهم حلاوةَ بعض الطاعات؛ ليرغبوا بما هو أجلُّ وأعلى منها، كما يوفِّقُهم بلطفه وإحسانه؛ لنَهْيِ النفسِ عن الهوى، فيجازيهم جنة المأوى، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[النَّازِعَاتِ: 40-41].
ومن لطف الله بعبده: أن يبتليه ببعض المصائب، فيوفِّقه -سبحانه- للصبر عليها، فينال الدرجات العالية، التي لا يُدرِكُها بعمله، فإن كان قويَّ الإيمان، شُدِّدَ عليه في البلاء؛ ليزداد بذلك إيمانُه، ويعظُمَ أجرُه، وأمَّا المؤمنُ الضعيفُ، فيخفَّف عنه في البلاء؛ لطفًا به ورحمةً؛ لئلا يضعف إيمانه، فسبحان اللطيف، في سرَّائه وضرَّائه، وعافيته وابتلائه، وفي الصحيحين: عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ، وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ"، (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[النِّسَاءِ: 19]، وفي الزهد لابن المبارك، قال عمر -رضي الله عنه وأرضاه-: "ما أبالي على أي حال أصبحتُ، على ما أحب أو على ما أكره؛ لأني لا أدري الخير فيما أُحِبُّ، أو فيما أَكرَهُ".
ومن لطف الله -تعالى- بعبده: أن يجعل ما يقترفه العبد من المعاصي سببًا لرحمته وعفوه، فيَفتَح له بعد وقوع المعصية، بابَ التضرع والتوبة، حتى لَترى العبدَ يُسرِفُ على نفسِه بالمعاصي، فإذا لم يبقَ بينَه وبينَ قبره إلا ذراعٌ، فتَح اللطيفُ عليه أبوابَ الاستغفارِ والتَّوبةِ، فنَدِمَ على ما مضى من حياته، وعَمِلَ بعملِ أهلِ الجنةِ، وفي الصحيحين: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ"، قال ابن القيم -رحمه الله-: "فإنه -سبحانه- القيوم، المقيم لكل شيء من المخلوقات، طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيموميته بمن أحبَّه وتولَّاه، وآثَرَه على ما سواه، ورضي به من الناس، حبيبًا وربًّا، ووكيلًا وناصرًا، ومعينًا وهاديًا، فلو كشف الغطاء عن ألطافه وبره وصنعه له، من حيث يعلم، ومن حيث لا يعلم لذاب قلبُه حبًّا لله، وشوقًا إليه، ويقع شكرًا له" انتهى كلامه -رحمه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)يفضل أن يبين الخطيب هذه المعاني أثناء قراءته للحديث
والله سبحانه قد بين أن الأرض ثابتة والشمس هي التي تدور.
قال تعالى:" وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس : 38]
وقال تعالى:" اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً"الآية [غافر : 64]
وثبتها بالجبال لئلا تميد أو تهتز وتضطرب فقال:" أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [النبأ : 6 ، 7]
وعندهم نظريات خاطئة كثيرة لا يجوز الأخذ بها ولسنا في صدد الرد عليها.
فعندنا كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وأقوال السلف الصالح يكفينا ويغنينا عما يقوله الكفار وغيرهم من أصحاب الأهواء .
فمن أخذ دينه من أهل الأهواء ضل وغوى ومن أخذ دينه من الكتاب والسنة فلا يضل ولا يشقى.
اللهم بصرنا في ديننا وثبتنا عليه اللهم وفقنا لطاعتك وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واعصمنا من الزلل والقول بغير علم اللهم أدم علينا نعمك ووفقنا لشكرها اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وجميع سخطك اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب اللهم إنا نعوذ بك من غضبك وعقوبتك وأليم عذابك ولا حول ولا قوة إلا بك.
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
أما بعد:
فقد ذكرنا لكم نعمة المطر وأهميته وكيف يكون شكر هذه النعمة, ونذكر الآن بعض الأدعية والأذكار المشروعة عند نزول المطر. وبعض الأحكام المتعلقة بالمطر.
ونذكر بعض أسباب نزول الغيث وموانعه.
فقد رو ى البخاري عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى المَطَرَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» .
أي: اللهم أصبه مطرًا لا ضرر فيه من سيل أو هدم أو عذاب.
ويشرع الدعاء عند نزول المطر فإنه قد ثبت أن هذا الوقت من الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء لأنه وقت الرحمة .
فقد روى الحاكم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن سول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ثنتان لا تردان الدعاء عند النداء وتحت المطر".
قوله :"عند النداء": أي الأذان.
قال المناوي رحمه الله عند شرحه لهذا الحديث: "ثنتان لا تردان الدعاء عند النداء" يعني الأذان للصلاة وتحت المطر أي دعاء من هو تحت المطر لا يرد أو قلما يرد فإنه وقت نزول الرحمة لا سيما أول قطر السنة. اهـ .
ويشرع التسبيح عند سماع صوت الرعد فقد جاء عن بعض السلف التسبيح عند سماعه قال تعالى: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالملاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَال}[الرعد:13] .والرعد اسم ملك كما سيأتي .
قال المفسر البغوي رحمه الله: عن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويقول: إن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد.
وذهب أكثر المفسرين على أن الرعد اسم ملك يسوق السحاب ,والصوت المسموع منه تسبيحه.
قال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته وهو على كل شيء قدير فإن أصابته صاعقة فعليَّ ديته. اهـ.
وروى الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قال النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الرَّعْدِ مَلَكٌ مِنَ الملاَئِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ شَاءَ الله والصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ منه زَجْرَةٌ السَّحَابِ إِذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَيْثُ أمره".
والمطر ينزل برحمة الله ثم بأسباب مشروعة يحدثها العباد وهي التقوى والطاعات والدعاء والاستسقاء والتضرع بين يدي الله بينما المعاصي والفتن وقطع الزكوات من موانع نزول الغيث.
قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون}[الأعراف:96] .
والبركات التي تنزل من السماء هي المطر كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره .
وقال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا}[الجن:16] .
وقال تعالى عن نوح عليه السلام: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا }[نوح:10-11] أي غيثا غزيرا متتابعا.
وروى الإمام مسلم رحمه الله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ - لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ - فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ ".
فانظر يا عبد الله كيف اختص الله صاحب هذه الحديقة بالسقيا دون غيره بسبب ما كان ينفق منها .
وبالمقابل فإن الذين يبخلون عن النفقة والزكاة يتسببون في انقطاع الغيث من السماء.
فقد روى ابن ماجه رحمه الله عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِالله أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ
فإذا نزل المطر اخضرت الأرض واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج كريم ,فبه تحيا الأرض ومن ثَمَّ حياة الإنسان والحيوان ,فإن حياة الإنسان منوطة بحياة الأرض لأن أصله من الأرض ومن الطين فيأكل من ثمارها وينظر إلى بهجتها فيطمئن فؤاده وتسكن نفسه ويهدأ باله ويرتاح عقله.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِير}[الحج:63] .
ومن نعمة الله علينا أن الله سبحانه وتعالى يُسكن ما زاد من الأمطار في خزانات أرضية في جوف الأرض لينتفع بها العباد في سائر الأيام وخصوصًا في الأوقات التي لم تنزل فيها الأمطار, وذلك عن طريق سيول الأنهار وحفر الآبار فلله الحمد والمنة.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ}[الزُّمَر:21] .
ومن رحمته أنه ينزل المطر بقدر ما ينتفع به العباد بلا ضرر.
قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُون}[المؤمنون:18].
قال المفسر ابن كثير رحمه الله: يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، فِي إِنْزَالِهِ القَطْر مِنَ السَّمَاءِ {بِقَدَرٍ} أَيْ: بِحَسْبِ الْحَاجَةِ، لَا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ الْأَرْضَ وَالْعُمْرَانَ، وَلَا قَلِيلًا فَلَا يَكْفِي الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، حَتَّى إِنَّ الْأَرَاضِيَ الَّتِي تَحْتَاجُ مَاءً كَثِيرًا لِزَرْعِهَا وَلَا تَحْتَمِلُ دِمْنتها إِنْزَالَ المطَرِ عَلَيْهَا، يَسُوقُ إِلَيْهَا الماءَ مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى، كَمَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، يَسُوقُ الله إِلَيْهَا مَاءَ النِّيلِ مَعَهُ طِينٌ أَحْمَرُ يَجْتَرِفُهُ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ فِي زَمَانِ أَمْطَارِهَا، فيَقَرُّ الطِّينُ عَلَى أرضهم ليزرعوا فِيهِ، وَقَوْلُهُ: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ} أَيْ: جَعَلَنَا الماءَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّحَابِ يَخْلُدُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَنَا فِي الْأَرْضِ قابليَّة لَهُ، تَشْرَبُهُ وَيَتَغَذَّى بِهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى. وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} أَيْ: لَوْ شِئْنَا أَلَّا تُمْطِرَ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَصَرَفْنَاهُ عَنْكُمْ أو نجعله أُجَاجًا لَا تنتفعون به أو يَغُورُ إِلَى مَدَى لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ لَفَعَلْنَا. وَلَكِنْ بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ الماءَ مِنَ السَّحَابِ عَذْبًا فُرَاتًا زُلَالًا فَيُسْكِنُهُ فِي الْأَرْضِ ويَسْلُكُه يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، فَيَفْتَحُ الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ، فَيَسْقِي بِهِ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، وَتَشْرَبُونَ منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون وَتَتَنَظَّفُونَ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. اهـ بتصرف في بعضه.
وقال المفسر السعدي رحمه الله: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ} أي: أنزلناه عليها، فسكن واستقر، وأخرج بقدرة منزله جميع الأزواج النباتية، وأسكنه أيضا معدا في خزائن الأرض، بحيث لم يذهب نازلا حتى لا يوصل إليه، ولا يبلغ قعره".اهـ
وقال في قوله تعالى :"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ".
يذكِّر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا، يستخرج بسهولة ويسر. اهـ .
فلا تغفل يا عبد الله عن هذه النعمة ولا تنسبها إلى غير معطيها فإن الله سبحانه يذكرنا بها في سورة الواقعة بقوله: {أَفَرَأَيْتُمُ الماء الَّذِي تَشْرَبُون * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُون * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُون }[الواقعة:68-70].
ومعنى "المزن": أي السحب. "وأجاجا": أي مالحا.
وهو الذي ينزل الغيث حال قنوط الناس وبأسهم وظنهم أنه لا يأتيهم ويأخذون الاحتياطات من الأقوات والأعلاف فينزل المطر فيفرحون ويستبشرون به.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيد}[الشورى:28] .
وربما نزل المطر عقب قنوط الناس وقحطهم كما قال تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشَّرح:6] .
قال المفسر ابن كثير رحمه الله في تفسيره: قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الخطاب رضي الله عنه: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قُحِطَ المطَرُ وَقَنَطَ النَّاسُ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ: مُطِرْتُمْ. ثُمَّ قَرَأَ :"وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ". اهـ
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*تذكير البشر بنعمة المطر*
*لأبي عبدالرحمن الفاضلي العودي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*الخطبة الأولى*
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد ه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون}[آل عمران:102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء:1]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }[الأحزاب:70-71]
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
أيها الأخوة المسلمون..
نحب أن نذكر أنفسنا في يومنا هذا بنعمة عظيمة غفل عن شكرها كثير من الناس ألا وهي نعمة الأمطار.
قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله}[النحل:53]
وقال تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار}[إبراهيم:34] .
ومن هذه النعم نعمة المطر وما يترتب عليه من خيرات.
قال تعال:" فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [عبس : 24 - 32]
قال المفسر السعدي رحمه الله: { فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا } أي: أنزلنا المطر على الأرض بكثرة.
{ ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ } للنبات { شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا } أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة، والأقوات الشهية { حبًّا } وهذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها، { وَعِنَبًا وَقَضْبًا } وهو القت، { وَزَيْتُونًا وَنَخْلا } وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ومنافعها.
{ وَحَدَائِقَ غُلْبًا } أي: بساتين فيها الأشجار الكثيرة الملتفة، { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } الفاكهة: ما يتفكه فيه الإنسان، من تين وعنب وخوخ ورمان، وغير ذلك.
والأب: ما تأكله البهائم والأنعام، ولهذا قال: { مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ } التي خلقها الله وسخرها لكم، فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره.اهـ
فالمطر يا عباد الله جعله الله سببا للحياة ,فبه حياة الإنسان والجان والطير والحيوان والحشرات والحيتان والأرض والنبات وجعله الله مصدرًا للأرزاق .
قال تعالى: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون} [الذاريات:22] .
قال المفسر ابن كثير رحمه الله: "وفي السماء رزقكم" هو المطر" وما توعدون" هي الجنة قاله ابن عباس ومجاهد وغيره. اهـ
وقال السعدي رحمه الله : {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ } أي مادة رزقكم، من الأمطار، وصنوف الأقدار، الرزق الديني والدنيوي، { وَمَا تُوعَدُونَ } من الجزاء في الدنيا والآخرة، فإنه ينزل من عند الله، كسائر الأقدار.اهـ
وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُون}[الأنبياء:30] .
قال البغوي رحمه الله: أي :أحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر يعني أنه سبب لحياة كل شيء. اهـ .
والمطر عباد الله ينقسم إلى قسمين:
مطر عذاب والعياذ بالله, ومطر غيث.
فأما مطر العذاب كالذي حصل لقوم لوط وهو مطر من حجارة دمرتهم فجعلتهم كأعجاز نخل خاوية وكالذي حصل لعاد وهوعذاب فيها ريح أليم تدمر كل شيء بإذن ربها.
قال تعالى عن قوم لوط: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِين}[الشعراء:173] وقال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِين * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيل }[الحِجر:73-74] .
للاشتراك في اللستة تفاعل نار🔥
دعـــــم طـــريــق الـــخـيــر🌪⬆️
{على العَالَمِينَ﴾: على العالَم أجمع، لأنّ الفسادَ والقتلَ إذا عَمّ لن يستثنيَ أحداً، ولن يَسْلمَ منه أحد، فكانت هذه السُنّة فضلاً من الله على العالَمين أجمع في كل زمان ومكان، {وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾.
-وسُنّة التدافع سُنّةٌ كونية ثابتة، وجارية ومستمرة إلى قيام الساعة، حفاظاً للدِين، واستمراريةً لاستقامة العيش، واعتدالاً لميزان الحياة.
فهذه سُنّةٌ يجب على الأمّة أنْ تُدركها، وأنْ تَعِيَها أذْنٌ واعية…
-وبانتهاء هذه المعركة، وبانتصار داوود على جالوت، وانتصار الحقّ وغلَبَته على الباطل؛ تنتهي قصة طالوت وقومه، وتبدأ قصةٌ ومرحلةٌ جديدة لبني اسرائيل مع نبيّ الله داود عليه السلام.
- *ثمّ تَوّجَ اللهُ ختامَ هذه القصة* بقوله تعالى: ﴿تِلكَ آياتُ اللَّهِ نَتلوها عَلَيكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، أي: تلك آياتُ اللهِ الواضحة البيّنة نتلوها عليك -أيها النبيّ- متضمنةً صِدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، وإنك يامحمد لمن المرسلين من ربّ العالمين.
فهذه الآيات، وهذه القصة جاءت بالحقّ، ولأجل الحقّ، فالقصة في حدّ ذاتها حقّ. {وَإِنَّكَ [يامحمد] لَمِنَ المُرسَلينَ﴾، فهذه قصةٌ حدثت في قديم الزمان، لا يَعلم بها العَرب، فلا يَعلم بها إلا علماءُ أهل الكتاب، فمَن أخبرك يامحمد بهذه القصة وبتفاصيلها؟! فإخبارُك للناس بهذه القصة وبتفاصيلها؛ يدّل دلالةً قطعية أنّك نبيٌّ من عند الله، وأنّ الذي أطلعَك على أحداث هذه القصة هو اللهُ الذي أرسلَك للناس رسولاً، {وَإِنَّكَ [عندنا] لَمِنَ المُرسَلينَ﴾.
-فهذه القصة هي احدى اثباتات نبوتك يامحمد عند العَرب، وعند أهل الكتاب، فأنتَ رجلٌ أميٌّ لا تَقرأ ولا تَكتب، ولم تسمع بهذه القصة لا أنتَ ولا قومُك من قبْل، فهذه أمورٌ غيبية، كما قال اللهُ تعالى:﴿تِلكَ مِن أَنباءِ الغَيبِ نوحيها إِلَيكَ ما كُنتَ تَعلَمُها أَنتَ وَلا قَومُكَ مِن قَبلِ هذا فَاصبِر إِنَّ العاقِبَةَ لِلمُتَّقينَ}. فإخبارك يا محمد بهذه القصة، وبغيرها من قِصص الأمم السابقة، دليلٌ على أنّك رسولٌ حقٌّ من عند الله تعالى. ﴿تِلكَ آياتُ اللَّهِ نَتلوها عَلَيكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلينَ﴾.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-في الختام يا عباد الله
*إليكم بعض الدروس المستفادة من هذه القصة،وما تُعلّمُنا هذه القصة*؛ فمنها:
١- أنّ الأمّةَ الإسلامية متى ما رجعَت إلى دينها، ومتى ماانتفضت ورجعت إلى عقيدتها، متى ما أعلنت الجهادَ في سبيل الله ضد أعدائها، متى ما اجتمعت مع حكّامها وملوكها وعلمائها…، متى ما كان ذلك كلُّه؛ نصَرَها اللهُ، وأعانها على أعدائها، وأعادَ لها العزةَ والكرامةَ، والتمكينَ في الأرض، وأرْجَعَ لها مقدساتِها المسلوبة منها، وكذلك يُبدَلها اللهُ بدَل الذّل عِزاً، وبدَل الخوف أمْناً، وبدَل الفقر غنىً، وبدَل الجوع شِبْعاً، وجعلَها في مقدمة الركْب، بَدَل ماتكون في ذيْل القافلة. كما حدَث ذلك لبني اسرائيل في هذه القصة.
٢- لابد للقائد المسلم من عَمَل اختبارات معيّنة، لتصفية وغربلة الصفّ الإسلامي من الضعفاء والجُبناء، والمرجِفين، والمخذّلِين للصفّ، لكي تبقى معه صفوةُ الصَفوة من الرّجال الأوفياء، والمخلِصين لله وللدِين وللوطن، حتى يُعتَمد عليهم في الأوقات الصعبة والحَرِجة.
وقد عَمِلت هذه الغربلةُ عَملَها في هذه القصة عبرَ مراحل عِدَّة، فذهب الزَبَدُ وبقِيَ النافع الذي يتحقَّق على يدَيه النصر، وهم القِلَّة المؤمنة المتحلِّية بالصبر على المكاره، وعلى الضغوطات المتنوِّعة، والعقَبات الكَؤُود. {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيَمكُثُ فِي الأَرضِ}.
٣- لا يثبت في أرض المعركة إلا مَن ثبّتَهُ اللهُ تعالى، فلا يَثبتْ في أرض المعركة إلا مَن كان قلبُه مليئاً بالإيمان والتقوى، ومَن ترّبى على ذلك، وأعّدَ نفسَه للجهاد، وتدرّب عليه، وعاش وماتَ من أجله. ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدامَكُم﴾ [محمد: ٧].
٤- وعلَمَتْنا قصةُ طالوت كذلك؛ أنّ أصحابَ القلوب المريضة، وأصحاب النفوس المنهزمة؛ وضعفاء الايمان واليقين بالله؛ لا يَثبتون في أرض المعركة، ولن يستمروا في نصرة الحقّ، فإنّه عند أول اختبارٍ لهم سَيسقُطون، وسيُكْشَفُ الستارُ عن حقيقتهم المَخْفِيَة، كما حدث ذلك لبني اسرائيل حين قالوا: (لا طاقةَ لنا بجالوتَ وجنودِه).
٥- تُعلمُنا هذه القصة كذلك؛ أنّ النصرَ ليس بكثرة العَدَد، ولا بكثرة القوة والعُدَد؛ بل النصر من عند الله تعالى، النصر يكون بقوة العقيدة، وبصدْق الإيمان، وبمصداقية الإنتماء لهذا الدِين. النصر يكون بالثبات في أرض المعركة، بعد الدعاء والتضرع واللجوء إلى الله، والاستعانة به على قوة العدو. والتأريخ يشهد بذلك، فـ«كم من فئةٍ قليلةٍ غلبَت فئةً كثيرةً بإذن الله، واللهُ مع الصابرين».
عباد الله
-فلمّا قَرُب وقْت المعركة؛ رَفعَتْ هذه الفئةُ المؤمنة المتبقية، رفعَت أيديَها إلى السماء تدعوا اللهَ، وتطلب منه ثلاثَ دعوات:{وَلَمّا بَرَزوا لِجالوتَ وَجُنودِهِ قالوا رَبَّنا أَفرِغ عَلَينا صَبرًا، وَثَبِّت أَقدامَنا، وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرينَ﴾. فهذه ثلاث دعوات:
١- (ربنا أفرِغ علينا صَبْراً): أي أفرغ علينا افراغاً، أي صُبّ علينا من الصبر صبّاً، وأفرِغ أي: أملِئْ قلوبَنا صبراً، وسكينةً، وطمأنينةً، وقُدْرةً لتحمّل مشقةَ هوْل هذه المعركة.
٢- (وثبِتْ أقدامَنا): تثبيتاً في أرض المعركة، بحيث لا تَتَزحزح، ولا تضطرب، ولا تَميل، ولا تهرب عند اللقاء.
٣- (وانصرنا على القوم الكافرين): فالهدف عندهم واضح ومرسوم، وهو قتال أهل الكفر، ومحاربة الباطل وجندِه، (وانصرنا على القوم الكافرين). فهذه ثلاث دعوات متتالية، ومرتبة ترتبياً مرحلياً، فكلّ دعوة ومرحلة مبنيّة على التي قبلها، فأوّل ما يحتاجه المجاهد في أرض المعركة هو الصبر عند المواجهة، (أفرِغ علينا صبراً)، والصبر مقدمٌ على ثبات القدَم، فمَن صَبَر قلبُه؛ ثَبُتَتْ قدَمُه. فالصبر سلاح معنوي نفسي، ضروري للمجاهد في أرض المعركة، فهذه الأولى.
(وثبّت أقدامَنا): فلا تَثبُتْ في أرض المعركة إلا أقدامُ الصابرين، أمّا الجبناء الخائفون الجَزِعون؛ فلا تَثبت أقدامُهم، بل تنزلِق وتوَلِّي الأدبار، وهذه الثانية.
ثم طلبوا النصرَ من الله، وهو نهاية الأمر ومَطلبُه، وهو نتيجة لهذا الصبر والثبات، (وانصرنا على القوم الكافرين).
-وهذه الدعوات الثلاث؛ هي دعوة كلّ نبيٍّ قاتـَلَ هو وأتباعُه أعداءَ الله، كما قال اللهُ تعالى حاكياً عنهم: ﴿وَكَأَيِّن مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيّونَ كَثيرٌ فَما وَهَنوا لِما أَصابَهُم في سَبيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفوا وَمَا استَكانوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرينَ}. [فهذه الأولى الصبر]، {وَما كانَ قَولَهُم إِلّا أَن قالوا رَبَّنَا اغفِر لَنا ذُنوبَنا وَإِسرافَنا في أَمرِنا وَثَبِّت أَقدامَنا[وهذه الثانية طلَبُ الثبات]، وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرينَ}. [وهذه الثالثة طلَب النصر من الله]. (والنتجية لهذه الدعوات هي): {فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنيا [بالنصر والظَفَر والغنيمة والتمكين]، وَحُسنَ ثَوابِ الآخِرَةِ [بتَقَبُل شهادتهم في سبيله، والرضا عنهم، وبالنعيم المُقيم]، وَاللَّهُ يُحِبُّ ْالمُحسِنينَ، [فهو إحسان مقابل إحسان]﴾. [آل عمران: ١٤٦-١٤٨].
*أيّها المسلم الكريم*:
-فلمّا دعَتْ هذه الفئةُ المؤمنة بهذه الدعوات الثلاث؛ أجاب اللهُ دعوتَهم، ولبَّى لهم طلَبهم، فقال اللهُ عنهم: ﴿فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ…} الفئةُ المؤمنة القليلة، هزمَت أضخمَ جيشٍ في ذلكم الزمن، فإنّه لما صَبرَت هذه الفئة القليلة المؤمنة، التي لايتجاوز عددُها الثلاثمائةَ وبضعة عشر رجلاً؛ لما صبروا وثبتُوا، ولجؤُوا إلى الله بالدعوات؛ عندها نصرَهمُ اللهُ، وهَزَم أعداءَهم (فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ) أي بأمر الله، وإرادته، ومشيئته، وتقديره.
-فالنصرُ ياعبادالله ليس بكثرة العَدَد أو العُدَد؛ إنما النصر من عند الله وحده، إذا شاءَ وأذِنَ بذلك، فَمَع استيفاء المؤمنين لشروط النصر، أمدّهم اللهُ به ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} وأنْفذَ اللهُ وعدَه للمؤمنين بالنصر والتمكين.
-{فهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ، وَقَتَلَ داوودُ جالوتَ} فالقاتل هو داوود، والمقتول هو جالوت، وهنا تظهر لنا شخصيةٌ جديدة في هذه القصة، فقد كان في هذا الجيش فتىً صغيراً اسمه (داوود). فإنّه لمّا دعا جالوتُ للمبارزة، كعادة الحروب السابقة، خرج لجالوت فتىً شابٌ يريد مبارزتَه، فقال له جالوتُ: ارجع أنت صغير لا أريدُ أنْ أقتُلك، فقال له داوود في عِزةٍ وإصرار: بل أنا واللهِ أريد أنْ أقتلك! وقد كان داوود فتىً شجاعاً، ماهراً في الرمي، يرمي بالمقلاع، (والمقلاع هو آلة صغيرة في اليد، تُوضع فيها حَجرٌ، ثم يُشَّد، ثم يُطْلَق، لتنطلق منه الحجر بسرعة إلى هدفها، كما يستخدمه أطفال الحجارة اليوم في فلسطين).
-وهنا بدأت المبارزة بينهما، بدأت المبارزة بين أضخم قائد عرفه التأريخ، وبين شابٍّ صغير سجّل له التأريخ هذه البطولة، وفي حين غفلةٍ أخذ داوودُ المقلاعَ، وقد تدرّب على استخدامه منذ صغره، أخذه ووضع فيه حَجَراً، ثم شَدّه إليه، ثم أطلقَه، فانطلقت الحَجرةُ فأصابت رأسَ جالوت، فشجّه، فسقط جالوتُ صريعاً على الأرض أمام الجميع، ثم علا داوودُ فوق جالوت فاجتزّ رأسَه بسيفه، فـ(قَتَلَ داوودُ جالوتَ) وانتصر الحقّ، وهُزِم الباطل، وتمّ التمكين، وشاءَ اللهُ أنْ تكون نهايةُ هذا القائد الظالم وهذا الجبروت الذي أرعَبَ أهلَ زمانه؛ شاءَ اللهُ أن تكون نهايتُه على يد فتىً صغير اسمه داوود!. أتدرون لماذا؟ حتى يُرِي اللهُ الناسَ أنّ هؤلاء الجبابرة، وهولاء الطواغيت الذين يَخاف الناسُ منهم؛ ماهم إلا أناسٌ ضُعفاء، يَغلبهمُ الصغارُ، متى ماشاء اللهُ ذلك.
وبرؤيتهم لهذه الآية وهذه المعجزة بأمّ أعينهم؛ ورجوع التابوت المفقود إليهم؛ قد أقام نبيُّ اللهِ عليهم الحُجَّة التي لا مفرّ لهم منها، فقبِلوا عندها بطالوت ملِكاً عليهم مُختاراً من عند الله تعالى.
عباد الله:
-بعدها قام الملِكُ طالوت بتجهيز الجيش، وتنظيمه، وترتيبه، استعداداً للجهاد في سبيل الله، ومقاتلة أعداء الله. فقال اللهُ تعالى بعدها:﴿فَلَمّا فَصَلَ طالوتُ بِالجُنودِ} -أي بعد ما جهّزَ طالوتُ الجيشَ وسار به، وانفصل وخرجوا عن البلدة التي كانوا فيها، وتحرّكوا باتجاه مكان العدو لمقاتلتهم، وصاروا عُطَاشاً من عناء طول الطريق- قال لهم ملِكُهم وقائدُهم طالوت: {قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبتَليكُم بِنَهَرٍ، فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنّي، وَمَن لَم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنّي إِلّا مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ، فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم}.
3/- *فكان هذا هو السقوط الثالث لبني اسرائيل*: (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم).
فقد كان السقوط الأول لبني اسرائيل عند حبّ الدنيا وكراهية الموت، وذلك بترك الجهاد في سبيل الله، (فلمّا كُتِب عليهم القتالُ تَولوْا إلا قليلاً منهم)، وقد كان السقوط الثاني لهم عند الكِبر والأنانية وحبّ الذات، وعدم الإعتراف بالغير، فقالوا معترضين: (أنّى يكونُ لهُ المُلكُ عَلينا، ونحنُ أحقّ بالمُلكِ منه، ولم يُؤْت سَعةً من المال).
-والآن نحن في صَدد السقوط الثالث: وهو السقوط عند تنفيذ الأوامر، وذلك بترك ملذات النفس وشهواتها، (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم). فإنّه لما تحرّك الجيشُ، وقطَعَ مسافةً من الطريق، حتى إذا مَا مرّوا بنهْرٍ قيل: (هو نهرٌ بين الأردن وفلسطين)، أراد المَلِك طالوت أنْ يختبر هذا الجيش، يختبر صمودَه أمام الرغبات النفسية، ويختبر مدى صبرهم عن الحِرمان لبعض الأشياء المرغوبة والمحبوبة لدى النفس البشرية، فاختار طالوتُ حرمان شُرْب الماء اختباراً لهذا الجيش، فقال لهم طالوت:{إِنَّ اللَّهَ مُبتَليكُم بِنَهَرٍ، فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنّي،[أي: لايتبعني، ولايسير معي، ولا يُكمل طريقَه معنا] وَمَن لَم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنّي[أي: مَن لم يشرب منه فهو مني، أي فإنّه سوف يستمر معي في هذه الرحلة الجهادية] إِلّا مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ}(إلا): استثناء مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ [إلا مَن شَرِب شَرْبةً واحدةً بيده، يَبِلُّ بها ريقَه، ويُطفِئ بها عطَشَه، فلا بأس بذلك، فهو مازال مني، وسيستمر طريقُه معي]،(فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم) فتساقَطَ هنا الضعفاءُ وذووا الأهواء وأصحابُ الدعَاوى والشعارات الكاذبة، فقد سقطَ أكثرُ الجيش أمام هذا الاختبار، فلقد خالفَ آوامرَ قائد الجيش أغلبُ القوم، فانفصلوا عن الجيش لأنّهم لا يَصْلُحون للمهمة الملقاة على عاتقهم، فهم لم يستطيعوا مخالفة رغبات أنفسهم، ولم يصبروا أمام المغريات، فسقط أكثرُ رجال الجيش، ابتلاءاً وتمحيصاً من الله تعالى لهم.
أيها المؤمنُ الحقيقي:
ليس الهدف من هذا الاختبار هو تعطيش الناس أو إرهاقهم؛ كلا، فمَن اغترف غُرفةً بيده كانت ستكفيه، ولن يظمأ بعدها، ولكنّ اللهَ أراد -عن طريق هذا الملِك- أنْ يختبرَ هؤلاء القوم ليعرِفَ من هو الصادقَ والجادّ في القتال منهم، وليعلم الصابِر من الذي لا يصبر…، فإنّ قوةَ الجيش لا تُقاس بالعَدَد الكثير الضخم فقط؛ بل تُقاس أيضاً بالقلب الصامد، وبالإرادة الجازمة، وبالإيمان الراسخ، وبالإلتزام بالأوامر وعدم مخالفتها، وأيضاً تُقاس قوةُ الجيش وصلابته؛ بترك رغبات النفس، وتقديم أمرَ الله على كلّ شيء، ولو كان الجيش بعدها قِلّةً قليلة. فكان لزاماً من وجود هذا الاختبار، ليعلمَ اللهُ الذين صدقوا ويعلمَ الكاذبين. (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم).
-فلابدّ أيها القادة من حدوث غربلة في الصفّ الإسلامي، لتَفرزَ لكم هذه الغربلةُ مَن هو المستعد للقتال وملاقاة العدو، مِمن هو غير مستعد. فلقد أفرز لطالوت هذا الاختبار مَن الذي سوف يصبر في أرض المعركة مِمن لا يصبر. فإنه مَن خاف على نفسه من الهلاك عطَشَاً، فإنّه سوف يَجبُن عن القتال حفاظاً على نفسه من الهلاك، فمَن لم يصبر على غُصّة العطش؛ لن يصبرَ على ضرْبة السيف.
-أتدرون كم كان عددُ الجيش الذين تحركوا مع طالوت منذ البداية؛ فقد كانوا (80) ثمانين ألفاً، وقد سقط في هذا الاختبار (76) ستة وسبعون ألف مقاتل، فلم ينجح في هذا الاختبار إلا (4) أربعةُ آلاف رجل فقط. فمِن "ثمانين ألف" لم ينجح إلا "أربعة آلاف" يعني مَن تبقى مع طالوت حوالي سُدْسُ الجيش فقط، قلّة قليلة، (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم). نسأل اللهَ الثباتَ على الأمر، والغنيمةَ على الرشد، والصبر عند البلاء، والنجاح عند الاختبار.
في سبيل الله، فقالوا لهذا النبيّ[شَمويل]: ابعث لنا ملِكاً نقاتل تحت رايته في سبيل الله. ولكون نبيِّهم هذا يعلم حقيقةَ طبائعهم، مِن خَوَر العزائم، وضعف الهِمم، وزيف النوايا؛ أراد أن يستوثِق منهم، فـ{قالَ هَل عَسَيتُم إِنْ كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتالُ أَلّا تُقاتِلوا} قال لهم: مَن يدري إذا فُرِضَ عليكم الجهاد، وأَرسلَ اللهُ لكم ملِكاً، لربما تنقصون عن الجهاد، وتتراجعون عن قولكم هذا؟ قال لهم ذلك قبل أن يدعو اللهَ، ويطلب منه هذا الطلب! قال لهم: ألاَ يُتوقع منكم الجُبْن، وترك القتال؟ ألاَ يُتوقع منكم إنْ أمرَكم اللهُ بالجهاد ألاّ تقاتلوا؟ يمكن هذا الطلب منكم حمَاسةً وقْتِيَّة؟ فقالوا له: لا، نحن مستعدون للجهاد، حبّ الجهاد يجري في دمائنا {قالوا وَما لَنا أَلّا نُقاتِلَ في سَبيلِ اللَّهِ وَقَد أُخرِجنا مِن دِيارِنا وَأَبنائِنا} قالوا لماذا نجبن عن القتال؟ ولماذا نتهرب عن الجهاد؟ وهناك مبررات ومسبِبات لطلب هذا الجهاد؛ فقد أُخرِجنا من ديارنا، وقد أسَر الأعداءُ أبناءَنا، وقد طُردنا من بلادنا، لقد سُلِبت منّا كرامتُنا، ونُهِبت منّا مقدساتُنا، نحن المظلومون، أنتَ أرسل لنا ملِكاً فقط، ونحن سوف نقاتل تحت إمارته، ونجاهد تحت إدارته، وبدون ترددٍ، أو تراجع، نحن متعطشون للجهاد في سبيل الله. فسبحان الله! {فَلَمّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتالُ تَوَلَّوا إِلّا قَليلًا مِنهُم وَاللَّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ}. فلما فرَضَ اللهُ عليهم الجهاد، تولوْا وتركوا الجهاد، ونكصوا وتراجعوا عن وعدهم الذي قطعوه على أنفسهم عند نبيّهم شمويل، فكان هذا هو السقوط الأول لهم.
1/- *هذا أول سقوط لبني اسرائيل عند نبيهم {فَلَمّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتالُ تَوَلَّوا إِلّا قَليلًا مِنهُم}*، هنا ظهرت سِمة نقْض العهد ونكْث الوعد، ظهرت سِمة التفَلّت والتهرّب عن فعْل التكاليف، وهذه سِمةٌ وصِفةٌ متكررة في كل زمان ومكان عند كلّ الأمم. وهكذا تبيَّن أنَّ اندفاعهم الأوَّل للقتال كان مجرَّد نزوة عابرة وحمَاسةً وقْتِيَّة، لم تَصمُد أمام الخطوات العملية الأولى. {وَاللَّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ} فاللهُ وحده يعلم مَن يظلم نفسَه، فيحمِّلها ويكلّفها ما لاتقدر على الوفاء به.
-وقولُه تعالى:{تَوَلَّوا إِلّا قَليلًا منهم} دليلٌ على أنّ هناك فئةً قليلةً مؤمنةً تفي بوعد الله، تفي بالوعود التي تقطعها على أنفسها، فئةٌ مؤمنة صادقة في إيمانها مطيعةٌ لأوامر ربها (إلا قليلاً منهم) فهؤلاء القلّة القليلة هم مَن يَنصُر اللهُ بهم دينَه، ويُعلِي بهم رايتَه، وتُحفظ بهم بيضةُ الإسلام. فهذه هي حكمة الله، فرغْم عِلْمُ اللهِ السابق؛ أنّ هناك عدداً كثيراً من هؤلاء الناس سوف ينكثون عن هذا العهد، ولا يجاهدون في سبيل الله ولا يستجيبون لأمر الله؛ مع هذا كلِّه؛ فقد استجاب اللهُ لطلب هذا النبيّ، ففرض اللهُ عليهم الجهاد، واختار لهم ملِكاً، ابتلاءً لهم، تدرون لماذا؟ لشيئَيْن اثنيين:
الأول: ليعلمَ اللهُ الصادقَ مِن عباده مِن الكاذب، كما قال الله تعالى:﴿وَلَقَد فَتَنَّا الَّذينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقوا وَلَيَعلَمَنَّ الكاذِبينَ﴾.
والثاني: لإظهار فضْل هؤلاء القِلة القليلة الصادقة، ليُظهرَ اللهُ فضلَهم على غيرهم، ويصطفيهم اللهُ من بين العدد الكثير من الناس (إلا قليلاً منهم) وهذه القلة القليلة الصادقة سوف ترافقنا في كل مراحل هذه القصة.
-ثم قال اللهُ تعالى بعدها:﴿وَقالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طالوتَ مَلِكًا} قال لهم نبيُهم: لقد استجاب اللهُ لطلبكم وقد اختار اللهُ لكم طالوتَ ملِكاً عليكم (فقد جاء قرارٌ بتعيين طالوت ملِكًا على بني إسرائيل بأمرٍ إلهي، وقد بلَّغَهم بهذا القرار نبيُّهم عليه السلام) {إِنَّ اللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طالوتَ مَلِكًا}، وهذا الخطاب موجّه لمن بقِي من بني إسرائيل مع هذا النبيّ، للذين مازال فيهم حبُّ الجهاد، والرغبة في القتال.
2/- *وهنا جاء السقوط الثاني*: فقد قالوا معترضين ومستنكرين هذا الاختيار لطالوت عليهم: {قالوا أَنّى يَكونُ لَهُ المُلكُ عَلَينا وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ، وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِنَ المالِ}؟. فكيف يتولى طالوت علينا؟ فهو رجلٌ فقير وليس ذا مالٍ، وكذلك ليس من ذريّة أو نسْل الملوك.
[وقد كان طالوتُ رجلاً فقيراً، يعمل دبّاغاً للجلود، نعم هو منهم، ولكنّه ليس من نسْل يهوذا، لكنّه كان رجلاً مؤمناً وتقيّاً، وكان صاحبَ علم دين وشريعة، وصاحب حُجّة قوية، وصاحب جسم قوي].
-فبنو اسرائيل ردّوا ولايةَ طالوت عليهم حـين{قالوا أَنّى يَكونُ لَهُ المُلكُ عَلَينا، وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ، وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِنَ المالِ} لسببين هما: الأول: أنه ليس من نسْل الملوك، فليس فيه دمّ مَلكي، أي ليس من نسل ملوك يهوذا.
اللهم يا ربَّ المسجد الأقصى، ويا ناصر المستضعفين، نسألك أن تُحيي في قلوبنا الإيمان، وأن تردَّنا إليك ردًّا جميلًا، وأن توقظ فينا الشعور بالمسؤولية، فلا نكون من الغافلين ولا من المخذِّلين.
اللهم وحِّد صفوفنا، واجمع كلمتنا على الحق، وألِّف بين قلوبنا، وانزع منَّا التفرق والخذلان، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم انصر المسجد الأقصى، واحفظه من كيد المعتدين، واكتب لنا شرف نصرته وخدمته، واجعلنا من المرابطين له ولو بقلوبنا وألسنتنا.
اللهم فكَّ أسر الأسرى، وارفع عنهم الظلم، وثبِّتهم في محنتهم، واربط على قلوب ذويهم، واجعلنا من الساعين لنصرتهم، غير المتخلِّين عنهم.
اللهم ارزقنا الصدق في القول والعمل، واجعلنا من أهل المواقف الثابتة، والكلمة الصادقة، والعمل النافع، ولا تجعلنا ممن يقولون ما لا يفعلون.
اللهم أخرجنا من الضعف إلى القوة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الغفلة إلى اليقظة، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، واجعلنا سببًا في نهضة أمتنا، وردِّ عزتها، ورفع رايتها، إنك على كل شيء قدير.
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
□ عباد الله! إن من أعظم ما يُبكي القلب، ويُدمي الفؤاد، أن ترى أمةً عظيمةً كأمتنا، قد انشغلت عن جراحها الكبرى بصراعاتها الصغيرة. انشغلت بخلافاتها، وتفرقت كلمتها، حتى أصبح الأخ يخاصم أخاه، ويطعن بعضُنا بعضًا، بينما العدو يتقدم خطوةً بعد خطوة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]
ضعف في الشعور بالمسؤولية، حتى صار بعض الناس يرى أن القضية لا تعنيه، وأن الأقصى بعيدٌ عنه، وأن الأسرى ليسوا من شأنه.
أين معنى الجسد الواحد؟ أين قوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [رواه البخاري (6011)، ومسلم (2586)]
غابت الأولويات، فصارت القضايا الكبرى تُزاحمها تفاهات، وتُنسى المآسي الحقيقية وسط ضجيج لا قيمة له.
أما الإعلام، فقد صار في كثير من صوره أداة تمييع؛ يُضخم الصغير، ويُصغر العظيم، حتى يبرد الإحساس، وتخفت الغيرة.
□ عباد الله! إن ما نراه اليوم ليس جديدًا؛ بل هو سنة ماضية من سنن الله في الأرض. صراعٌ بين الحق والباطل، لا يتوقف، ولا ينتهي، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]؛ لكن النصر ليس بالأماني، ولا بالشعارات؛ بل بالإيمان الصادق، والعمل الجاد. قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7] وزوال الظلم ليس حلمًا؛ بل وعدٌ؛ لكنه مرتبط بقيام الأمة بواجبها.
والابتلاء الذي نعيشه، ليس عقوبة فقط؛ بل تمحيصٌ وإعداد، يميز الله به الصادق من المدعي. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]
□ عباد الله! إن أخطر ما يواجه الأمة، ليس عدوها فقط؛ بل ما في داخلها:
– التفرق الذي مزق الصف، والاختلاف الذي أضعف القوة. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]
– والتعلق بالدنيا، والخوف من التضحيات، حتى صار بعض الناس يخشى على راحته أكثر مما يخشى على دينه ومقدساته. قال ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». قيل: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن» قيل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» [رواه أبو داود (4297)، وصححه الألباني]
– غياب المشروع الجامع الذي يوحد الأمة، وضعف الوعي بحقيقة الصراع، حتى صار بعض الناس يجهل من عدوه، ومن صديقه.
□ عباد الله! إن الأمة التي تعرف موطن الداء، تستطيع أن تبدأ طريق الدواء:
– وأول ذلك: بناء الوعي الصحيح، وفتح العيون على حقيقة ما يجري، بعيدًا عن التضليل والتزييف.
– ثم إعادة ترتيب الأولويات، فلا يُقدَّم هامشٌ على أصل، ولا تُنسى قضية الأقصى والأسرى وسط زحام الحياة.
– وتربية الأجيال على حب المقدسات، وتعظيمها، وربطهم بها، حتى ينشأ جيلٌ يحمل القضية في قلبه لا في لسانه فقط. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]
– واستعادة روح المسؤولية، حتى يشعر كل فرد أنه جزء من هذه الأمة، وأن عليه دورًا، مهما كان صغيرًا.
□ عباد الله! إن نصرة الأقصى والأسرى ليست مهمة فئة؛ بل مسؤولية أمة:
– فلا بد من إحياء القضية في الوعي، بأن تبقى حاضرة في القلوب والعقول، لا تغيب، ولا تُنسى.
– ولا بد من ودعم صمود أهل فلسطين، بكل وسيلة مشروعة، مادية كانت أو معنوية.
– ولا بد من تفعيل الضغط الشعبي، بالكلمة الصادقة، والموقف الواضح، وعدم السكوت عن الظلم. قال ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» [رواه أبو داود (4344)، والترمذي (2174)، وصححه الألباني]
– ولا بد من نصرة القضية بالمقاطعة، وبكل ما يضعف الظالم، ويقوي المظلوم.
إنها مسؤولية الكلمة، ومسؤولية الموقف، ومسؤولية الوعي؛ فلا يكن أحدنا مجرد متابع؛ بل ليكن شاهد حق، وصاحب موقف؛ فإن الصمت في زمن القضايا خذلان، وإن الحياد في معركة الحق باطل.
قالَ مَن بيدهُ الأمرُ كلُّه، ويعلمُ سرائرَ القلوب، سبحانهُ العزيز الحكيم:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
نسألُ اللهَ أن يوفقنا لتغييرِ ما بأنفسنا من تقصيرٍ وضعف، وأن يجعلَ إصلاحَها سببًا لنُسقِطَ عنّا البلاء، ويعلو بنا فضلُه وهدايته.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين؛ فاستغفروه، إنه الغفور الرحيم.
*الخطبة الثانية:*
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt