519
•| قصائد إسلامية باصوات شجية صــوتيآ ومــرئيـآ فيها التاريخ وفيها الوعظ وفيها الفقه
لماذا يحتل الذكر هذه المكانة المركزية في الإسلام؟
لو تأملت القرآن، لوجدت الذكر ليس عبادةً هامشية تؤدى في وقت الفراغ، بل حاضرًا في قلب الحياة الدينية كلها.
الصلاة:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
وبعد الصلاة:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
وفي الحج:
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
وفي العمل وطلب الرزق:
﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
وفي الخوف:
﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
وفي مواجهة العدو:
﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
وفي الأمر العام:
﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
وفي وصف المؤمنين:
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾.
فلماذا كل هذا؟
لأن الإسلام لا يريد أن تكون علاقتك بالله محصورة في لحظات العبادة، ثم تنفصل عنها عندما تعود إلى حياتك.
بل يريد أن يبقى الله حاضرًا في وعيك، وضميرك، وقراراتك، وسلوكك.
وهنا تظهر مركزية الذكر في الإسلام:
الصلاة توقظ صلتك بالله، والذكر يحافظ على هذه الصلة بعد الصلاة.
الحج يأخذك إلى الله، والذكر يمنعك من العودة إلى الغفلة بعد انتهاء المناسك.
تعمل في السوق، لكن الذكر يمنع الدنيا من أن تصبح مركز حياتك.
تواجه الخوف، لكن الذكر يمنع الخوف من أن يحتل قلبك.
تدخل المعركة، لكن الذكر يحفظ ثباتك ويذكرك بمن بيده النصر.
فالذكر ليس شيئًا منفصلًا عن العبادة؛ بل هو الذي يبقي معنى العبادة حاضرًا في بقية الحياة.
ولهذا قال الله:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
كأن الصلاة نفسها لها مقصد يتجاوز الحركات؛ أن يبقى الله حاضرًا في وعيك.
والإنسان مشكلته الكبرى أنه ينسى.
قد يعرف الحق ثم ينساه عند الشهوة، ويعرف الآخرة ثم تستغرقه الدنيا، ويؤمن بأن الرزق بيد الله ثم ينهشه القلق.
ولهذا قال:
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.
فالذكر يعالج أخطر ما يهدد الإنسان: أن يعرف الله ثم يعيش غافلًا عنه.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«مَثَلُ الذي يَذْكُرُ ربَّه والذي لا يَذْكُرُ ربَّه مثلُ الحيِّ والميِّتِ».
وقال ﷺ:
«سبق المفردون»، قالوا: ومن المفردون؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات».
لاحظ كلمة كثيرًا.
فالذكر الكثير ليس لأن الله يحتاج إلى كثرة ذكرك، وإنما لأنك أنت تحتاج إلى كثرة الرجوع إليه.
فالإنسان يتأثر بما يتكرر في وعيه.
إن كررت الدنيا، أصبحت الدنيا معيارك.
وإن كررت كلام الناس، أصبح رضاهم معيارك.
وإن كررت الشهوات، أصبحت رغباتك هي التي تقودك.
أما إذا كررت ذكر الله، بقيت الحقيقة الكبرى حاضرة في وعيك:
أن الله أكبر من كل ما يشغلك.
ولهذا فالسؤال ليس فقط:
كم ذكرت الله اليوم؟
بل السؤال الأهم:
هل أصبح ذكر الله حاضرًا عندما تتخذ قرارك؟
عندما تغضب؟
عندما تُفتن؟
عندما تخلو؟
عندما تكسب؟
عندما تخسر؟
عندما تخاف؟
عندما يمدحك الناس أو يذمونك؟
إذا كان الذكر حاضرًا هناك، فقد خرج من اللسان إلى الوعي.
وهنا تفهم لماذا جعل الإسلام الذكر بهذه المركزية:
لأن الإسلام لا يريد إنسانًا يؤدي عبادات متفرقة، وإنما يريد إنسانًا تكون حياته كلها متصلة بالله.
فالذكر هو الذي يحفظ هذه الصلة بين العبادة والحياة، وبين المسجد والسوق، وبين لحظة الطاعة ولحظة الاختبار.
ولهذا قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
اذكر الله كثيرًا؛ لا لأن الله يحتاج إلى ذكرك، بل لأنك تحتاج إلى ألا تنساه.
فإذا حضر الله في وعيك، تغيرت نظرتك للدنيا، واختلفت اختياراتك، وضبطت شهواتك، واستقامت مواقفك.
وهذه هي مركزية الذكر: أن يبقى الله حاضرًا في الإنسان، لا في لسانه فقط.
القرآن لا ينظر إلى الإنسان باعتباره عقلًا يستقبل المعلومات فقط، بل باعتباره كيانًا تتداخل فيه المعرفة، والسمع، والبصر، والقلب، والهوى، والإرادة.
قال تعالى:
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾
لاحظ ترتيب الآية:
سمع → بصر → فؤاد.
ما يدخل من الخارج قد ينتهي إلى الداخل.
ولهذا فالمسألة ليست مجرد محتوى تشاهده ثم تنساه.
بعض المحتوى يتحول مع كثرة التعرض إلى تصورات، والتصورات تتحول إلى معايير، والمعايير تؤثر في الاختيارات، والاختيارات تصنع مع مرور الزمن حياة الإنسان.
أدهم شرقاوي السيرة واقع يعاش لا تاريخ يقرأ
[1:01:53] ·
"أقومية القرآن".. نايف بن نهار يتحدث عن منهج يجعل القرآن مرجعية للحياة
[48:35] · [57 MB]
00:00 البداية
02:00 عين على الواقع
07:50 أسباب بدء العولمة بالتلاشي
12:13 معنى أقوميّة القرآن
15:29 أمثلة تطبيقيّة لمنهج أقوميّة القرآن
20:00 القرآن يهيمن على غيره ولا ينفيه
22:45 مشروع أقوميّة القرآن ليس مختصًّا بحزب معيّن
24:30 اسقِ نفسك من نهر القرآن
26:20 بين الإمكان والتّمكين
32:47 بين منهجنا ومنهج الصحابة
27:00 تحدّي هجر القرآن
36:42 تحدّي عدم الصدق مع القرآن
39:44 الفئات التي تظهر في مشاريع الخير
45:00 كيف نحقق أقوميّة القرآن؟
47:14 برنامج التّأسيس القرآني
47:44 الخاتمة
حين يتحول الإنسان إلى سلعة!
تسليع الأشخاص… حين تُقاس قيمة الإنسان بما يقدّمه لا بما هو عليه
من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب الإنسان أن يفقد الناس قدرتهم على رؤيته كإنسان، ويبدؤوا في رؤيته باعتباره شيئًا يمكن الانتفاع به.
فهذا مشهور؛ لأنه مشهور.
وهذا مهم؛ لأنه يملك المال.
وهذا محبوب؛ لأنه يملك المتابعين.
وهذا مرغوب؛ لأنه يملك العلاقات.
وهذا يُستضاف؛ لأنه يجلب المشاهدات.
وهذا يُقرَّب؛ لأنه يحقق المصالح.
وهنا تبدأ المشكلة…
فالإنسان لم يعد إنسانًا، بل أصبح وظيفة.
١. ما معنى تسليع الأشخاص؟
التسليع هو أن تتحول قيمة الإنسان في نظر الآخرين إلى منفعة يمكن استخراجها منه.
فبدل أن تقول: هذا إنسان له مشاعر وكرامة وخصوصية، تقول في داخلك: ماذا أستفيد منه؟
وبدل أن تكون العلاقة قائمة على المودة والرحمة، تصبح قائمة على الحساب:
ماذا يملك؟
من يعرف؟
كم لديه من المتابعين؟
ماذا يستطيع أن يقدم لي؟
هل يمكن أن يفتح لي بابًا؟
هل وجوده سيرفع من صورتي أمام الآخرين؟
وهكذا يتحول الإنسان من غاية تُحترم إلى وسيلة تُستعمل.
٢. أخطر ما في التسليع أنه قد يبدو طبيعيًا
المشكلة أن تسليع الأشخاص لا يأتي دائمًا في صورة استغلال واضح.
قد يأتي في صورة مجاملة.
وقد يأتي في صورة علاقة.
وقد يأتي في صورة صداقة.
وقد يأتي في صورة تعاون.
بل قد يأتي أحيانًا في صورة «محبة»، بينما المحرك الحقيقي هو المصلحة.
فتجد شخصًا يقترب منك حين تكون قويًا، ويختفي حين تضعف.
يبحث عنك حين يحتاجك، وينساك حين تنتهي حاجته.
يمدحك أمام الناس ما دمت تحقق له شيئًا، فإذا انتهت منفعتك عنده انتهى اهتمامه بك.
وهنا ينبغي أن تسأل نفسك:
هل يحبني لذاتي، أم يحب ما يستطيع الحصول عليه من خلالي؟
٣. وسائل التواصل الاجتماعي صنعت سوقًا هائلة للإنسان
في عصر الشهرة والمتابعين، أصبح الإنسان نفسه قابلًا للتحويل إلى «منتج».
صورته منتج.
حضوره منتج.
قصته منتج.
مشاعره منتج.
مشكلاته منتج.
حتى حياته الخاصة قد تتحول إلى محتوى.
ولهذا ترى بعض الناس لا يعيشون الحدث حتى يستمتعوا به، وإنما يعيشونه لكي يصوّروه ويعرضوه ويستثمروا فيه.
حتى الحزن قد يصبح محتوى.
والفرح قد يصبح محتوى.
والمرض قد يصبح محتوى.
والعلاقات قد تصبح محتوى.
وهنا يفقد الإنسان شيئًا من إنسانيته؛ لأنه يبدأ بالنظر إلى نفسه بعين الجمهور:
كيف أبدو؟
كم سيعجب الناس؟
كم سأحصل من المشاهدات؟
فتصبح حياته موجهة نحو السوق الاجتماعي، لا نحو قيمه ومبادئه.
٤. أخطر أنواع التسليع: أن تسلّع نفسك بنفسك
ليس الناس وحدهم من يسلّعون الإنسان.
أحيانًا الإنسان نفسه يفعل ذلك.
يبدأ بتقديم نفسه وفق ما يطلبه السوق:
إن أردت الشهرة، أظهر لهم ما يريدون.
إن أردت القبول، كن كما يريدون.
إن أردت العلاقات، بالغ في استعراض ما تملك.
إن أردت المتابعين، اكشف شيئًا من خصوصيتك.
ثم شيئًا فشيئًا…
تبيع جزءًا من نفسك لتحصل على شيء من إعجاب الآخرين.
حتى تصل إلى مرحلة لا تعرف فيها:
هل هذه شخصيتي فعلًا؟
أم الشخصية التي صنعتها لكي يحبني الناس؟
٥. حين يصبح الزواج نفسه سوقًا للأشخاص
ومن أخطر صور التسليع أن يُنظر إلى الإنسان في الزواج باعتباره «مواصفات» فقط.
كم راتبه؟
ماذا يملك؟
من عائلته؟
ما منصبه؟
كيف شكله؟
كم سيعطيني؟
ماذا سأستفيد؟
ثم يُنسى السؤال الأهم:
من هذا الإنسان؟
هل هو أمين؟
هل هو رحيم؟
هل يحفظ الحقوق؟
هل يعرف معنى المسؤولية؟
هل يصلح أن يكون شريك حياة؟
فالإنسان ليس سيارة تُشترى بالمواصفات، ولا عقارًا يُقيّم بالسعر، ولا سهمًا يُشترى حين ترتفع قيمته.
٦. حتى العلاقات الاجتماعية قد تتحول إلى شبكة مصالح
هناك فرق بين أن تعرف أصحاب المكانة، وبين أن تجعل الناس مجرد درجات تصعد عليها.
فرق بين أن تحب شخصًا لأنه صالح ونافع، وبين أن تحبه لأنه يملك ما تحتاج إليه.
فرق بين أن تستعين بإنسان عند الحاجة مع حفظ قدره، وبين أن تجعل علاقتك به قائمة بالكامل على ما يستطيع تقديمه.
ليس العيب أن ينتفع الناس بعضهم ببعض؛ فالحياة قائمة على التعاون.
العيب أن تختزل الإنسان كله في المنفعة التي يقدمها لك.
٧. لا تجعل قيمة الإنسان مرتبطة بمرحلة قوته
قد يكون الإنسان اليوم قادرًا، وغدًا عاجزًا.
قد يكون اليوم غنيًا، وغدًا فقيرًا.
قد يكون اليوم مشهورًا، وغدًا منسيًا.
قد يكون اليوم صاحب منصب، وغدًا بلا منصب.
فإذا كانت قيمته عندك مرتبطة بما يملك، فإن محبتك له ستنتهي بمجرد زوال ما يملك.
أما إذا كنت تراه إنسانًا قبل كل شيء، فلن تتغير مكانته عندك عندما تتغير ظروفه.
وهذه من علامات نبل الإنسان:
أن يبقى تقديره للناس ثابتًا حين تتغير قدرتهم على خدمته.
٨. لا تسأل دائمًا: ماذا يقدم لي؟
اسأل أيضًا:
ماذا يحتاج مني؟
ربما الشخص الذي لا يستطيع أن يعطيك شيئًا يحتاج إلى كلمة.
وربما الذي لا يملك المال يحتاج إلى احترام.
وربما الذي فقد مكانته يحتاج إلى صديق.
شُحُّ النفس… المعركة التي لا يراها أحد
قد تظن أن أخطر ما في الإنسان أن يكون فقيرًا.
لكن القرآن يلفت نظرك إلى شيء آخر.
قد يكون الإنسان غنيًا، ومع ذلك يعيش فقير النفس.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
تأمل التعبير القرآني.
لم يقل: «ومن يوقَ شُحَّه».
بل قال: ﴿شُحَّ نَفْسِهِ﴾.
كأن الشح ليس مجرد صفة في اليد.
إنه شيء يسكن في النفس.
والشح أعمق من البخل.
البخيل قد يمنع ماله.
أما الشحيح فقد تتحول عنده الحياة كلها إلى سؤال واحد: ماذا سأخذ أنا؟
يرى النعمة في يد غيره فيضيق.
ويرى نجاح أخيه فيتمنى أن يتراجع.
ويرى شخصًا يُمدح فيتمنى أن ينتهي مدحه.
ويجد الخير أمامه، لكنه لا يفرح إلا إذا كان له نصيب منه.
وهنا تبدأ المشكلة.
ليست المشكلة أن الإنسان يحب أن يملك.
المشكلة أن امتلاك غيره يبدأ بإزعاجه.
قد لا يؤذيك الشحيح بيده.
لكنه يتألم من خير يصل إلى غيره.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128].
تأمل.
﴿أُحْضِرَتْ﴾.
كأن النفس تحمل هذا الشح معها، ويظهر في تعاملاتها ومواقفها وعلاقاتها.
ثم يأتي القرآن ليعطيك معيارًا مخيفًا.
قال تعالى عن الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
لم يقل: الذين يملكون أكثر هم المفلحون.
ولم يقل: الذين يأخذون أكثر هم المفلحون.
قال: ﴿مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾.
وهنا يتحول القرآن من الحديث عن المال إلى الحديث عن الإنسان.
قد تكون يدك ممتلئة.
لكن قلبك فقير.
وقد تكون إمكانياتك قليلة.
لكن نفسك واسعة.
وقد لا تملك الكثير لتعطيه.
لكن تستطيع أن تفرح لنجاح غيرك.
وتدعو لمن سبقك.
وتفرح لمن فتح الله عليه.
وتساعد من تستطيع.
وتحب الخير للناس كما تحبه لنفسك.
وهذا من أعظم صور النجاة من الشح.
تأمل نفسك في مواقع التواصل.
هل تستطيع أن ترى شخصًا نجح دون أن تقارنه بنفسك؟
هل تستطيع أن ترى رزقًا عند غيرك وتقول: «اللهم بارك له» من قلبك؟
هل تستطيع أن ترى شخصًا سبقك في العلم أو العمل أو الدعوة، فتفرح له بدل أن تبحث عن عيوبه؟
هل تستطيع أن تعطي من وقتك دون أن تنتظر مقابلًا؟
هل تستطيع أن تمدح إنسانًا يستحق المدح دون أن تشعر أن مدحه ينقص من قيمتك؟
هنا تعرف شيئًا من شح نفسك.
إن الشح لا يظهر فقط عندما تمنع المال.
قد يظهر عندما تمنع التهنئة.
وعندما تمنع الكلمة الطيبة.
وعندما تمنع الاعتراف بفضل الآخرين.
وعندما تريد الخير لنفسك، لكنك تضيق إذا وصل إلى غيرك.
ولهذا فإن علاج الشح ليس أن تقول لنفسك: «كن كريمًا» فقط.
بل أن تعيد بناء نظرتك إلى الحياة.
رزق غيرك ليس خصمًا من رزقك.
ونجاح غيرك ليس إعلانًا عن فشلك.
ومحبة الناس لغيرك ليست سرقة لمكانتك.
وارتفاع شخص آخر لا يعني أنك انخفضت.
الله واسع الفضل.
وخزائنه لا تنفد.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: 4].
فلماذا تضيق إذا أعطى الله غيرك؟
ربما لأنك تنظر إلى الدنيا بعين المنافسة.
بينما يريد القرآن أن يعلّمك أن تنظر إليها بعين العبودية.
لا تسأل دائمًا: ماذا أخذ فلان؟
اسأل نفسك: ماذا أعطيت أنا؟
لا تنشغل دائمًا بمن سبقك.
انشغل بما تستطيع أن تقدمه.
لا تجعل قلبك ساحة للمقارنة.
اجعله ساحة للرضا.
والأجمل من أن تكون كريم اليد…
أن تكون كريم النفس.
أن ترى الخير عند الناس فلا تحسدهم عليه.
أن ترى نجاحهم فتدعو لهم.
أن ترى رزقهم فتفرح لهم.
أن تستطيع أن تعطي فتُعطي.
وأن تستطيع أن تعفو فتعفو.
لأن أخطر ما في الشح أنه قد يحرمك من الخير وأنت تظن أنك تحمي حقك.
وقد يمنعك من الفرح وأنت تظن أنك تحمي مكانتك.
وقد يجعلك تنظر إلى الناس بعين المنافسة، بينما كان يمكن أن تنظر إليهم بعين الأخوة.
وفي النهاية، تذكر هذه الآية جيدًا:
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
لم يقل القرآن: أولئك هم الأغنى.
ولا قال: أولئك هم الأكثر امتلاكًا.
قال: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
فالفلاح الحقيقي ليس أن تجمع الدنيا في يدك.
بل أن تمنع الدنيا من أن تجعل قلبك ضيقًا.
فتش في قلبك اليوم.
ربما لا تحتاج أن تزيد ما في يدك.
ربما تحتاج أن تُنقص ما في نفسك.
اللهم قِنا شُحَّ أنفسنا، واجعلنا ممن يحبون الخير لعبادك كما يحبونه لأنفسهم.
نظام الطيبات | نايف بن نهار
موازين الصحة بين الوعي العلمي وسعة الشريعة
قراءة تفكيكية في "نظام الطيبات"
عندما نتناول الأنظمة الغذائية التي تشغل الرأي العام، فإن غايتنا ليست رصد الإعجاب أو الخصومة، بل تفكيك الأفكار وعرضها على ميزانين لا يخطئان: ميزان العلم التجريبي المحكم، وميزان النص الشرعي المستقر.
ومن هذا المنطلق، يبرز "نظام الطيبات" كنموذج يحتاج إلى تبيان هادئ ومتبصر؛ لأنه تحول من مجرد "نصائح عامة" إلى منظومة شبه تشريعية تتدخل في حلال الله، وتؤثر بشكل مباشر على حياة الناس وصحتهم.
●أولاً: مأزق النظرة الأحادية والتجربة الفردية
إن الإشكال الهيكلي الأول في هذا النظام أنه بني على "تجربة شخصية أحادية"؛ حيث قام صاحب النظام بتطبيق قناعات معينة على نفسه، ثم افترض أن هذه التجربة الفردية صالحة لتكون قانوناً جازماً لثمانية مليارات بشر تختلف جيناتهم، وبيئاتهم، وظروفهم الصحية.
في البحث العلمي، لا يمكن بناء "منهج علاجي" بناءً على تجربة رجل واحد. هذا الاختزال أدى إلى التأسيس لأفكار وقواعد غريبة تتصادم مع الفطرة، والعلم، والنص الشرعي:
بناء فوبيا الغذاء (تجريم الدجاج والبيض والطماطم): تصنيف أطعمة طبيعية أساسية كالبيض والدجاج، فضلاً عن الطماطم والباذنجان، على أنها "ممنوعات" أو اتهامها بأنها تسبب الأمراض، هو أمر لا يدعمه علم حقيقي، ويتعارض مع سعة الشريعة التي جعلت الأصل في طعام الأرض الإباحة والطِّيب: {كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا}. فكيف يُحرم أو يُمنع ما امتن الله به على عباده بلا دليل قطعي؟
عكس الفطرة في السهر وشرب الماء: يدعو النظام إلى تقليل شرب الماء بشكل قد يعرض الجسم للجفاف، بل ويحث على السهر الطويل، وهو ما يصطدم صراحةً بالقرآن الكريم الذي جعل الليل سكناً والنهار معاشاً: {وَجَعَلْنَا النَّوْمَ سُبَاتًا} {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا}، فضلاً عن الحقائق الطبية التي تؤكد أن اضطراب النوم يرفع الالتهابات ويهدم المناعة.
اضطراب التغذية والوسواس: تحول طعام الإنسان من متعة وفطرة وسد للحاجة، إلى حالة من القلق الدائم والوساوس من خلط الأطعمة المباحة، وهو خلط أباحته السنة النبوية تطبيقاً وعملاً (كأكل النبي ﷺ القثاء بالرطب).
●ثانياً: الخطر الحقيقي.. إيقاف الأدوية والوقوع في المحظور
إن النقد هنا لا يقف عند حدود "ماذا نأكل"، بل يتعداه إلى خطورة المساس بالبروتولات الطبية للمرضى.
لقد روج النظام لفكرة "الشفاء المطلق" من الأمراض المزمنة (كالسكري، والضغط، والأمراض المناعية، والسرطان) بمجرد قطع بعض الأطعمة، مما دفع بعض المرضى إلى ترك أدويتهم الحيوية تصديقاً لهذه الوعود. وللأسف، تشير الوقائع إلى أن هناك من ساءت حالتهم بشكل حرج، بل وهناك من وافتهم المنية بسبب التوقف المفاجئ عن العلاجات الطبية المعتمدة بناءً على هذه النصائح.
هذا المسلك يخالف صريح القواعد الشرعية والطبية:
الشريعة أمرت بالتداوي والأخذ بالأسباب العلمية: (تداووا عباد الله).
حصر الطب والشفاء في قائمة طعام ومنع المريض من دواء أثبته العلم هو مخاطرة بالأرواح، وتجاوز لأهل التخصص: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
ثالثاً: إنصاف الفكرة.. ما هو الصحيح في هذا السياق؟
حتى نكون منصفين وتبحث عقولنا عن الصواب دون مبالغة في مدح أو قدح، فإن النظام لامس نقاطاً صحيحة يتفق عليها الأطباء وخبراء التغذية، ولكن دون الحاجة لإلباسها ثوباً أيديولوجياً أو تكفيرياً للأطعمة الأخرى:
انتقاد دقيق القمح الحديث: من الصحيح علمياً أن القمح المعاصر (المعدل وراثياً والمشبع بالجلوتين) أثر سلباً على صحة أمعاء الكثيرين، والتقليل منه أو بدائله يساهم في راحة الجهاز الهضمي.
مقاومة الإفراط والتخمة: التنبيه على خطورة الإكثار من الأكل، والتحذير من المقليات، والزيوت المدرجة، والمصنعات الغذائية، هو كلام علمي صحيح يتطابق مع الفطرة، ومع الهدي النبوي: (بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه).
خلاصة وبيان
إن الوعي الحقيقي يقتضي منا ألا ننساق خلف العواطف والشعارات البراقة. الحمية والاعتدال وتجنب سموم المصانع أمر حسن ومطلوب، لكن دون تضييق ما وسع الله، ودون المجازفة بترك الأدوية الطبية، أو تبني نصائح تخالف فطرة الجسد في النوم والارتواء.
الصحة تُستمد من العلم الراسخ الشامل، والتدين يُستمد من سعة الشريعة وسماحتها، وليس من آراء أحادية تجعل من أجساد البشر حقل تجارب.
🚨 تفكيك العمر البشري: هل نحن نكبر أم نُطوى؟
يقول الله تعالى في سورة الحديد:
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۖ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}
الكثير منا يقرأ هذه الآية كأنها تصف أشياء منفصلة، لكن عند التفكيك التحليلي لعمق النص، نكتشف أن القرآن صاغ هنا "المخطط الزمني الشامل لعمر الإنسان".
هذه الخماسية ليست مجرد صفات للدنيا، بل هي خمس محطات نفسية وزمنية يمر بها كل واحد منا من الطفولة حتى الشيب، صُمِّمت لتستهلك عمرك بالكامل إن لم تفق.
🛑 أولاً: المحطات الخمس لعمر الإنسان.. أين أنت الآن؟
مرحلة الطفولة 👈 {لَعِب}: هي البداية؛ حيث يتحرك الطفل ويبذل مجهوداً ضخماً، يركض ويتعب ويصيح، والنتيجة النهائية في ميزان الأرباح هي "صفر". المشكلة ليست هنا، الأزمة أن بعض الكبار تظل عقولهم في هذه المرحلة؛ يركضون خلف ألعاب ومناصب بجهد هائل، وينسون غاية وجودهم.
مرحلة الشباب 👈 {لَهْو}: يغادر الإنسان طفولته ليدخل سكرة الشباب وقوة الجسد. اللهو هنا هو "تشتيت الوعي"، حيث تصبح الشهوات والمغريات قادرة على حجب العقل عن التفكير في الموت أو الاستعداد للآخرة. يعيش الشاب وكأن الموت لا يطرق إلا أبواب كبار السن.
مرحلة النضج والاستقرار 👈 {زِينَة}: يتزوج الإنسان، ويتوظف، وتبدأ مرحلة الاهتمام بالقشور؛ تجويد المظهر، البحث عن السيارة الأحدث، بناء المنزل الأجمل. الإنسان هنا يُجمِّل "الخارج" ليستر ضعف "الداخل"، وينسى أن هذا الجسد المزيّن بالثياب الفاخرة سيُلف غداً بكفن أبيض رخيص تحت التراب.
مرحلة الكهولة 👈 {تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ}: تضعف شهوة الجسد قليلاً، فتبدأ شهوة "الأنا" والكبر. هنا يدخل الإنسان في معارك المقارنات الاجتماعية والألقاب: (أنا فلان، منصبي كذا، تاريخي كذا، عائلتي أفضل). معارك تستهلك طاقة العقل تماماً، والجميع فيها خاسر؛ لأن الموت يجردهم من ألقابهم في ثانية واحدة.
مرحلة الشيخوخة 👈 {تَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}: المفارقة العجيبة هنا؛ يقترب الإنسان من القبر، وبدلاً من أن يزهد، تزداد رغبته في التملك والجمع. يركض في سباق الأرقام: كم أملك؟ وكم تركت لأولادي؟ ليتحول من "مستمتع بالمال" إلى "حارس للمال"، يحاسَب عليه وحده، ويتمتع به غيره!
⚡ ثانياً: الصدمة الزمنية.. كيف طوى القرآن عُمرك؟
تأمل بالمنطق العقلاني البسيط، بعد أن ذكر الله هذه المحطات الخمس التي يعيشها الإنسان في عقود طويلة، كيف لخص نهايتها؟ شبّه عمرك بعمر "الزرع"، وأسقط تماماً أي إشارة لزمن البقاء والتمتع:
{كَمَثَلِ غَيْثٍ (مطر) أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ 👈 ثُمَّ يَهِيجُ 👈 فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا 👈 ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا}
القرآن استخدم حروف عطف تدل على السرعة والمباغتة ليقول لك: إن قطار العمر يمر كـلمح البصر:
ثم يهيج: فجأة، وبلا مقدمات، تنتهي مرحلة القوة والشباب ويبدأ الجفاف.
فـتراه مصفراً: "الفاء" هنا سريعة ومخيفة؛ بالأمس كنت طفلاً وشاباً، وفجأة تنظر في المرآة فترى الشيب والمرض وضعف الجسد (الاصفرار).
ثم يكون حُطاماً: النهاية الحتمية؛ تتفتت العظام، وينتهي الجسد في القبر، وتصبح حُطاماً تذروه الرياح.
المعنى العميق هنا: الله لم يذكر "مدة بقائك" في تلك المراحل لأنها في حسابات الخلود قصيرة جداً. العُمر مجرد ومضة، والذكي لا يبيع مستقبله الأبدي من أجل ومضة عابرة.
💡 البراهين النبوية: كيف نفهم المعادلة؟
لكي نزن محطات عمرنا بالمعيار الصحيح، نبهنا النبي ﷺ بكلام واضح:
عن حقيقة تعلقنا بالجمع في الشيب: قال ﷺ: «يَكْبَرُ ابنُ آدَمَ وتَكْبَرُ معهُ اثْنَتَانِ: حُبُّ المَالِ، وطُولُ العُمُرِ». (مرض نفسي يزداد كلما اقترب الكفن!).
عن حقيقة ما تملكه فعلياً في رحلتك: قال ﷺ: «يَقُولُ العَبْدُ: مَالِي، مَالِي، إنَّمَا لَهُ مِن مَالِهِ ثَلَاثٌ: ما أَكَلَ فأفْنَى، أَوْ لَبِسَ فأبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَقَنَى». ما سوى ذلك ليس لك، بل أنت مجرد وسيط نقلته من الدنيا للورثة.
عن طبيعة المرور: قال ﷺ: «مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا». الراكب لا يبني بيتاً تحت ظل الشجرة، بل يستريح قليلاً ليواصل السير.
🎯 الخلاصة التوعوية:
الأزمة الكبرى ليست في أننا نمر بهذه المراحل (العب، اللهو، الزينة، التفاخر، التكاثر)، بل الأزمة أننا "نستغرق فيها" ونظنها النهاية. نحن ننضج جسدياً، لكن عقولنا تظل تلعب وتلهو حتى يفاجئنا الموت.
سر النبوغ 🔑 📚
ليس السرُّ في كثرةِ ما تقرأ، وإنما في حُسنِ اختيارِك للكتاب، ثم في حُسنِ قراءتك له؛ فهما من أعظمِ أسبابِ النبوغِ المبكر واختصارِ الطريقِ في طلبِ العلم، بعد توفيقِ الله وإعانتِه.
فالكتابُ لا يُعطي قارئَه إلا بقدرِ ما يُعطيه القارئُ من جهدٍ، وتأمُّلٍ، ومهارةٍ، وإخلاصِ نية.
فكم من قارئٍ فرغ من الكتب، ولم تُفرِغِ الكتبُ فيه أثرًا، وكم من آخرَ وقف معها وقفةَ المتأمل، فاستخرج كنوزها، واختصر بها أعوامًا من الطلب، حتى أخذ من كتابٍ واحدٍ ما لم يأخذه غيرُه من عشرات الكتب.
فليس كلُّ قارئٍ يبلغ من الكتاب غايتَه، وإنما يبلغها من أحسن صحبته، وأطال الوقوف عند معانيه، وجعل القراءةَ تفكيرًا قبل أن يجعلها تقليبًا للصفحات.
ولهذا جاء في ترجمة الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ: «وكان كثيرَ القراءة، ويُحسن قراءةَ الكتاب الذي يقرؤه، فما إن تخرَّج من التعليم الجامعي، إلا وإذا به من العلماء المُدركين، ومن الكُتَّاب الكبار.» علماء نجد للبسام(٤٢/٢).
فاقرأ الكتاب بعقلٍ حاضر، وقلبٍ متأمل؛ فالكتابُ لا يُعطي قارئَه إلا بقدرِ ما يُعطيه القارئُ من نفسه، واختيارُ الكتاب نصفُ العلم، وحُسنُ قراءته نصفُه الآخر.
فالنبوغُ لا تصنعه كثرةُ الكتب وحدها، وإنما تصنعه القراءةُ التي تُثمر فهمًا، وتُهذِّب عقلًا، وتُرهِف بصيرةً.
ما اهم هذا الكتاب في هذا الزمن
مهم انشروه ليعم اثره
هذا الكتاب ليس له حقوقُ طبع, بل لكلّ أحدٍ قراءته وطباعته ونشره وتوزيعه, بشرط أن لا يكون الهدفُ الربحَ المادّي, بل الهدف الوحيد: طلب الأجر, ونفع المسلمين, وهداية الكافرين والمتحيرين والمشككين..
ومن حقّ أيّ جمعيّة أو مكتبِ جاليةٍ أو معهد أن تنْسبه لها, ولا يُشترط ذكر اسمي ولا إذني، إذا اقْتَضت المصلحةُ الشرعيةُ ذلك.
ومن حقّ أيّ أحد نشْرُ ما فيه أو ترْجمته, دون الإشارة إلى ذكر اسمي, إذا اقْتَضت المصلحةُ الشرعيةُ ذلك.
🛑 لصوص المتعة الصامتون: لماذا نقع في فخ المقارنة وكيف يسرق منا بهجة بيوتنا؟
تمرّ على الكثير منا لحظات عابرة، لكنها ثقيلة ومؤلمة..
تكون جالساً في أمان الله، راضياً عن حياتك، وفجأة.. تقع عينك على تفصيل في حياة غيرك. قد ترى رجلاً يملك منصباً تتمناه، أو تلمح امرأة في الشارع (بطولٍ أو قوامٍ أو هيبة) تلفت انتباهك، فيتحرك في صدرك شعور غريب بالثقل.. شعور نطلق عليه في وعينا الصادق: "القهر".
تبدأ بالتساؤل: "لماذا لستُ مكانه؟" أو "لماذا لا تملك زوجتي هذه الصفات؟".. وفي ثوانٍ معدودة، تنكمش نعمك الوفيرة في عينيك، وتتحول حديقتك الدافئة إلى أرض قاحلة!
إذا كنت تمر بهذا الصراع، فلست وحدك.. لكن دعنا نكشف الغطاء عن "الخدع النفسية" التي يمارسها عقلك عليك في هذه اللحظة، لتعرف كيف تنجو بصحتك النفسية وبيتك.
🧠 الخدعة الأولى: "كواليسك" مقابل "المشاهد المُخرجة" للآخرين
أكبر جناية ترتكبها بحق نفسك وزوجتك هي مقارنة "كواليس حياتكم اليومية" (بتعبها، وروتينها، ولحظات غضبها الطبيعية)، بـ "لقطات عابرة ومُخرجة بعناية" من حياة الآخرين في الشارع أو على الشاشات.
تفكيك الخدعة: أنت ترى شكلاً تأنق لصاحبه في الخارج، لكنك لا ترى ما وراء الجدران. كم من إنسان يحسده الناس على مظهر زوجته، وهو يتمنى الخلاص من سوء عشرتها ليل نهار! أنت تقارن واقعاً حقيقياً كاملاً بخيال ناقص.
🧠 الخدعة الثانية: "وهم الفراغ التخيلي"
عندما ترى ميزة واحدة في شخص (جمال، طول، مال)، فإن عقلك يقوم بـ "مؤامرة تخيلية"؛ يكمل باقي لوحة هذا الشخص بأجمل ما يكون، فيخيل إليك أنه مثالي في كل شيء.
تفكيك الخدعة: الحقيقة أن الله وزع الأرزاق كـ "حزمة كاملة" (Package). أنت تمنيت "الجزء" اللامع من حياة غيرك، لكنك لو خُيّرت أن تأخذ حياته كاملة بمرضها، أو همومها، أو مشاكلها النفسية لهرِبت فوراً.
🛠️ كيف تكسر هذا الفخ وتستعيد سلامك النفسي؟
الخروج من هذا الوباء النفسي لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى "قرارات ذكية" تطبقها فوراً:
اقطع التغذية البصرية فوراً (غض البصر الوقائي):
العقل مثل المعدة، إذا أطعمته مقارنات وتطلّع.. سيمرض. قمع الفكرة وصرف البصر في أول ثانيتين أسهل بمليون مرة من معالجة أثرها بعد أن تكبر في خيالك وتتحول إلى حسرة.
اسقِ حديقتك الخاصة (التفت لبيتك):
بدل أن تستهلك طاقتك النفسية في القهر على ما لا تملك، استثمرها في تحسين ما تملك. التفت إلى الميزات العظيمة في زوجتك (أصلها الطيب، حنانها، وفائها، سترها لك). شجعها بالكلمة الطيبة والثناء لتزهر، فالمرأة تذبل بالمقارنة الصامتة، وتتألق بالحب والدعم.
تبنَّ "مبدأ الوفرة" لا الندرة:
سعادة الآخرين لا تنقص من حصتك، وجمال نساء الأرض لا يسحب من رصيد زوجتك. الأرزاق ممتدة، والبيوت تُبنى على المودة والسكينة، لا على مقاييس الطول والوزن العابرة.
✨ رسالة لقلبك:
ليس الجمال دائمًا فيما يحدث حولك، بل في الطريقة التي تنظر بها إليه. قد يمرّ شخصان بالموقف نفسه، فيرى أحدهما النعمة ويرى الآخر النقص، وليس الفرق في الحدث.. بل في القلب الذي استقبله.
التفت إلى ما في يدك، اسقِه بالرضا، وقُل لعقلك تلميحاً وتصريحاً: "أنا راضٍ برزقي، ولن أُفسد نعمي بكثرة التطلّع إلى ما في أيدي الناس".
🎙| بــوت عابــــر
•| بوت إسلامي منظم ومكثف
🎗| أقسام متعددة
🔻القرآن الكريم (تلاوة - استماع - تدبر )
🔻 العلوم الشرعية
🔻مكتبة صوتية و pdf
🔻قسم البودكاست
🔻زاد الاستعداد لرمضان
🔻معالجة الاباحية والعاده السرية
🔻قسم المراءة المسلمة
🔻قسم اسماء الله الحسنى
🔻قسم سيرة الحبيب
🔻الصلاة وما يتعلق بها
🔻قسم ضخم حول الدار الآخره
🔻قسم صوتيات المشايخ وسلاسلهم الدعوية
••••وغيرها الكثير.
🔻| @moroor_abir_bot
🕊| صدقة جارية
سنرحل ويبقى الأثر | أنشر واترك أثراً
فاهم 84 | مشاهد عظمة الله عز وجل | مع الشيخ/ محمد سعد الشرقاوي
حان الآن موعد ذوبان قلبك 💔
هذه الحلقة ليست حلقة عادية .. بل نرجو بها أن تعيد تعريف العلاقة بينك وبين الرب سبحانه!
إذ لا يملك القلب لو عرف الله جل وعلا وشهد طرفا من مواطن عظمته إلا أن يذوب في حبه وتعظيمه وإجلاله، وأن يكون الحياء منه خلقًا لازمًا لصاحب هذا القلب ..
حلقة ماتعة مؤثرة يصحبنا فيها فضيلة الشيخ محمد سعد الشرقاوي وأقدمها لكم أنا هلال السيد .. نسأل الله أن ينفع بها ويجعلها خالصة لوجهه الكريم
*احشد حوائجك ليوم عرفة!!!*
*ذاكَ يومٌ حريّ ألاّ ترد المطالب فيه!*
يقول أحد الصالحين :
والله ما دعوتُ دعوةً يوم عرفة
وما دار عليها الحول إلاّ رأيتها مثل فلق الصبح!
وكان الأوزاعي يقول :
"أدركت أقواماً كانوا يخبئون الحاجات ليوم عرفة ليسألوا الله بها".
جهّزوا أمنياتكم
سهام عرفة بإذن الله صائبة
انت منهك نفسياً اسمع الكنز دة ( الحل لكل مشاكلك النفسية ) لـ د. خالد بن حمد الجابر
🕒 23:48
📼 360p, 💾 51.4MB
القرآن لا يغيّر سلوكك فقط... بل يغيّر الطريقة التي ترى بها الحياة
هل سألت نفسك يومًا: لماذا يكثر القرآن من الأسئلة؟
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾
لأن القرآن يريد أن يعيد تشكيل العقل قبل أن يعيد تشكيل السلوك.
فالإنسان لا يتحرك من فراغ؛ إنما يتصرف بحسب ما يعتقد، ويرى، ويفهم، وما يظنه حقيقة.
ولهذا فإن تغيير السلوك وحده قد ينجح مؤقتًا، لكن تغيير الفكرة التي تقف خلف السلوك هو الذي يصنع التغيير العميق.
وهنا تظهر عظمة المنهج القرآني.
القرآن لا يقول لك فقط: لا تحسد... بل يعالج الفكرة التي تجعل الحسد ممكنًا.
ولا يقول لك فقط: لا تخف... بل يعيد تعريف القوة والضعف والضر والنفع.
ولا يقول لك فقط: لا تتعلق بالدنيا... بل يغيّر صورتك عنها:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
وحين تتغير صورة الدنيا في عقلك، تتغير علاقتك بها.
هذه هي الفكرة الكبرى:
القرآن يغيّر الفكر، والفكر يغيّر الوعي، والوعي يغيّر الموقف، والموقف يغيّر السلوك، والسلوك يصنع الحياة.
ولهذا لم يكن القرآن كتاب أوامر ونواهٍ فحسب؛ بل كان كتابًا يعيد ترتيب الأشياء داخل الإنسان.
يغيّر تعريف النجاح:
﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.
فتتغير مقاييسك.
ويغيّر تعريف القوة:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فتتغير نظرتك إلى الناس.
ويغيّر تعريف الخسارة:
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
فتكتشف أن بعض ما كنت تسميه نجاحًا قد لا يكون نجاحًا أصلًا.
ويغيّر تعريف الدنيا:
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.
فلا تعود أسيرًا لكل ما يلمع أمامك.
ويغيّر تعريف المصيبة، فلا تعود مجرد حدث مؤلم، بل تدخل في سنن الله وحكمته:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
فتختلف طريقة استقبالك للألم.
وهنا نفهم لماذا كانت قضية العقل والفكر مركزية في القرآن.
فالمشكلة كثيرًا لا تبدأ من الجوارح، بل من التصور.
قد يكون الإنسان فاسد السلوك لأن عنده تصورًا فاسدًا عن اللذة.
وقد يظلم لأن عنده تصورًا فاسدًا عن القوة.
وقد يذل نفسه لأن عنده تصورًا فاسدًا عن القيمة.
وقد يتعلق بالناس لأن عنده تصورًا فاسدًا عن الاحتياج.
والقرآن يأتي إلى هذه الجذور.
ولهذا قال الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
التغيير الحقيقي ليس دهانًا خارجيًا.
ليس أن تتعلم كيف تبدو أفضل، بينما لا تزال ترى الحياة بنفس العقل القديم.
بل أن تتغير العدسة التي ترى بها الأشياء.
وحين تتغير العدسة، تتغير الأشياء في وعيك.
فتصبح الدنيا أقل إغراءً، والناس أقل قدرة على التحكم فيك، والمصائب أقل قدرة على كسرك، والشهوات أقل سلطانًا عليك، والطاعة أكثر معنى، والآخرة أكثر حضورًا.
لهذا لا تجعل علاقتك بالقرآن مجرد: كم حفظت؟ كم ختمت؟ كم قرأت؟
بل اسأل السؤال الأعمق:
ما الفكرة التي غيّرها القرآن في عقلي؟
هل غيّر نظرتي إلى الدنيا؟
إلى النجاح؟
إلى الناس؟
إلى الخوف؟
إلى الرزق؟
إلى الموت؟
إلى الوقت؟
إلى نفسي؟
إلى الله؟
لأن أعظم أثر للقرآن ليس أن يمر على عينيك...
بل أن يعيد ترتيب العالم داخل عقلك.
وحين يستقيم الفكر بالقرآن، يبدأ الوعي بالاستقامة، وحين يستقيم الوعي، تستقيم الاختيارات، وحين تستقيم الاختيارات... تبدأ حياة جديدة.
كيف يبني الإعلام المعاصر وعينا؟
القرآن لا يتعامل مع الإنسان باعتباره عينًا ترى وأذنًا تسمع فحسب، بل باعتباره قلبًا يعقل، وعقلًا يميّز، ونفسًا يمكن أن تُقاد من حيث لا تشعر.
ولهذا كان من أعظم الأسئلة القرآنية:
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾
لاحظ:
لم يقل: الذين يسمعون.
قال: يستمعون.
فالسماع قد يكون امتلاءً بالأصوات،
أما الاستماع فهو فعل وعي واختيار وتمييز.
وهنا تبدأ المسألة.
الإعلام المعاصر لا يبني وعينا فقط بما يقوله، بل بما يكرره، وما يضعه في المقدمة، وما يدفعه إلى الهامش، وما يجعلنا نراه كل يوم حتى يصبح مألوفًا في نفوسنا.
قد لا يخبرك بما يجب أن تعتقد،
لكنه يستطيع أن يملأ يومك بما يجعلك لا تجد وقتًا لتسأل:
لماذا أعتقد ما أعتقد؟
وقد لا يغيّر الحقيقة،
لكنه يستطيع أن يغيّر ترتيب الحقيقة في ذهنك.
وهذا من أخطر أبواب التأثير:
أن تتحول بعض القضايا في وعيك إلى مركز العالم، بينما تختفي قضايا أخرى من شعورك لمجرد أنها لم تُمنح المساحة ذاتها.
والقرآن يلفت انتباهنا إلى مسؤولية التلقي:
﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
فليست كل معلومة حقيقة،
وليست كل صورة كاملة،
وليست كل رواية بريئة من زاوية النظر التي صيغت منها.
ثم يقول:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾
تأملها جيدًا:
السَّمْع.
البَصَر.
الفُؤَاد.
ثلاثة منافذ يمكن أن يدخل منها العالم إلى داخلك.
والمسؤولية ليست فقط فيما تفعل،
بل فيما تسمح له أن يصنعك.
ولهذا فإن أخطر إعلام ليس الذي يطلب منك رأيًا صريحًا،
بل الذي يكرر عليك المشهد حتى يصبح حكمك عليه تلقائيًا.
يضع أمامك الخوف كثيرًا،
فتصبح خائفًا.
ويعرض عليك الغضب باستمرار،
فتصبح سريع الغضب.
ويكرر عليك نموذجًا معينًا للنجاح،
فتقيس حياتك به.
ويحجب عنك شيئًا حتى لا يعود حاضرًا في وعيك،
فتظن أنك لم تهتم به أصلًا.
وهنا نفهم معنى قرآنيًا عظيمًا:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾
فالإنسان قد لا يفقد نفسه دفعة واحدة.
قد يفقدها بالتدريج:
كلما عاش وفق ما يقال له،
واشتهى ما يُعرض عليه،
وغضب لما يُطلب منه أن يغضب لأجله،
وانصرف عما لم يُطلب منه أن يراه.
حتى يأتي يومٌ يظن فيه أنه اختار حياته بنفسه،
بينما كانت اختياراته تتشكل أمامه بصمت.
لذلك، الوعي في زمن الإعلام ليس أن تعرف أخبارًا أكثر.
الوعي أن تعرف من أين جاء الخبر، وكيف صيغ، وما الذي أُظهر لك، وما الذي غاب، ولماذا تكرر هذا دون غيره، وما الذي أحدثه في قلبك قبل أن تحدثه في رأيك.
أن تتعلم أن تقول:
قد أسمع، لكن لا أصدق فورًا.
قد أرى، لكن لا أحكم من مشهد واحد.
قد يتفق الجميع على رواية، لكن ذلك لا يعفيني من التثبت.
وقد يشتد الضجيج حول قضية، لكن كثرة الضجيج لا تجعلها أعظم عند الله.
فالقرآن لا يريد إنسانًا ممتلئًا بالمعلومات فقط،
بل إنسانًا بصيرًا.
والبصيرة ليست أن ترى أكثر من الآخرين،
بل أن ترى أعمق مما يُراد لك أن ترى.
وفي زمن يستطيع فيه الآخرون أن يختاروا لك ما ترى كل صباح،
قد يكون من أعظم أشكال الحرية:
أن تستعيد حقك في أن تتثبت، وتتأمل، وتسأل، ثم تختار بعقل حاضر وقلب حي.
فليس كل ما يدخل إلى عينيك ينبغي أن يدخل إلى قلبك.
وليس كل ما يملأ شاشتك،
يستحق أن يملأ وعيك.
"أقومية القرآن".. نايف بن نهار يتحدث عن منهج يجعل القرآن مرجعية للحياة
[48:35] ·
وربما الذي لم يعد مشهورًا يحتاج إلى من يذكره بأنه ما زال إنسانًا له قيمة.
إنسانيتك تظهر عندما تستطيع أن تجلس مع شخص لا يضيف إلى رصيدك شيئًا، ومع ذلك تراه جديرًا بالاحترام.
٩. المجتمع الذي يسلّع أفراده يفقد شيئًا من إنسانيته
إذا أصبح الناس لا يحترمون إلا القوي، ولا يستمعون إلا للمشهور، ولا يقتربون إلا من الغني، ولا يهتمون إلا بصاحب النفوذ؛ فإن المجتمع يبدأ في إنتاج طبقة من البشر لا يبحثون عن أن يكونوا صالحين، بل يبحثون عن أن يكونوا مفيدين للسوق الاجتماعي.
ولهذا يصبح السؤال:
كيف أصبح مشهورًا؟
كيف أجعل الناس يحتاجون إليّ؟
كيف أبني صورتي؟
كيف أزيد قيمتي السوقية؟
بدل:
كيف أصبح إنسانًا صالحًا؟
كيف أنفع الناس؟
كيف أحفظ كرامتي؟
كيف أعيش حياة ترضي الله؟
وهذا انقلاب خطير في مفهوم النجاح.
١٠. الإسلام أعاد الإنسان إلى مركزه الحقيقي
الميزان الحقيقي للإنسان ليس ماله ولا شهرته ولا منصبه ولا عدد من يعرفونه.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
فالميزان الذي يرفعه القرآن ليس ميزان السوق، وإنما ميزان التقوى.
وقد يرفع الناس شخصًا لأنه مشهور، ولا يكون له عند الله وزن.
وقد يجهل الناس رجلًا صالحًا، ويكون عند الله عظيم القدر.
ولهذا لا تجعل نظرة الناس إليك هي التي تحدد قيمتك.
ولا تجعل ما تستطيع تقديمه لهم هو الذي يحدد قيمة الآخرين عندك.
الخلاصة
احذر أن تدخل في علاقات يكون السؤال الخفي فيها:
«ماذا أستفيد منك؟»
واحذر أكثر أن تجعل هذا السؤال هو الطريقة التي تنظر بها إلى الناس.
فالناس ليسوا أدوات.
ليسوا أرقامًا.
ليسوا حسابات مصرفية.
ليسوا متابعين.
ليسوا أبوابًا للمصالح.
ليسوا جسورًا تعبر عليها إلى أهدافك.
الإنسان إنسان، حتى حين لا يملك شيئًا.
وأحيانًا يظهر معدن الإنسان الحقيقي عندما يجلس مع شخص لا يستطيع أن يقدم له شيئًا.
فإن أحسن إليه، واحترمه، وحفظ كرامته، وعاش معه بصدق…
فقد انتصر على واحدة من أخطر آفات هذا العصر:
أن يرى الإنسان أخاه الإنسان… كسلعة.
ولا تكن ممن لا يعرف قيمة الناس إلا عندما يحتاج إليهم.
فمن جعل قيمة الإنسان فيما يملك، عاش أسيرًا للسوق؛ ومن جعل قيمة الإنسان بما هو عليه من كرامة وتقوى وإنسانية، عاش حرًّا من عبودية المصالح.
الدنيا… ماءٌ نزل من السماء ثم مضى
من أعجب ما يصنعه القرآن أنه لا يكتفي بأن يقول لك: الدنيا زائلة.
بل يأخذك إلى مشهد تراه بعينيك، ثم يقول لك: انظر… هذه هي الدنيا.
قال الله تعالى:
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: 45].
تأمل.
القرآن لم يشبه الدنيا ببيتٍ يتهدم، ولا بمالٍ يضيع، ولا بعمرٍ ينتهي.
شبهها بالماء.
ولماذا الماء؟
لأنك حين ترى الأرض العطشى ينزل عليها المطر، تشعر أن الحياة بدأت.
تنبت الأرض.
وتخضر الأشجار.
وتتزين المروج.
وتبدو الدنيا في أجمل صورها.
وهكذا الدنيا.
تأتيك في أولها وكأنها وعدٌ بالبقاء.
طفولة.
ثم شباب.
ثم مال.
ثم بيت.
ثم أولاد.
ثم مكانة.
ثم مشاريع وأحلام.
فتتعلق بها النفس، وكأن هذا المشهد سيبقى.
لكن القرآن لا يتركك طويلًا مع المشهد الجميل.
يقول:
﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾.
الذي كان أخضر أصبح يابسًا.
والذي كان جميلًا أصبح حطامًا.
والذي كان يملأ العين سرورًا أصبح شيئًا تذروه الرياح.
وهنا تأتي الصدمة القرآنية.
المشكلة ليست أن الدنيا جميلة.
المشكلة أن تتعامل مع الجميل وكأنه باقٍ.
فالقرآن لا يقول لك: لا تستمتع بالدنيا.
بل يقول لك: لا تُخدع بها.
استمتع ببيتك، لكن لا تجعل البيت يسكن قلبك.
استمتع بمالك، لكن لا تجعل المال يملكك.
أحب أولادك، لكن تذكر أنهم أمانة.
افرح بنجاحك، لكن لا تنسَ أن كل نجاح دنيوي مؤقت.
لأن المطر ينزل.
والنبات ينبت.
ثم يأتي وقت الذبول.
وهذه سنة الدنيا.
كم من إنسان كان يخطط لعشر سنوات قادمة، ولم يدرك نهاية عامه.
وكم من بيت امتلأ بأصحابه، ثم أصبح أصحابه ذكريات.
وكم من وجه كان يضحك بالأمس، واليوم لا يراه أحد إلا في صورة قديمة.
الدنيا لا تخبرك متى ستغادر.
وهذا هو الشيء الذي يجعل الغفلة عنها خطيرة.
أنت لا تعرف متى ينتهي المشهد.
ولهذا قال الله في الآية:
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾.
كأن القرآن يذكرك في نهاية المثل:
لا تنظر إلى الدنيا وحدها.
انظر إلى قدرة الله.
فالذي أنزل الماء قادر على أن يذهب بالنبات.
والذي أعطاك الحياة قادر على أن يأخذها.
والذي جمعك بأشياء تحبها قادر على أن يفرقك عنها.
والذي فتح لك أبواب الدنيا قادر على أن يغلقها في لحظة.
ثم هناك معنى أعمق.
الماء الذي جعل الأرض تزدهر لم يكن سيئًا.
والدنيا كذلك ليست شرًا في ذاتها.
المال يمكن أن يكون صدقة.
والقوة يمكن أن تكون نصرة للحق.
والعلم يمكن أن يكون هداية.
والبيت يمكن أن يكون موطن عبادة.
والأولاد يمكن أن يكونوا من أعظم أبواب الأجر.
المشكلة ليست في أن تملك الدنيا.
المشكلة أن تملك الدنيا قلبك.
فاجعل الدنيا في يدك، ولا تجعلها في قلبك.
إذا جاءك المال فاشكر.
إذا جاءك النجاح فتواضع.
إذا جاءك الجمال فلا تغتر.
إذا جاءك المنصب فلا تظلم.
وإذا ذهبت الدنيا منك، فلا تنهدم معها.
لأنك كنت تعرف منذ البداية أنها مثل النبات بعد المطر.
يخضر.
ثم ييبس.
ثم يصير هشيماً تذروه الرياح.
والعاقل ليس من يكره المطر.
بل من يعرف أن المطر موسمٌ لا إقامة.
فإذا رأيت الدنيا اليوم مزهرة حولك، لا تغتر بكثرتها.
سيأتي يوم تنظر فيه إلى أشياء كنت تظن أنك لا تستطيع العيش بدونها، ثم تكتشف أنك تركتها كلها وراء ظهرك.
وسيأتي يوم تصبح فيه أنت نفسك جزءًا من الماضي.
فماذا ستترك؟
مالًا يأكله الورثة؟
بيتًا يسكنه غيرك؟
منصبًا ينتقل إلى شخص آخر؟
أم تترك أثرًا يصعد معك؟
هنا تتغير نظرتك للدنيا.
لا تعش فيها كأنك باقٍ.
ولا تهرب منها كأنها عدو.
خذ منها ما يعينك على الآخرة، ودع قلبك متعلقًا بمن لا يزول.
الدنيا ماءٌ ينزل، ونباتٌ يزدهر، ثم هشيمٌ تذروه الرياح.
فلا تجعل أجمل لحظات المطر تنسيك أن الموسم سيمضي.
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46].
اقرأ القرآن لا لتعرف أن الدنيا فانية فقط، بل لتتعلم كيف تعيش فيها دون أن تسكن في قلبك.
قَالَ إِنه من سليمان﴾.. كيف يُفكك القرآن "وهم الألقاب" وبناء الهوية الزائفة؟
القرآن الكريم يقدّم لنا درساً عميقاً في "علم النفس القرآني" من خلال مواقف لشخصيات قرآنية بلغت قمة الرفعة، لكنها أزاحت الألقاب الدنيوية جانباً، لتكشف لنا عن العظمة الحقيقية:
عيسى عليه السلام وهدم "الهوس بالألقاب" في لحظة الذهول: في أكثر اللحظات حرجًا ودقة، وحين اتجهت إليه الأبصار وهو طفل في المهد، كان بمقدوره أن يسبغ على نفسه ألقاباً تخلب الألباب ليدفع عن أمه الإفك، لكنه قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]. قدم "العبودية" على "النبوة"! لأن العبودية لله هي الأصل الذي تحتمي به النفس من الانتهاك والتأليه، واللقب (نبي) هو تشليف وتكليف، وليس وجاهة لاستعراض الذات.
سليمان عليه السلام وتجريد السلطة من التضخُّم: سليمان -الذي لم يُعطَ أحدٌ ملكاً كملكه- حين كتب إلى ملكة سبأ كتاباً يمثّل دولة عظمى، لم يكتب: "من ملك الملوك وسيد الإنس والجن"، بل اختصر ذاته العظيمة في كلمتين: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30]. الذات القوية والممتلئة لا تحتاج إلى مقدّمات طنانة ولا ألقاب فضفاضة لتثبت وجودها؛ فالرسالة تحمل وزنتها من مضمونها لا من لقب كاتبها.
يوسف عليه السلام والنضج بعد تمكين الملك: بعد أن آل إليه مُلك مصر، وأصبح "عزيز مصر"، وتجلّت له الدنيا بأسرها، لم يستسلم للقب "العزيز" ولا لفخامة المنصب، بل قال في خلوته مع الله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ... تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]. يوسف عليه السلام يُدرك أن لقب "العزيز" لقب زائل سينتهي بانتهاء ولابسه، بينما الشرف الحقيقي الذي يتبقى للإنسان هو أن يكون "صالحاً".
فرعون والنموذج الفاقد للمعنى (تضخيم اللقب لتغطية الفراغ): في المقابل، يرينا القرآن كيف يركض الفارغون ورائ الألقاب والملك؛ قال فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51]، ثم وصل به هوس التضخيم إلى: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]. كلما ازداد الإنسان خلوّاً من التقوى والحقيقة، كلما طلب ألقاباً أكبر ليُقنع نفسه والآخرين بوجوده.
كيف نقرأ هذا النفسيًّا وتوعويّاً؟
الألقاب "سندات مستعارة": اللقب (دكتور، مهندس، مدير، شيخ، قائد) هو وسيلة تنظيمية اجتماعية، وليس "قيمة ذكية". إذا تعاملت مع اللقب كجزء من ذاتك، فسوف تنهدم نفسيتك لمجرد أن ينسى أحدٌ صداحتك به.
الفرق بين "السمعة" و"الذات": السمعة هي ما يظنه الناس فيك (وهي مرتبطة بالألقاب)، أما الذات فهي حقيقتك أمام الله وأمام نفسك. المشغوف بالألقاب يضحي بذاته من أجل سمعته.
راحة المتخفّف: من يعتمد على ثقل أثره ونفع كسبه لا يضيره أن يُنادَى باسمه مجرداً، بينما من يعتمد على القشرة (اللقب) يعيش في قلق دائم وحراسة جائعة للهالة المزيفة.
قيمتك الحقيقية ليست في الشهرة ولا في المسمى الذي يُكتب قبل اسمك على اللوحة، بل في المعنى الذي تحمله في قلبك والأثر الذي تتركه في حياة الناس.
استغنِ بالله وبجوهرك، فمن كان ممتلئاً من الداخل لا يرعبه أن يقف أمام العالم بلا ألقاب!
تسليع الإنسان | نايف بن نهار
حينما يتحول الإنسان إلى "سلعة" في سوق الحياة
في زمن تداخلت فيه قيم السوق الرأسمالية مع أدق تفاصيل حياتنا الاجتماعية والنفسية، يبرز واحد من أعمق الطروحات الفكرية والتوعوية للدكتور نايف بن نهار، وهو التحذير من "تسليع الإنسان" (Commodification of Man).
إنها الفكرة التي تدق ناقوس الخطر لتنبهنا إلى أننا، ومن حيث لا نشعر، بدأنا نفقد إنسانيتنا لنتحول إلى مجرد "سلع" تُعرض في واجهات المجتمع، تُقاس قيمتها بقدر ما تُنتج، أو بقدر ما تملك، أو بقدر ما تُعجب الآخرين.
ما هو "تسليع الإنسان"؟
في المنظور الفكري للدكتور نايف بن نهار، "التسليع" هو نزع القداسة والإنسانية عن البشر وتحويلهم إلى "أشياء" أو أدوات للاستعمال. السلعة في السوق تُشترى لغرض معين، وإذا انتهت منفعتها تُرمى أو تُستبدل.
حينما نُسلّع الإنسان، فإننا نتوقف عن التعامل معه بناءً على كرامته الروحية والأخلاقية التي كرّمه الله بها، ونبدأ في تقييمه بناءً على "قيمته التبادلية"؛ ماذا سأستفيد منه؟ كم يساوي في سوق العلاقات أو المال أو الشهرة؟
مظاهر التسليع في واقعنا المعاصر
يتغلغل التسليع في حياتنا اليومية عبر صورٍ تبدو في ظاهرها عادية، لكنها في العمق تنهش روح الإنسان:
تسليع العلاقات الاجتماعية:
حين تتحول الصداقات والروابط الأسرية إلى شبكة من "المصالح المتبادلة". الصديق لم يعد يُطلب لذاته أو لـ "إنسانيته"، بل لـ "وظيفته" أو نفوذه. وإذا زالت المصلحة، انتهت الصداقة كأنها بضاعة منتهية الصلاحية.
تسليع المرأة والإنسان في الفضاء الرقمي:
تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في "عصر السوشيال ميديا". لقد تحول الإنسان (خاصة في مجالات الإعلانات وصناعة المحتوى) إلى أداة لجلب "المشاهدات" و"الإعجابات".
يتم اختزال الفكر، والمشاعر، والجسد، والخصوصية العائلية في "منتج" يُباع للشركات الراعية. الإنسان هنا لم يعد هو المستخدم للتكنولوجيا، بل أصبح هو "السلعة" التي تبيعها المنصات للمعلنين.
اختزال القيمة في الوظيفة أو المادة:
أن يُقاس احترام المرء ومكانته في المجلس أو العائلة بنوع سيارته، أو رصيده البنكي، أو منصبه الوظيفي. هذا التفكير يحرم الإنسان من قيمته الذاتية كـ "إنسان مكرّم"، ويجعل قيمته متغيرة بتغير ظروفه المادية.
خطورة التسليع: كيف يدمرنا نفسياً واجتماعياً؟
إن تحويل الإنسان إلى سلعة يترتب عليه كوارث صامتة في المجتمع:
القلق الوجودي الدائم: لأن السلعة مهددة دائماً بأن تصبح "قديمة" أو "غير مرغوبة"، يعيش الإنسان المُسلّع في رعب دائم من فقدان قيمته إذا كبر في السن، أو فقد وظيفته، أو قلّت مشاهداته.
سيادة الأنانية والجفاف العاطفي: عندما تصبح النظرة نفعية بحتة، تموت معاني التراحم، والتضحية، والوفاء بلا مقابل، وتتحول البيوت والمجتمعات إلى "شركات" يديرها الحساب المادي الصارم.
كيف نستعيد إنسانيتنا؟ (نحو وعي جديد)
الوعي الذي يطرحه الدكتور نايف بن نهار يدعونا إلى ثورة مفاهيمية داخل أنفسنا:
إعادة الاعتبار للتكريم الإلهي: يجب أن نتذكر دائماً قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. هذا التكريم رباني ومطلق، لا يمنحه منصب، ولا تسلبه فاقة، ولا تزيده مشاهدات على الإنترنت.
التعامل مع البشر كـ "غايات" لا كـ "وسائل": أن تحب أخاك لأنه إنسان، ولأنه يستحق الحب والتقدير لذاته، لا لخدمة يقدمها لك.
التمرد على ثقافة "الاستعراض": ألّا نسمح للمنصات الرقمية أو لثقافة الاستهلاك العولمية أن تملي علينا قيمتنا. قيمتك في عمق وعيك، وطهارة قلبك، ونفعك الحقيقي للناس، وليس في بريق واجهتك الخارجية.
خاتمة
إن أكبر جناية يجنيها المرء على نفسه هي أن يرتضي لنفسه أن يكون "سلعة" في سوق الآخرين، يُعرض ويباع ويُشترى بكلمة ثناء أو حفنة مال.
لقد خُلقتَ حراً، مكرماً، بنفخة غالية من روح الله، فاحذر أن تحوّلك الماديات المعاصرة إلى مجرد رقم في آلة الإنتاج، أو بضاعة على رفوف الحياة. استعِد إنسانيتك، وعامل الناس بأرواحهم لا بمنافعهم.
إطلاقُ البصر فيما لا يُرضي الله من أكثر الأبواب التي يدخل منها الفساد إلى القلب، لأن العين ليست مجرّد جارحة تنظر، بل هي طريقٌ يصل مباشرةً إلى القلب، وما يراه الإنسان بعينه يترك أثره في داخله شاء أم أبى.
ولهذا بدأ الله بالأمر بغضّ البصر قبل حفظ الفروج، فقال سبحانه: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِینَ یَغُضُّوا۟ مِنۡ أَبۡصَـٰرِهِمۡ وَیَحۡفَظُوا۟ فُرُوجَهُمۡۚ ذَلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡ﴾ فسمّى غضّ البصر زكاةً وطهارةً للقلب، لأن النظرات المتكرّرة تُفسد القلب وتُعلّقه بالشهوات وتُضعف نور الإيمان.
وكان السلف يقولون:
"النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس."
وقد جاء المعنى في حديث النبي ﷺ: «العَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ…»
فالنظر المحرّم ليس أمرًا هيّنًا كما يظن البعض، بل قد يكون بداية طريق طويل من الفتنة والظلمة والقسوة.
والمشكلة أن المعصية تبدأ غالبًا بنظرة، ثم تتحوّل إلى فكرة، ثم تعلّق، ثم شهوة يصعب كسرها. ولذلك قال ابن القيم: "الصبر عن غضّ البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده."
فالنظرة المحرّمة قد تعطي لذّة لحظية، لكنها تترك بعدها:
- ضيقًا في الصدر
- وتشتّتًا في الفكر
- وضعفًا في العبادة
- وقسوةً في القلب
- ووحشةً بين العبد وربه
وكم من إنسان كان يجد لذّة في القرآن والصلاة، ثم أظلم قلبه بسبب التهاون بالنظر.
ومن آثار إطلاق البصر أيضًا أنه يُورث عدم القناعة، فيعيش الإنسان مضطرب القلب، كثير المقارنة، ضعيف الرضا، لأن عينه اعتادت التعلّق بكل ما ترى.
أما من جاهد نفسه وغضّ بصره لله، فإن الله يعوّضه نورًا في قلبه وطمأنينةً في نفسه. قال بعض السلف: "من حفظ بصره أورثه الله نور البصيرة."
وغضّ البصر لا يعني أن الإنسان لا يرى شيئًا أبدًا، بل يعني أن يصرف نظره عمّا حرّم الله، مجاهدةً لله وتعظيمًا له، خاصةً في زمن كثرت فيه الفتن وسهُل الوصول إليها.
ومن أعظم ما يُعين على ذلك:
- استشعار مراقبة الله
- البعد عن مواطن الفتنة
- تقليل التعرّض لما يثير الشهوة
- ملء الوقت بالطاعة والعمل
- الإكثار من الدعاء والاستغفار
واعلم أن كل مرّة تغضّ فيها بصرك لله، فأنت في عبادة. وقد تترك نظرةً لله فيفتح الله لك بسببها باب هدايةٍ أو راحةٍ أو توفيق لم تكن تتوقّعه.
فلا تحتقر مجاهدة نفسك، فإن الله يرى صبرك، ومن ترك شيئًا لله عوّضه الله خيرًا منه.
🔴 صناعة الفقر.. كيف يكتب الشيطان سيناريو المستقبل؟
في هذا الزمن الذي استبدّ فيه القلق بالنفوس، وغدا الحديث عن الغلاء، والأزمات الاقتصادية، وتأمين المستقبل هو القاسم المشترك في كل مجلس، نسي الكثير منا حقيقة قرآنية حاسمة تفكك هذا الاضطراب النفسي وتكشف جذوره.
يقول الله تعالى: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [البقرة: 268].
تأمل معي عمق التعبير القرآني في كلمة "يَعِدُكُم"؛ فالشيطان لا يملك سلطة مادية لسلب أموالك، ولا يملك أدوات لتغيير واقعك، لكنه يملك سلاحاً خبيثاً واحداً: "الوعد الزائف" وصناعة الوهم في وعيك حتى تظن أن السقوط حتمي!
🔷 تفكيك الحيلة.. كيف يمرر الشيطان وعده؟
يدخل الشيطان إلى العقل الإنساني من بوابة الخوف على الغد، ويمارس لعبته عبر أساليب دقيقة:
🔸 تضخيم السلبية: يقتنص الأخبار والأزمات ليصنع منها جداراً أسود، ويوهمك بأن القادم كارثي لا محالة، حتى يستسلم عقلك لليأس.
🔸 عزل الإنسان عن ربه: يهمس في داخلك بالتساؤلات المحبطة: "من أين ستأتي بالمال؟" "كيف ستؤمن أطفالك؟"، والهدف هو قطع حبل الثقة بينك وبين الرازق، وجعلك تنسى أن الذي رعاك في ماضيك لن يتركك في مستقبلك.
🔸 الابتزاز الأخلاقي (الفحشاء المادية): عندما يتمكن الخوف من الفقر في النفس، يصبح هو الوقود لكل انحراف؛ فتجد العبد يلجأ للمال الحرام، أو الرشوة، أو الاحتكار، أو يمسك يده عن العطاء والزكاة ظناً منه أنه يحمي نفسه!
🟢 الوعي بالمعركة.. كيف نتحرر من الوهم؟
أولى خطوات الانعتاق من أسر هذا الخوف هي "الوعي بمصدر الفكرة". عندما تداهمك الهواجس بشأن الغد، اعرضها فوراً على هذا الميزان:
• إذا كانت الفكرة تقول لك: "الدنيا انتهت، سأضيع أنا وأولادي، والحل هو الشُّح والانكفاء"، فاعلم فوراً أنك لست أمام واقع موضوعي، بل أنت أمام وسوسة شيطانية محضة، يراد بها إضعافك.
• وإذا كانت الفكرة تقول لك: "الواقع صعب لكن الرزق مكفول، سأبذل السبب وأمضي"، فهذا هو اليقين الرباني ووعد الله بالفضل.
حين يشتد قلقك، خاطب نفسك بوعي وقل: "هذا هو وعد الشيطان الذي حذرني الله منه، ولن أسمح لعدوي أن يدير عقلي".
🛡️ المرتكزات الفكرية لإعادة التوازن النفسي:
1️⃣ خزائن الله والسببية:
إن رزقك ليس معلقاً بذكائك الفردي، ولا بالمنظومة الاقتصادية العالمية، بل هو سهم كُتب لك قبل أن تولد. يقول تعالى: "وَفي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ". نحن نتعبد الله بالسعي، والنتائج نتركها لرب النتائج.
2️⃣ جدار الأمان المطلق:
اجعل وصية النبي ﷺ لابن عباس هي القاعدة الصلبة التي تقف عليها في وجه الأزمات: "وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ". إذا كان العالم كله عاجزاً عن قطع رزقك أو إيذائك إلا بإذن الله، فما معنى هذا القلق؟
3️⃣ مقاومة الوهم بالفعل المضاد:
إن أنجح وسيلة لهدم الخوف من الفقر هي "الصدقة". عندما يهمس الشيطان في أذنك ليخوفك من النقص، اصفع هذا الوهم بالبذل، لتقلب المعادلة وتتحرك بيقينك نحو وعد الله: "وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا".
✍️ خلاصة الوعي:
الخوف المفرط من الغد لا يملك أن يغير قَدراً، ولا أن يجلب رزقاً، ولكنه يملك شيئاً واحداً: أن يسرق سكينة يومك، ويهدم استقرارك النفسي، ويحولك من عبدٍ لله إلى عبدٍ للظروف والمخاوف.
تحرّر من أوهام الفقر، وامشِ في مناكب الأرض بكرامة، ونم قرير العين؛ فالغد بيد لطيف خبير، لم يتخلَّ عنك في الأمس، ولن يضيعك في المستقبل.
المحتوى الافضل .
اخر كلام عن نظام الطيبات, منقذ ام قاتل؟
محتوى ثري
من أعظم ما في القرآن أنه يربطك بالمبادئ لا بالأشخاص، لا توجد آية في القرآن ترفض فكرة بسبب قائلها، ولا توجد آية تقبل فكرة لأجل قائلها، كل شيء في الإسلام مرتبط بالأدلة {قل هاتوا برهانكم}، ولذلك حتى المصطفى ﷺ نفسه لم يربطنا القرآن بشخصه، بل برسالته {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}.
لكن اليوم كثير من المسلمين تركوا منهاج القرآن، وأصبحوا معلقين بالأشخاص، فإذا أتيته بألف دليل ودليل لا يلتفت إليك، ولكن إن ذكرت له اسم فلان أو فلان ممن يكبر في عينيه فإنه يتفق معك حتى لو لم يعرف دليلك!
إدمانُ السهلِ وآفةُ الفتورِ العلمي📚
ليس كل ما يُقرأ يُنمّي العقل، ولا كل ما يمرّ بالعين يُغذّي القريحة؛ فإنّ في إدمان السهل من الكتب، والإقامة الطويلة بين التغريدات الخفيفة والمنشورات السريعة، ما يُرخِي عَصَبَ العقل، ويُعوِّده اللين بعد الشدّة، حتى إذا عُرِضت عليه المطوّلات، أو نُصِبَت له النصوص المتينة، تثاقل، ونبا عنها كما ينبو الغريب عن غير مألوفه.
وهكذا يُساق طالب العلم – وهو لا يشعر – إلى ضمورٍ خفيّ، لا في معلوماته، بل في قدرته على التحمّل، ومجالدته للنصوص الصعبة، وصبره على معالي العلم؛ لأنّ النفس إذا أُلِفت الخفيف، استثقلت الثقيل، وإذا أُطعِمت السهل، نفرت من العويص.
ومن هنا كان من فقه الطريق: أن يُمسك المرء عن بعض ما يُحب، وأن يُعرض عن فضولٍ يسرق عمره وإن بدا نافعًا؛ ومن جميل ما يُذكر ما قاله الإمام الذهبي في المعجم المختص (٣٠٥) في ترجمة أبي بكر البعلبكي: «وأعرض عن أشياء من فضلات العلم».
فما أحوجنا إلى هذا الإعراض الواعي عن فضول العلم، حفظًا للياقة العقلية، وصيانةً لقوّة التحمّل، حتى يبقى العقلُ مشدودًا إلى معالي الأمور، قادرًا على اقتحام صعابها، غيرَ مأسورٍ لعادات السهولة ولذّاتها.
•••🎊
تقبل الله طاعتكم
اسعد الله ايامكم
وامتلاءت بالفرحة قلوبكم
كل عام وانتم الى الله اقرب
كل عام وانتم بخير وصحة وسلامة
جعله الله عيد نصر وفتح وتمكين للأمه
🎗 | إنتبه إنه يوم عرفه
🕊| فضائل يوم عرفة
1-إنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة
ففي الصحيحين عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال أي آيه؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) "المائدة: 3" قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قائم بعرفة يوم الجمعة.
2- قال صلى الله عليه وسلم: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب) "رواه أهل السّنن". وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: (نزلت –أي آية (اليوم أكملت)- في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد).
3-إنه يوم أقسم الله به:
والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، فهو اليوم المشهود في قوله تعالى: (وشاهد ومشهود) "البروج: 3"، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اليوم الموعود : يوم القيامة، واليوم المشهود : يوم عرفة، والشاهد: يوم الجمعة..) "رواه الترمذي وحسنه الألباني".
وهو الوتر الذي أقسم الله به في قوله: (والشفع والوتر) "الفجر: 3" قال ابن عباس: الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة، وهو قول عكرمة والضحاك.
4-أن صيامه يكفر سنتين:
فقد ورد عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) "رواه مسلم".
وهذا إنما يستحب لغير الحاج، أما الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك صومه، وروي عنه أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
173" "رواه أحمد وصححه الألباني"
فما أعظمه من يوم! وما أعظمه من ميثاق !
5- أنه اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم.
فعن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بِنَعْمان- يعني عرفة- وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذّر، ثم كلمهم قِبَلا، قال: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون) "الأعراف: 172، 173" "رواه أحمد وصححه الألباني"
فما أعظمه من يوم! وما أعظمه من ميثاق !
6-أنه يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف:
ففي صحيح مسلم عن عائشة _رضي الله عنها_ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدأ من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟).
وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبراً) رواه أحمد وصححه الألباني".
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على وعي المجتمع!! د. نايف بن نهار
🕒 01:21
📼 640p, 💾 3.6MB