2045
#دعاء_الندبة منشورات اسبوعية في صباح كل يوم جمعة حيث يتم في كل أسبوع شرح فقرة من فقرات دعاء الندبة المبارك @mustafa1415
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الثانية_والثلاثون
((أَيْنَ طامِسُ آثارِ الزَّيْغِ وَالاَْهْواءِ، أَيْنَ قاطِعُ حَبائِلِ الْكِذْبِ وَالاِْفْتِراءِ))
يتساءل الداعي في هذه الفقرة عن مكان ومحل رجل الإله المخلص في الأرض ليقصده ويبث له شكواه عن عالم الظلم والتجبر الذي ملأ الأرض وأصبح يتحكم بمقدراتها ويمنع فيض السماء من القيام بدوره.
حيث يتوجه الداعي الى صاحب الزمان (عجل الله فرجه) و يدعوه بأنْ يخلّص البشرية وينجيها من الجور السائد عليها ويطلب منه بما يملك من مؤهلات ومقدرات أنْ يمحي بقايا ما رسمه الزائغون عن الحق ويخرب آثار المائلين إلى الباطل، فيعمد إلى طمس ودفن تلك البقايا من أعلام الفئة التي اتبعت الشيطان واستهواها إبليس اللعين فذهب بها الى الباطل والاعتقاد المنحرف والاهواء الفارغة إلى الزيغ عن الصراط، والوقوع في حيرة التغريب والإفساد في هذه الأرض، بعد أنْ تململوا وحاروا فابتعدوا عن الهدى، فصارت حيرتهم سبيلاً للشيطان لأنْ يصيّدهم بحبائله ويوقعهم بمخالفة الاستقامة، والجنوح إلى الكذب والتضليل والافتراء، فاندرست في نفوسهم مصابيح الهدى الفطرية وانمحت من قلوبهم أنوار الانقياد للهدى، فصاروا باتباعهم آثار وأعلام أهل الخلاف والانحراف، سنّة يسير عليها اللاحقون ممن فرغت قلوبهم من حب الله تعالى و صاروا أئمة ضلال يقتدي بهم أصل الزيغ ويتبعون أهوائهم لأنهم لا عقل لهم، وبتراكم الزمن أصبحوا أعلاماً تقود كل متمايل ومرتجف إلى ضلالهم.
فيأتي الداعي و يدعو من صاحب الزمان (عجل الله فرجه) أن يعّدل الاعوجاج وذلك بأن يطمس تلك الاثار التي أصبحت أعلاماً يتبعها أهل الزيغ والاهواء، وأنْ لا تأخذه بهم رحمة ورأفة ولين، لأنّ ما هم عليه لا ينفع معه إلا القطع والاستئصال بعد أنْ صار سلوكهم فضلاً عن فكرهم وعقيدتهم هو تعمد الكذب وصناعة الافتراء لمن علق بهم من الأذناب، لأجل ابعاد اتباعهم عن الهداية، وتسويل النفوس لمن ضعفت همته وقعدت به عقيدته لاتباعهم.
و تحدثت الروايات الشريفة عن هذا المقطع من الدعاء المبارك فعن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) في تفسير قوله تعالى ((وَنُريدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ الْوارِثينَ)) قالا:
(إنّ هذه الآية مخصوصة بصاحب الأمر الذي يظهر في آخر الزمان ويبيد الجبابرة والفراعنة ويملك الأرض شرقاً وغرباً فيملأها عدلاً كما ملئت جوراً).
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الثلاثون
((أَيْنَ هادِمُ اَبْنِيَةِ الشِّرْكِ وَالنِّفاقِ))
يتحدث هذا المقطع من دعاء الندبة المبارك عن أنّ للأمام المهدي (عجل الله فرجه) دوراً كبيراً في تحطيم وإسقاط الأبنية المتراكمة ولطيلة قرون متمادية من أبنية أهل النفاق والشرك.
فالإمام (عجل الله فرجه) أعطاه الله وظيفة إلهية وهي أن يقوم بإزالة ما تراكم من هذا البناء طيلة هذه الفترة الزمنية، ومن ثم تشييد بناء جديداً على الأسس التي أرسى قواعدها الأنبياء سيّما خاتمهم (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) من بعده.
فالإمام المهدي (عجل الله فرجه) ناقض لكل ما أبرمه أهل الشرك من أفكار وآثار وسلوكيات، و إن الإمام المهدي (عجل الله فرجه)يأتي ليسقط كل ما عمّره البعيدون عن الله ويحطّم عقائدهم ووجودهم وقوتهم وجبروتهم.
و إن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) يزيل تلك الجماعات المتشابكة والمشتبكة جذورها والمؤتلفة قلوبها على ابعاد الناس عن الله سبحانه وتعالى، و الذين يعددون الآلهة ويغطون بكيدهم ومكرهم ونفاقهم على نور الإله الواحد ظناً منهم أنّ السعي لإبراز الحقيقة الوحدانية وبيانها للناس وتوجّه الجميع نحو الواحد الأحد سيقصيهم ويمنع تحقيق أمانيهم ومصالحهم، فتشابكت على مر الدهور واشتركت أفكارهم واندمجت سلوكياتهم وأشرئب في قلوبهم هذا المعتقد الفاسد، فبنوا على أساسه كل هذا البناء من الظلم والطغيان والإفساد.
فكل فكرة باطلة وكل عقيدة منحرفة وكل سلوك أعوج هو نتاج هذا البناء الشركي والنفاق العقائدي، ولمّا اتّسع هذا البناء وزاد وتضخّم وكبر صار من العسير بمكان أنْ يزيله أحد، لأنّه يتراءى للناس من خلال مظهره أنّه يحمل قوّة ومكانة لايمكن إزالتها، فانصرف الناس عنها، فلم يبق إلا مدّخر السماء وهبة الإله ووصي الأولياء (عجل الله فرجه) ليكون هو الأمل الأخير في دكدكة هذا البناء المترامي وتحطيمه وسحقه.
و إنّ أسباب عملقة البناء الشركي والنفاقي هو أنّ الناس اشربوا حب الميل إليه بسبب عصيانهم وليس بسبب ضعف في همّة أولياء الله على طول خط الزمان، إلا أن مهدي الأمم (عجل الله فرجه) سيزوّد بطاقة هائلة وقدرة عملاقة ستكون هي السبب وراء أنْ يقض هذا البناء ويهدمه.
إنّه حقاً بناء لا يخلو منه وجود إلا من رحم الله تعالى، انّه بناء سيملأ الأرض، انّه بناء الظلم الذي يحتاج إلى الإمام (عجل الله فرجه) وظهوره ليزيله بيد عدله.
وقد أشارت جملة من الروايات الشريفة الى هذه الحقيقة في أنّ أبنية الظلم ستنتشر وأنّ أبنية الشرك والنفاق ستتسع وأنّ مزيلها الوحيد هو القائم المنتظر (عجل الله فرجه).
فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبته يوم الغدير أنّه قال:
((معاشر الناس... إنّ خاتم الأئمة منّا القائم المهدي..... إنّه فاتح الحصون وهادمها، ألا أنّه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك...)).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث له عن الإمام القائم (عجل الله فرجه) أنّه قال:
((ولا يترك بدعة إلا أزالها ولا سنّة إلا أقامها...)).
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الثامنة_والعشرون
((أَيْنَ المُتَخَيَّرُ لإِعادَةِ المِلَّةِ وَالشَّرِيعَةِ أَيْنَ المُؤَمَّلُ لإِحْياءِ الكِتابِ وَحُدُودِهِ أَيْنَ مُحْيِي مَعالِمِ الدِّينِ وَأَهْلِه))
إن الإمام المهدي(عجل الله فرجه) يمثل كما نعلم جميعنا بقية الله في الارض و حجته على العباد و خليفته في البلاد ، و من يكون كذلك لابد ان يكون معصوم بالمطلق و فيه شيء من صفات الله تعالى التي تخوله ليكون المخلوق الكامل و النموذج الذي يقتدى به.
و حينما وضع الله جل جلاله خلفاءه من انبياء و اوصياء منهم و خاتمهم مولانا الإمام المهدي(عجل الله فرجه) جعلهم لغاية و هي دعوة الناس للهدف المنشود ((و ما خلقت الجن و الانس الا ليعبدون)) اي ليكونوا نورا يهدي الخلق للطريق الذي يريده الخالق و تراجمة لشرائعه و جعل استمرارهم و تعاقبهم حفظا للدين من الاهواء التي تتبع و الاراء التي تبتدع و التي تنشئ من شهوة الانسان الناقص ، و لأنه هو اعرف بمن خلق جعل هذه السنة قائمة في خلقه.
و امامنا المهدي (عجل الله فرجه) لما كان هو الحجة المعصوم كانت وظيفته الاساسية هي الحفاظ على الدين سواء في غيبته او حضوره لكن بالطبع في الحضور سيكون مبسوط اليد اكثر لذلك نجد ان كثير اليوم من معالم الدين و الاحكام قد ترك الخلق العمل بها او حرفوها تفسيرا حتى تولدت لدينا ظواهر الخوف من الاسلام بل و حتى قمعه في بعض المجتمعات.
و إن الامام المهدي (عجل الله فرجه) عند ظهوره ليست وظيفته الرئيسية الانتقام من قتلة اباءه لانهم اباءه و ارحامه بل لأنهم الدين و اساس الدين و لان قتلتهم هم قتلة الدين و قتلة الحدود و الاحكام و قتلة شركاء القران.
لذلك فان كل فعل الامام هو دين و لأجل الدين و هو من سيحيي الدين من جديد بعد ان اضمحل و انتشرت داخله الشبهات و الفتن و هنا المحب يندب امامه ببيان حقيقة وظيفته و سبب موالاته له .
#دعاء_الندبة
#الفقرة_السادسة_والعشرون
((أَيْنَ المُنَتَظَرُ لإِقامَةِ الأَمْتِ وَالعِوَج))
إن معنى الأمت هو المكان المرتفع من الأرض، وإقامة الأمت من الأرض يعني بسطها وتسويتها بحيث لا يكون بعض جوانبها مرتفعاً والبعض الآخر منخفضاً بل تكون بتمامها منبسطة أي متساوية السطوح، ومنه يتضح معنى قوله تعالى:
((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ○ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ○لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا))
والمراد من (أين المنتظر لإقامة الأمت والعوج) هو ندبة الإمام المهدي (عجل الله فرجه) الذي يُنتظر منه تصحيح مسار الأمة، فكأن الطريق الذي تسلكه الأمة في غيابه طريق وعر تشوبه الكثير من العقبات والمطبات، و إن المنتظر فعله من الإمام (عجل الله فرجه) حين ظهوره هو تعبيد هذا الطريق وتسويته بحيث يكون منبسطاً سالكاً.
ومحصل الفقرة المذكورة هو انَّ الإمام (عجل الله فرجه) حين ظهوره يُصحِّح ما انحرف من مسار الأمة ويُعيدها إلى جادة الحق والهدى والرشاد.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الرابعة_والعشرون
((اَيْنَ بَقِيَّةُ اللهِ الَّتي لا تَخْلُو مِنَ الْعِتْرَةِ الْهادِيـَةِ)).
إن (بقية الله) تعني أنّ الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) البقية الباقية من الأنبياء، البقية من آدم، البقية من نوح،البقية من إبراهيم الخليل،البقية من موسى الكليم، البقية من عيسى بن مريم، البقية من محمد المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم).
و أن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وارث علم الأنبياء(عليهم السلام)، فإذا ظهر يعيد أمجاد الأنبياء و يتحقق على يديه مالم يتحقق على يد الأنبياء. فهذا هو معنى بقية الله في الأرض، وهي ليس كلمة تطلق جزافاً وإنّما ذات محتوى ذات معنى.
و هناك روايات ذكر فيها أهل البيت (عليه السلام) أنّ الإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو بقية الله للنّاس من ذريّة المصطفى المطهّرين منها :
ذكر الإمام الباقر (عليه السلام) حديثاً عن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) قال فيه:
((القائم منّا منصور بالرعب مؤيّد بالنصر...فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة... وأوّل ما ينطق بهذه الآية:
((بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ)) ثم يقول (عجل الله فرجه):
((أنا بقيّة الله في أرضه وخليفته وحجّته)).
وذكر الإمام الصادق (عليه السلام) ذلك أيضاً حينما تحدّث عن الائمة وعددهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
((أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحقّ بقيّت الله في الأرض وصاحب الزّمان)).
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الثانية_والعشرون
((أَيْنَ أَبْناءُ الحُسَيْنِ صالِحٌ بَعْدَ صالِحٍ وَصادِقٌ بَعْدَ صادِقٍ أَيْنَ السَّبِيلُ بَعْدَ السَّبِيلِ أَيْنَ الخِيَرَةُ بَعْدَ الخِيَرَةِ))
يشير هذا المقطع الندبي المبارك إلى الحالات التي مرّت على أهل البيت عليهم السلام من مآس فعبّر الدعاء عنها بتعابير مختلفة إشارة الى حقيقة من العداء المغلّظ من قبل الأُمّة تجاه من وصّى بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعل مودّتهم أجر رسالته التي أنقذ بها البشرية و رغم هذه الوصية المغلّظة قرآنياً ونبوياً في حفظهم واحترامهم وتبجيلهم لأنّها أجر ما في الأُمّة من نعيم.
الا انّ الإصرار والتعنّت من قبل قادة الأُمّة وساستها وعلية القوم ومقدّميهم على التطاول على أهل البيت (عليهم السلام) وانتهاك كل حرمة لهم فجاء الدعاء صرخة في نفس القارئ تسأل عن هذه العترة الموصى بها من قبل صاحب الرسالة وتسأل عن صفات افراد هذه العترة وهل أنّ الذي ينبغي من الأُمّة تجاههم هو التكريم والتبجيل أو السحق والتنكيل، فسأل عن ابناء الحسين (عليهم السلام) بعد أنْ تحدّث عمّا جرى على الحسين (عليه السلام) بكربلاء.
فالعبارة الواردة (اَيْنَ اَبْناءُ الْحُسَيْنِ) تشير إلى الامتداد الطبيعي للنبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وكأنّها تخاطب الضمير الإنساني، بعد أنْ يئست من ضمير الأُمّة التي انتشلها خاتم الأنبياء والرسل وجعلها ارقى الأمم برسالته ومبادئه التي ضحّى بكل وجوده من أجل أنْ يرسيها، فتقول هذه العبارة للداعي لابدّ لك يا من تقرأ هذا الدعاء أنْ تسأل عن أبناء الامتداد الطبيعي للنبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) وما جرى عليهم.
ثم يبين الدعاء بعض صفاتهم و ما جرا عليهم حيث أنهم اقصوا وقتلوا انتهكت حرماتهم وتمّ التجاوز عليهم بكل ما من شأنه أنْ ينتهك كرامة الإنسان ويصغّر قدره، ويحطّ من منزلته،اتعلم أنّ هؤلاء هم صالح بعد صالح و صادق بعد صادق.
وهنا لابدّ أنْ ينقدح في ضمير القارئ سؤال مفاده: هل أنّ الصالح و الصادق يقدّم ويحترم أو أنّه يهان ويعتدى عليه؟
ثم يبين الدعاء بقية الصفات ويقدح في ذهن القارئ نفس السؤال اين السبيل بعد السبيل؟
فإذا كان السبيل إلى الله ينتهك ويبعد، فكيف سيكون بعدئذ الوصول؟.
ثم يتابع الدعاء تلاوة الصفات الذاتية التي توجب التقديس، ولكنّ الذي يؤسف له أنّها لم تقابل في هذه الأُمّة إلاّ بكل دنيء.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الحادية_والعشرون
((أين الحسن أين الحسين))
في مثل هذه الايام الحزينة من شهر محرم الحرام نتوقف عند هذه العبارة الندبية الحزينة.
حيث أنه بعد ان أنتقل الدعاء في الفقرة السابقة إلى ممارسة من الممارسات المواساتية ليطلب من المؤمنين أنْ يصيحوا مستغيثين ضاجّين لفجيعة ما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) فلا يكتفون بالبكاء ولا الندب ولا ذرف الدموع ولا الصراخ، بل لابدّ لهم من الضجيج والعجيج.
يتساءل الدعاء هنا في هذه الفقرة عن أنّ هذه المواساة لابدّ أنْ تكون لكل فرد من أفراد أهل البيت (عليهم السلام) الأطياب.
حيث أن المؤمن الداعي وهو في تلك الحالة الراقية الرفيعة من المواساة غير العادية و التي يضج فيها بأعلى صوته وهو باك عمّا جرى على الحسن بن علي (عليهما السلام) و الحسين بن علي (عليهما السلام) بعد ان مرّ في المقاطع السابقة على ما جرى على امير المؤمنين (عليه السلام) فيسأل :
أين الحسن (عليه السلام) و ماذا حدث للحسن (عليه السلام)، أرُعي حق رعايته وحُفظت فيه حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أم انتهكت تلك الحرمة انتهاكاً إلى حدٍ يتألم الأعداء لفجيع ما فُعل به من هتك لحرمته واستباحة لدمه إلى أنْ قُتل غريباً مسموماً لم ترع فيه لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا لبضعته أية حرمة.
و يسأل ايضا عن الحسين (عليه السلام) الشهيد بطفوف كربلاء وما جرى عليه، ذلك الذي هزّ أركان العرش وكشف عن قبيح ما كان يتستر أعداء البيت (عليهم السلام) عنه بالدين.
فالحسين (عليه السلام) كشف الزيف ومزّق الأقنعة، ولكنّ الدعاء يريد أنْ يتحدّث عمّا جرى على الحسين (عليه السلام) من قتل وسبي للحرمة وانتهاك لكل مقدّس أُمِر الناس بصيانته، ولكنّهم تظافروا واجتمعوا على هتكه.
فالدعاء يريد أنْ يسأل أين الحسين (عليه السلام) وماذا جرى له؟ ولا يمتلك المؤمن الداعي او السامع او الشارح لهذه الفقرة إلاّ أن يجيب: بكربلاء.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_التاسعة_عشر
((فَعَلَى الاَْطائِبِ مِنْ اَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وَآلِهِما فَلْيَبْكِ الْباكُونَ وَاِيّاهُمْ فَلْيَنْدُبِ النّادِبُونَ))
في هذه الفقرة من دعاء الندبة نجد أنّ الدعاء يبيّن حالة أُخرى تختلف عن الحالات في الفقرات السابقة وهي أشبه بالممارسة العملية من الداعي.
حيث يطلب المؤمن فيها من المؤمنين الأخرين بعد أنْ يخاطب نفسه بكلمات هذه الفقرة من الدعاء بأن ما وقع على أهل البيت (عليهم السلام) من الظلم والقتل والسبي والاقصاء ينبغي أنْ تكون الحالة التي يتلبسها الداعي والتي يسمعها الداعون الآخرون من المؤمنين هي حالة البكاء و الحزن الشديد بعد أنْ طرقت اسماعهم الالوان المختلفة من الآلام والعذابات التي مرت على اهل البيت (عليهم السلام).
و إن أبتداء الدعاء بطلب الممارسة العملية من الداعين بصفة الأطايب لأهل البيت (عليهم السلام) فيها تبعيض لأهل البيت (عليه السلام) فلم يقل الدعاء(فعلى الأطايب أهل البيت عليهم السلام)، بل قال: (فعلى الأطايب من أهل البيت عليهم السلام) وكأنّه يشير الى أنّ من يتلبّس بهذه الصفة العالية من السلوك السوي والاستقامة هم ليس كل من انتسب الى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل بعضهم، وهذا التبعيض المقرون بكونهم الأطايب.
ولعلّ الذي يراد من الطيّب في هذا السياق هو المتحلّي بصفات الكمال المنزّه عمّا يشينه والممارس لهذه الصفات عملياً، فضلاً عمّا هو أبعد من ذلك بأن يكون نبته طيباً وطاهراً.
ولعلّه إشارة إلى العصمة وآية إذهاب الرجس، ولذلك عطف المقطع الندبي المبارك أنّ الاطايب من أهل البيت (عليهم السلام) كما هم من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق فاطمة (عليها السلام) هم من علي (عليه السلام) عن طريق فاطمة (عليها السلام) لذلك قال من أهل بيت محمد وعلي (صلى الله عليهما وآلهما).
و بعد أنْ ذكّرنا الدعاء بالأطايب من اهل البيت (عليهم السلام) وقرأ لنا ما مرّ عليهم جاء دور ما ينتظره منّا ويطلبه من ممارسة عملية لتلك التصرفات المشينة التي وقعت على هؤلاء الأطايب وبدأ:
١- بالبكاء الذي هو أول الممارسات العملية الرافضة لتلك التصرفات والمخالفات التي وقعت على أهل البيت (عليهم السلام).
٢-انتقل بعد البكاء طالباً من المؤمنين التّرقي في الممارسات حزناً ووجداً وتألماً وتأثراً على ما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) فأنتقل الى الحالة الأُخرى وهي حالة الندب والتي طلب أن تكون جماعية كما في البكاء .
والندب بعد البكاء هو أنني أدعو أهل البيت (عليهم السلام) أن يأتوني ويشاهدوا ما أنا فيه من بكاء ووجد عليهم إذ الندب في اللغة هو دعوة المندوب مسارعاً إلى النادب وحاثّاً له على مشاهدة ما هو فيه من حالة.
وكأن الدعاء يريد أنْ يبكي أهل البيت (عليهم السلام) على الباكي عليهم و ما أرقاها من حالة وما أعظمها أن تكون محلاً لنظر الإمام الرؤوف عندما تكون باكياً على ما جرى عليه وطالباً منه أن يبكي على حالك بندبك إيّاه لأنّ الرؤوف اذا رآك على هذه الحالة جزماً سيبكيك.
ولعلّ الدعاء سمّي بالندبة لهذا المقطع.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_السابعة_عشر
((فَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ، وَسُبِيَ مَنْ سُبِيَ وَاُقْصِيَ مَنْ اُقْصِيَ وَجَرَى الْقَضاءُ لَهُمْ بِما يُرْجى لَهُ حُسْنُ الْمَثُوبَةِ))
بعد أنْ بينا في الفقرة السابقة أنّ هناك سنّة انشأها الجيل الأول بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسار عليها المتأخرون وهي سنّة الإقصاء واجتماع الأُمّة واصرارها على معاداة أهل البيت (عليهم السلام) وتقطيع رحمهم والاستحواذ على حقّهم و هذه الحقيقة لم تنعكس من خلال هذا المقطع من الدعاء وإنّما هي حقيقة واقعية تاريخية صوّرت بقلم جميع من كتبوا التاريخ.
وهنا يأتي دور العقل الواعي الذي يريد لنفسه وذاته الخلاص في أنّ يميّز بين طريقين فلابدّ أنْ يسلك احدهما، ولابدّ من المراجعة والتنقيب عن الأسباب التي دعت من كانوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لممارسة أشنع وأقبح الأفعال تجاه عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع تصريح القرآن الكريم على ضرورة احترامهم وتقديمهم وانّهم الميزان في اتباع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
والدعاء المبارك يعكس لنا صوراً من الممارسات المختلفة والمتعدّدة على أهل البيت (عليهم السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبطبيعة الحال فإنّ هذه الممارسات مع اختلافها لها درجات متفاوتة ونحتمل انه لم يعكس لنا الدعاء جميع هذه الممارسات ولعلّ الذي عكسه هو نسبة يستطيع الإنسان تصورها بينما أُخفيت نسب أُخرى من الممارسات لا يتصورها من يقرأ من المتأخرين عن زمانها فأُخفيت بقصد من أهل البيت (عليهم السلام) وتُركت إلى أو انها وحين إظهارها
إلاّ انّ هذا الذي وصل يعكس الحالة التي كان عليها خصوم أهل البيت (عليهم السلام) من كونهم أعداء حاقدين، فالتعدّي على أهل البيت (عليهم السلام) وإصرار الأُمّة على ازدرائهم والاستخفاف بهم وتصغير قدرهم مع اجتماع على هذا الأمر وتسالم عليه يداً بيد لكي لا يتهاون فيه أحد، ساعين بذلك إلى إيجاد حالة اجتماعية واضحة تجاه أهل البيت (عليهم السلام).
ولكن الغريب حقّاً في كلّ ذلك إنّه رغم الاقصاء والمقت وتقليل القدر و القتل والسبي والتنكيل نجد اليوم انّ اهل البيت (عليهم السلام) متربعون على القمّة في حبّ الناس لهم فضلاً عن المسلمين وبينما تجد الأعداء لم ينالوا إلاّ الخيبة والذكر السيء واللعن.
وفي المتون الحديثيّة نجد انّ الكثير من روايات أهل البيت (عليهم السلام) عكست لنا هذه الحالة:
فعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) عند دخول المدينة بعد وقعة كربلاء قائلاً:
((والله لو انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصية بنا لمّا زادوا على ما فعلوا بنا))
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث طويل عن أولئك الذين يتظاهرون بالصلاة و الصوم وغيرها من العبادادت مع اشرئباب القلب حقداً على أهل البيت عليهم السلام، فيقول:
((فلا تغرنّك صلاتهم وصيامهم ورواياتهم وعلومهم فانهم حمر مستنفرة)).
وعن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يتحدث عمّا جرى عليهم [أي أهل البيت عليهم السلام] فيقول عن شهر المحرم:
((فاستحلّت فيه دماؤنا وهتك فيه حرمتنا وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا واضرمت النيران في مضاربنا وانتهب فيها من ثقلنا ولم ترعى لرسول الله حرمة في أمرنا))
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الخامسة_عشر
((حَتى قَتَلَ النَّاكِثِينَ وَالقاسِطِينَ وَالمارِقِينَ))
إن هذا المقطع من دعاء الندبة هو تكملة لندبة أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث يبين هذا المقطع ثلاث طوائف من المنافقين خرجوا للحرب ضد أمير المؤمنين (عليه السلام) في فترة خلافته و هم الناكثين و القاسطين و المارقين:
فأما الناكثين فهم طائفة ممن تابع أمير المؤمنين (عليه السلام) وبايعه ثم نقض عهده وخرج عليه وهم أصحاب واقعة الجمل الذين قاتلهم أمير المؤمنين (عليه السلام) .
وأما القاسطين فهم طائفة تجمعوا واتبعوا معاوية وخرجوا لمقاتلة أمير المؤمنين (عليه السلام) على حقه ومنعوه اياه فقاتلهم وهي وقائع صفين وليلة الهرير.
وأما المارقين : فهم الخارجون عن متابعة الحق المصرّون على مخالفة الامام المفروض طاعته ومتابعته و المصرحون بخلعه و هم أهل حروراء والنهروان.
وفي رواية عن ابن مسعود قال : خرج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فأتى منزل أم سلمة ، فجاء علي (عليه السلام) ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) :
((يا أم سلمة ، هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي))
وروي عن سعد بن عبادة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال :
((أمرت بقتال ثلاثة : القاسطين والناكثين والمارقين)).
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الثالثة_عشر
((ثُمَ قالَ: أَنْتَ أَخِي وَوَصِيِّي وَوَارِثِي، لَحْمُكَ مِنْ لَحْمِي وَدَمُكَ مِنْ دَمِي وَسِلْمُكَ سِلْمِي وَحَرْبُكَ حَرْبِي، وَالإيْمانُ مُخالِطٌ لَحْمَكَ وَدَمَكَ كَما خالَطَ لَحْمِي وَدَمِي، وَأَنْتَ غَداً عَلى الحَوْضِ خَلِيفَتِي))
تحدثنا هذه الفقرة من الدعاء المبارك عن الصفات و الكمالات التي أمتاز بها أمير المؤمنين (عليه السلام) على باقي الصحابة و التي بينها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في أحاديثه الشريفة و من هذه الصفات و الميزات:
1) إن الإمام علي (عليه السلام) هو وصي الرسول ووارثه و كما قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم):
((لكل نبي وصيّ ووارث وانّ عليّاً وصيّي ووارثي))
ينابيع المودة/ ج 1 / ص 236
2) أن الأنسان لا يكون مؤمنا و محبا للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الا عندما يكون محبا لأمير المؤمنين (عليه السلام) و أن كل من يبغض أمير المؤمنين (عليه السلام) فأنه ليس مؤمنا بل و ليس مسلما حتى و ان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليبغضه وقد بين الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله و سلم) ذلك في حديثه حيث قال:
((كنتُ أنا وعليٌّ نوراً بين يَدَي الله تعالى مِن قَبلِ أنِ يُخلَق آدم بأربعة عشر ألف عام، فلمّا خلق اللهُ آدم سلك ذلك النورُ في صُلبه، فلم يزل الله ينقله من صُلبٍ إلى صلب حتّى أقرّه في صلب عبدالمطّلب، ثمّ أخرجه من صلب عبدالمطّلب وقسمه قسمين: قسماً في صلب عبدالله وقسماً في صلب أبي طالب، فعليٌّ منّي وأنا منه، لحمه لحمي ودمه دمي، فمَن أحبّه فبحبّي أحبَّه، ومَن أبغضه فببغضي أبغضه))
نظم درر السمطين للزرندي الحنفي /ص 7
3) يتحدّث الدعاء في نهاية هذه الفقرة عن أثر أخروي يترتب على صفة الحقيقة الامامية لأمير المؤمنين (عليه السلام) و أنّ هذه الوصاية التي وصى بها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) في فرض ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) ليست دنيوية فقط وانما استمرارية أخروية وقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):
((وَاَنْتَ غَداً عَلَى الْحَوْضِ خَليفَتي))
اي انك يا علي في هذه الدنيا فأنت تقضي ديني وما يترتب علي لانّك خليفتي من بعدي وتنجز عداتي بما تقتضيه وظيفتك من كونك إمام و وصي و اما في الأخرة فأنك أول من يرد علي الحوض.
و قد روي عن سلمان أنه قال: سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول:
((أوّل الناس وروداً علّي الحوض يوم القيامة أولهم اسلاماً علي بن أبي طالب))
المناقب الفصل /الرابع /ص17
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الحادية_عشر
((ثمّ جعلت أجرَ محمّد صلواتك عليه وآله مودَّتَهم في كتابك فقلت "قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَودَّةَ فِي القُربى"))
لقد قام أنبياء الله ورُسُله بالدعوة إلى الله تعالى و بإبلاغ رسالات ربِّهم إلى النّاس دون أن يبغوا أجراً وحَمْداً مِنهم، بل كان عملهم خالصاً لوجهه تعالى في كل شيء، وهذا ما يميزهم عن باقي خلق الله فلا يطلبون أجراً دنيوياً قط إنْ أجرهم إلّا على الله ربّ العالمين.
و لقد كان لسان أنبياء الله جميعاً في قومهم هو:
((قلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْري إِلاّ على اللّه))
فإذا كان هذا موقف الأنبياء مِن أُمّتهم فكيف يصح للنبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله) أنْ يطلب الأجر في الدنيا على دعوته و هو المودة في القربى؟!.
فيستجيب له تعالى ويجعل أجر محمدّ(ص) في كتابه مودّة النَّاس لأهل بيته في الدنيا.!!
إن الأمر ليس كذلك، حتّى عندما نرى أنّه سبحانه يأمر نبيّه المصطفى(صلى الله عليه وآله) بأن يطلب مِن قومه مودّة القُربى أجراً للرسالة في الآية الكريمة:
((قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَودَّةَ فِي القُربى))
له تفسيره الخاص الذي يُنَزِّه الرسول عن طلب الأجر الشخصي والدنيوي و لكن السؤال الاهم من القربى الذين أمر الله تعالى مودتهم في كتابه؟
روى عن اسماعيل بن عبدالخالق عن أبي عبدالله (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: سمعته (عليه السلام) يقول لاَبي جعفر الاَحول: ما يقول أهل البصرة في هذه الآية ((قُلْ لا أسألكُم عَليهِ أجراً إلاّ الموَدَّةَ في القُربَى)) ؟
فقال: جعلت فداك، انهم يقولون: إنّها لاَقارب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فقال: كذبوا إنّما نزلت فينا خاصة، في أهل البيت، في علي وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساء»
الكافي 8\79
و عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: لما نزلت ((قل لا أسألكم عليهأجرا إلا المودة في القربى)) قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم قال (صلى الله عليه وآله): ((علي وفاطمة وابناهما ))
فضائل الصحابة لابن حنبل: 2 / 669
#دعاء_الندبة
#الفقرة_التاسعة
((وأودعتهُ عِلْم ما كان وما يكون إلى انقضاء خَلْقِك))
إن الله تعالى جعَلَ عند رسوله المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) وديعةً هي مِن أعظم الودائع.! لقد استودعه عِلْمَ "ما كان وما يكون" إلى انقِضاء خَلْقه، وميّزه "بالعِلْم الشامل" عن باقي أنبيائه.! حتّى أصبحَ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) العالِمَ الوحيد الفريد الذي لا يُدانيه أحدٌ ولا يُعادله عالِم ولا يوجَد -في العَالَم- مِنه بَدَلٌ ولا له -في الخَلْقِ- مِثْلٌ ولا نظير فهو مخصوصٌ بالعِلْم الكامِل كُلّه من الله العليم القدير.
ولَمّا حَضَرَتْهُ ساعةُ الوفاة وآنَ موعِدُ رحيله الشريف استدعى إليه أخاه وحبيبه علي بن أبي طالب(عليه السلام) و أدناه مِن نَفْسه وضَمّه إلى صدره و هَمَس في أُذُنه وناجاه طويلاً.. وعندما سُئل: ما الذي أُوعِزَ إليكَ يا أبا الحسن؟
قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «علّمني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ألف باب من الحلال والحرام، وما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، كل باب منها يفتح ألف باب، فذلك ألف ألف باب، حتى علمت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب».
ولقد أودَعهُ ما استُودِع وعلّمَهُ ما عُلِّم وورَّثَهُ ما وُرِّث.. فصار مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) عَيْبة عِلمه وعَيْبة سِرِّه ووعاء فَهْمه وحِكْمَته، وتبعه على ذلك الأئمة مِن وِلده العُلماء المعصومون والخلفاء الراشدون، وآخرهم قائمهم (عجّل الله فَرَجَه) حتّى يُظْهِرَ علوم الله ويرفع "كلمة الله" لتكون العُليا فيُنَكِّس بِها ما دونها مِن كَلِمَاتٍ وافتراءات.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_السابعة
((إِلى أَنِ اِنْتَهَيْتَ بِالأَمْرِ إِلى حَبِيبِكَ وَنَجِيبِكَ مُحَمَّدٍ (صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فَكانَ كَما انْتَجَبْتَهُ سَيِّدَ مَنْ خَلَقْتَهُ وصَفْوَةَ مَنِ اصْطَفَيْتَهُ وَأَفْضَلَ مَنِ اجْتَبَيْتَهُ وَأَكْرَمَ مَنِ اعْتَمَدْتَهُ. قَدَّمْتَهُ عَلى أَنْبِيائِكَ وَبَعَثْتَهُ إِلى الثَّقَلَيْنِ مِنْ عِبادِكَ))
في فقرات دعاء الندبة نندب الدين بدءا من اول مسير ديني متمثل بالنبي ادم (عليه السلام)وإنتهاءا بمولانا الإمام الحجة (عجل الله فرجه)
و في هذه الفقرة نتوقف بتفصيل جميل على اصطفاء و اختيار النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فهنا نقرأ عدة معان و حقائق منها :
١) إن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو خاتم الأنبياء و الرسل و نهاية الدعوة (ختامها مسك).
٢) إن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو سيد كل الخلق بمن فيهم الانبياء .
٣) إن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو افضل المقربين من الله (صفوة الصفوة) و افضل من وكله الله بمهمة الرسالة الخاتمة و التي لا يستطيع غيره حملها.
لذلك جعله الله سيد الانبياء و خاتمهم فقدمه عليهم و كانت حجته و رسالته و نبويته شاملة للجن و الانس سوية .
اي ان دينه دين كوني بكل ما في الكون و رسالته اليوم تحتضر لما دخل للدين من اهواء تتبع و زيغ القلوب و التحريف الا القليل ممن وفى لرعاية حقه بذريته.
و شاء الله ان ترجع رسالته سيدة الكون كما هو مقدر لها على يد مولانا صاحب الزمان (عجل الله فرجه).
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الخامسة
((وَكُلٌّ شَرَعْتَ لَهُ شَريعَةً، وَنَهَجْتَ لَهُ مِنْهاجاً، وَتَخَيَّرْتَ لَهُ اَوْصِياءَ، مُسْتَحْفِظاً بَعْدَ مُسْتَحْفِظ مِنْ مُدَّةٍ اِلى مُدَّةٍ))
١) تحدثنا هذه الفقرة المباركة من الدعاء عن أنّ هناك شرائع ومناهج جعلها الله سبحانه وتعالى للأنبياء (عليهم السلام) وأنّ هناك سنّة إلهيّة في كون هذه الشرائع بأجمعها تدفع الانسان وتجعله يرتقي من خلالها الى عبادة الله سبحانه وتعالى وتوحيده، وأنّ هذه السنّة الألهية في سوق العباد نحو المعبود لا انقطاع لها وانّها ظاهرة معيّنة وبارزة مبيّنة، لذلك يقف إلى جانب هذه السنّة سنّة أخرى وهي سنّة التخيّر والاستحفاظ فحيثما الشريعة والمنهج موجود فلابدّ للمستحفظ لها والوصي القائم بها من وجود وهذه هي الحقيقة فالنهج الواضح المستبين الذي يضيء لنا الطريق لابدّ أنْ يكون دائماً معيناً لا انقطاع له و هذا هو النهج الذي تخيّره لنا الله سبحانه وتعالى وجعله مستحفظاً بيد الأوصياء وعلى طول الزمان ومن مدة إلى مدة، فالاستحفاظ والذي يعني باللغة الحراسة والوكالة بالشيء والمواظبة والذبّ عنه إنّما هو سنة ينصّ عليها هذا الدعاء، لا تبديل عنها ولا تحويل.
٢) إنّ هذا المقطع بعد أن اثبت سننية الاستحفاظ وانه نهج إلهي متخيّر، يرشدنا أيضاً إلى أنّ هذه الحقيقة هي حقيقة قرآنية فالاشارات القرآنية إلى كون الشرائع لا تكون إلا بوجود هادٍ وقيّم واضحة بلا أدنى شك كما في قوله تعالى :
((إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ)).
سورة الرعد/الأية ٧
أما في البعد النبوي لهذه الحقيقة، فيحدثنا حديث الاستحفاظ الثقليني والذي يربط الدين بتلك الحقيقة (القرآن والعترة) حيث جاء في الحديث المشهور عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ((إني مخلف فيكم، ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي))
فنجد أيضاً الوضوح والصراحة في هذه الإشارات، فضلاً عن الإشارات او الصراحة في أحاديث نبوية أخرى، و فضلاً عن ان هذا المقطع يضع بأيدينا دليل حقانية ما يعتقده أهل البيت (عليهم السلام) من ضرورة ان يكون لكل نبي أوصياء حفظة، فإنّا وإنْ لم يضع الموروث التاريخي بأيدينا أسماءهم إلا أن هذا المقطع قد أرشدنا إلى حقيقة هذه القضية وانها أمر إلهي لا ينفك عن التشريع.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الواحدة_والثلاثون
((أَيْنَ مُبيدُ أَهْلِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيانِ وَالطُّغْيانِ))
يتسال الداعي في هذه الفقرة من الدعاء عن محل الرجل الإلهي صاحب الصفات الفائقة والمقامات الجليلة والمراتب العالية.
الرجل الذي سيقوم بإبادة وسحق وإفناء أهل الفسوق و يهلك الجماعة التي انفصلت عن الدين واختارت الأدنى وباعت الأعلى.
و الفاسق هو الشخص الذي يعرف الحق ويعرف فضله ثم يجانبه وينفصل عنه ميلاً إلى الباطل وحبّاً به ومنفعة منه، فهو يلهث وراء ما هو أدنى لأجل التمكّن من الدنيا ويترك ما هو أعلى وإنْ كان الآن لايرى ولكنّه متيقّن الحصول ولو آجلاً.
و انّ هذا الإنسان الفاسق إذا كان فردا إذا كان شخصاً فقد لا يكون شره و تأثيره كبيرا على المجتمع أمّا إذا أصبح أهل الفسوق جماعة وانس بعضهم ببعض وزيّن لهم الشيطان فجعل بعضهم يأهّل ويألّف ويزيّن للبعض الآخر فأصبحوا جماعة فإنّ شرهم سيكون عظيما ويصعب إصلاحهم وكلما تجذّر الفسوق فيهم واشربوه في قلوبهم وغاصت جذور انفصالهم عن الدين واجتمعت أهواؤهم على الابتعاد عن أحكامه، فإنّ إصلاحهم بعد ذلك يكون عزيزاً، ولابدّ من إبادتهم وسحقهم.
و هذا المقطع يتحدث عن أمثال هؤلاء فيقول إنّ الإمام المدّخر سيخرج في زمان يكون فيه الفسوق ومن يمارسه ليس أفراداً وإنما جماعات وشعوب وقبائل تجتمع كلها على الباطل وعلى متاركة الدين والانفصال عنه ويتراكم ذلك في قلوبهم ولابدّ لإصلاح الأرض وإحيائها من إزالتهم و إبادتهم.
إنّ الجماعة التي تتفق كلمتها على معاداة الدين والانفصال عنه وتركه وتتشبّث بكل صنوف الترويج للعصيان وتجاهر بالعناد ويكون شعارها الفسوق فتعثوا في الأرض إفساداً وعصياناً، ولا تقف عند هذا الحد بل تروّج له وتزيد على الحد وتفيض في ابتعادها وطغيانها وعصيانها، فتمنع المؤمنين عن ممارسة حقّهم، لا بل تمارس الباطل وتجهر به وتدافع عنه وتزيّنه للناس، وتصوّر الحق باطلاً وتمنع عنه وتعاقب عليه.
انّ المجتمع إذا صار على هذه الشاكلة وسار على هذا المنوال فانّه مجتمع لا ينفعه الإصلاح ولن يجدي معه النصح ولن يثمر فيه الوعظ فلابدّ والحال هذه من أنْ يخرج مبيد أهل الفسوق والعصيان والطغيان فيرث الأرض ويورّثها للصالحين بعد أنْ يهلك ويبيد ويستأصل منها الفاسقين والعاصين والطاغين.
وقد أشارت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذه الحالة:
فعن الامام زين العابدين (عليه السلام) يخبر عن شهيد كربلاء (عليه السلام) حيث يقول له:
((...يا ولدي يا علي والله لا يسكن دمي حتى يبعث الله المهدي فيقتل على دمي من المنافقين الكفرة الفسقة...)).
وعن الإمام العسكري (عليه السلام) يخاطب ولده الإمام المهدي (عليه السلام) قائلا له:
((...وأرجو يا بني أنْ تكون احد من أعدّه الله لنشر الحق ووطئ الباطل وإعلاء الدين وإطفاء الضلال... ويقصم الله بك الطغيان ويعيد معالم الإيمان...))
وعن الامام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى
((وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)
قال (عليه السلام) : ((هذه الآية مخصوصة بصاحب الأمر الذي يظهر في آخر الزمان ويبيد الجبابرة والفراعنة ويملك الأرض شرقا وغرباً فيملأها عدلا كما ملئت جوراً)).
فهذه الأحاديث الشريفة والنصوص المعصومة تتحدث عن يوم إبادة أهل الفسوق وإخماد صوتهم وتنكيس رايتهم وتبديد جماعتهم انّه اليوم الذي لا يرى فيه على الأرض للفاسقين علو الصوت ولا كثرة الجماعة ولا ارتفاع الراية.
انّه يوم الرحمة، انّه يوم العدل، انّه يوم الإنصاف والانتصاف، انّه يوم تحقّ فيه الحقوق، فتعدّل نفس الإنسان وتصبح سوية، فلا تميل إلى الباطل ولا تختار الفسوق ولا تحيد عن الاستقامة.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_التاسعة_والعشرون
((أَيْنَ قاصِمُ شَوْكَةِ المُعْتَدِين))
يستفهم الداعي في هذا المقطع من الدعاء عن محل الذات المهدوية التي تحمل الصفات الإلهية في إزالة شوكة المعتدين.
و يسعى الداعي من خلال ترنّمه بهذا المقطع أنْ يقع في قلبه معرفة محل الإمام المهدي (عجل الله فرجه) وأين هو ليرفع ما به وبالأمّة مما نزل بها من فتن و التي لا يزيلها إلا هو.
لأن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو مهلك المعتدين وقاتل الظالمين ومحطّم المنافقين ومبيد المشركين ومدمّر الكافرين وكاسر شوكة الباغين، والفاصل بين الحق والباطل عند ظهوره أمام الخلائق أجمعين.
لذلك نجد أن الداعي يرفع كفّه بالدعاء ليستسقي رحمة الإله في أنْ يظهر المغيّب لأنّ العدوان أصبح شوكةً وجيوشاً ومجاميع وكيانات، وصارت له دول ومنظمات فلا يزيله إلا قاصم الشوكة، إلا من بيده قدرة ((وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً)).
و أن الداعي يرفع كفيه ضارعاً ليناجي بهما ربه في صبيحة أشرف الأيام وسيدها بأنْ ينزل قطر ماء الحياة ليكسر قرون العتاة، فقد تمادوا وتكبروا وظهرت قوتهم وبانت شوكتهم وجار عدوانهم، فإذا ظهرت يا ابن الحسن كسرت قرونهم وأذللت جيوشهم وأنزلت بهم المصيبة المهولة والتفرّق المدمّر.
كما و أنّ هذا المقطع الشريف من هذا الدعاء يرغّبنا أنْ نلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى ملحّين عليه أنْ يدلّنا على كاسر قرون المعتدين ومبيد الطغاة الظالمين لنلتجئ إليه في محن دارت رحاها فاختلط حابلها بنابلها فعسر التمييز واشتدت الفتنة.
و كما ألمحنا هذا المقطع بأن لا يقتصر فيه طلب الدعاء من الله على إظهار الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بقوته وقدرته لكي يقضي على الجماعات المعتدية فقط وإنما يشمل أكثر من بعد، فهو دعاء لأنْ يقضي على شوكة الاعتداء التي تنمو في نفوسنا وتكوّن لها قوى تضعف من إرادتنا فتنخر في عزائمنا وتهبط معنوياتنا وتقلل من قدراتنا على السعي في الإصلاح.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_السابعة_والعشرون
((أَيْنَ الْمُرْتَجى لإِزالَةِ الْجَوْرِ وَالْعُدْوانِ أَيْنَ الْمُدَّخَرُ لِتَجْديدِ الْفَرآئِضِ وَالسُّنَنِ))
يحدثنا المقطع الأول (أَيْنَ الْمُرْتَجى لإِزالَةِ الْجَوْرِ وَالْعُدْوان) من هذه الفقرة من الدعاء المبارك عن الرجل الإلهي الذي ينتظره الناس لأنْ يزيل عنهم ما تراكم من جور السلاطين وظلم الظلمة والمعتدين.
فيما يحدثنا المقطع الذي يليه (أَيْنَ الْمُدَّخَرُ لِتَجْديدِ الْفَرآئِضِ وَالسُّنَنِ) عن نفس الرجل الإلهي الذي ادخرته السماء ليقوم بمهمة بث روح الحياة في فرائض الله وسنن أنبيائه.
فهذان المقطعان يتحدث احدهما عن مرتجى أهل الأرض ليسوي العدل ويقيم القسط و يتحدث المقطع الآخر عن مدّخر السماء الذي غيبته الإرادة الإلهية لزمان قررته هي ليقوم بمهمة بث الحياة في روح الدين.
وكأنّ هذين المقطعين يحكيان لنا حالة الانتظار عند الناس وحالة الادخار عند السماء، فكما أنّ الناس ينتظرون من يقيم لهم العدل فإنّ السماء تنتظر من الناس أنْ يتهيأوا لترسل لهم رجلها الذي ينفخ الحياة في ميّت الفرائض والسنن، فتقوم برفع الجور والظلم عن الصارخين لطلب النجدة بإظهار المغيّب.
فالمرتجى ليس شخصاً وهمياً ولا خرافة نسجها الأمل الفارغ ولا أطروحة علمية لجأت إليها الثقافة ولا إفراز واقع عَصَرَ الناس فأنتج الانتظار بل إنّما المرتجى مدلول يعبّر عن شخص موجود ومعروف بمشخصات كثيرة ينتظر الناس قدومه ليرفع عن كاهلهم أعباء ما راكمته السنين من جور وانتهاكات وتسلّط.
فيما يفيد ادخار هذا الرجل الإلهي، انّه اخفي وغيّب عن الناس لموانع تمنعه عن اداء مهمته في تطبيق فرائض الله وسنن أنبيائه فلم يكن من بد ولا من بديل في أنْ تلجأ السماء إلى وسيلة الإخفاء والادخار في زمن الشدة لتظهرها في زمن يكون المدّخر سبباً للرخاء.
وما أجمل أنْ يعبر الدعاء بـ(المرتجى) عندما يعكس لحن خطاب الناس وشوقهم للإمام المهدي (عجل الله فرجه) فيما يعكس لحن خطاب (المدّخر) وظيفة سماوية في إخفاء الإمام (عجل الله فرجه) وقد تحدثت جملة من الروايات الشريفة عن هذه الحالة:
فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:
((المهدي من ولدي تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم يأتي بذخيرة الأنبياء فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)).
وعن الإمام المهدي (عجل الله فرجه) أنه قال:
((اللهم احجبني عن عيون أعدائي... إلى أنْ تأذن لي في ظهوري وأحيي بي ما درس من فروضك وسننك))
فيما يحدثنا عن هذا مقطع آخر من دعاء زمن الغيبة حيث يقول:
((...وَأَصْلِحْ بِهِ مَا بُدِّل مِنْ حُكْمِكَ وَغُيِّرَ مِنْ سُنَّتِكَ حَتَّىٰ يَعُودَ دِينُكَ بِهِ وَعَلَىٰ يَدَيْهِ غَضّاً جَدِيداً صَحِيحاً لاَ عِوَجَ فِيهِ وَلاَ بِدْعَةَ مَعَه..ًُ)).
فهذه المقاطع النورانية تتحدث عن تلك الحقيقة الندبية التي ادخرتها السماء مخفيّة، لترتجى من قبل المؤمنين لإحياء فرائض الله وسننه وإزالة براثن الجور وظلمه.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الخامسة_والعشرون
((أَيْنَ المُعَدُّ لِقَطْعِ دابِرِ الظَّلَمَةِ))
لقد أعدَّ الله تعالى الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لمهمّة إقامة العدل ورفع الظلم في آخر الزمان، فهو المُعَدُّ من الله تعالى لصالح البشرية، والذي يتمكن من مواجهة الظالمين، مهما بلغت قوّتهم وقدرتهم.
فعن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) قال:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
((الأئمةُ من بعدي بعددِ نقباء بني إسرائيل، وكانوا اثني عشر. ثم وضع يده على صلب الحسين عليه السلام وقال: تسعةٌ من صلبه، والتاسعُ مهديُّهم، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظُلماً، فالويلُ لمبغضيهم))
كفاية الأثر، الخزاز القمي، ص47.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الثالثة_والعشرون
(( أَيْنَ الشُّمُوسُ الطَّالِعَة ُ))
إن تشبيه أهل البيت (عليهم السلام) بالشموس الطالعة يراد منه الإنارة الحقيقية لطريق الهدى.
فكما أن النور المحسوس يكون عامل إنارة للطريق لمن يسير في الظلام كذلك فأن أهل البيت (عليهم السلام) كالنور أو كالشمس في إنارة طريق الحق لمن يقتدي بهم ويسير على هداهم.
و قد بين الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ذلك بقوله:
((وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي كالانتفاع بالشمس اذا غيبها عن الابصار السحاب))
أما قول الإمام المهدي (عجل الله فرجه) بان الانتفاع بغيبته كالانتفاع بالشمس إذا جللها السحاب، فهو يكشف عن الغياب الحاضر، فالشمس حاضرة موجودة وراء الغيوم وان كانت غائبة عن الأنظار، ولم يمنعها هذا الغياب من إيصال نورها إلى الأرض والانتفاع به في سائر النهار.
وكذلك الإمام (عجل الله فرجه) له آثار وحضور وتأثير في عصر الغيبة وان لم تره عيوننا أو تراه ولا تعرفه بشخصه
#دعاء_الندبة
#الفقرة_العشرون
((وَلِمِثْلِهِمْ فَلْتَذْرِفِ الدُّمُوعُ وَلِيَصْرُخِ الصارِخُونَ وَيَضِجَّ الضَّاجُّونَ وَيَعِجَّ العاجُّونَ))
في هذه الفقرة يتحدث الدعاء عن بعض الممارسات العملية تأثراً بما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) من ظُلم وقتل وسبي وإقصاء.
فيبدا بذرف الدموع و (الذرف) كما جاء في كتب اللغة هو جريان الدمع وانصبابه و الدعاء هنا يقول للمؤمن الدّاعي إنّ على مثل أهل البيت (عليهم السلام) لتكن دموعك غزيرة وتصب صبّاً لانّهم ولما جرى عليهم أهل لأن تواسيهم بذلك.
ثم ينتقل الدّاعي إلى لون آخر من المواساة العملية وهو التألم والتفجّع الشديد والصراخ بصوت عالٍ على ما وقع عليهم، وهذا اللون من الممارسة يكون فيه المرء قريباً من فقدان الوعي، لما هو فيه من مصاب، والدعاء يحث المؤمن على أنْ تكون حالته العملية في المواساة هي هذه.
فيما ينتقل الدعاء إلى ممارسة أُخرى من هذه الممارسات المواساتية ليطلب من المؤمنين أنْ يصيحوا مستغيثين ضاجّين لفجيعة ما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) فلا يكتفون بالبكاء ولا الندب ولا ذرف الدموع ولا الصراخ، بل لابدّ لهم من الضجيج والعجيج وكأنّ الدعاء يريد أنْ يقول أبك بكاء غير عادي بذرف الدموع واصرخ وضجّ وعجّ بأعلى صوتك متفجّعاً لما مرّ على أهل البيت (عليهم السلام) لأنّ ما مرّ عليهم استثنائي، غير عاديّ فلابدّ أنْ تكون مواساتك غير عادية.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الثامنة_عشر
((اِذْ كانَتِ الاَْرْضُ للهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقينَ وَسُبْحانَ رَبِّنا اِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ))
يتحدث هذا المقطع بفقراته المتعددة عن حقيقة لابدّ أنْ نذكّر بها أنفسنا دائماً، فعندما نستعرض مسيرة الأئمة (عليهم السلام) وهم سادة البشر وكانت لهم قدرة على العيش الرغيد والحياة المرفّهة مقابل شيء بسيط وهو الاغماض عن جزء يسير من دورهم في حفظ الدين وهداية الناس ومسك البشرية عن الانحراف والأَخذ بيد المستضعفين إلى الاستقامة.
فإنّ ما استعرضناه من فقرات الدعاء المبارك يعكس لنا حقيقة ما تعرض له أهل البيت (عليهم السلام) من اشدّ انواع التنكيل والاقصاء والقتل وانتهاك الحرمات لا لعداء شخصي بين الساسة والحكام في زمانهم وبينهم (عليهم السلام) وإنّما هو صراع المبادئ فلم يكونوا ليدفعوا الأذى عن انفسهم ويجلبوا الراحة والرخاء لهم ولذويهم ويفسحوا المجال للحكام بترويج الباطل وتثبيت دعائم ملكهم على الضلال والانحراف.
إذن لابدّ أنْ نلتفت إلى قضية مهمّة جداً وينبغي أن لا تفارقنا في جميع خطوات حياتنا بل ينبغي أنْ يكون حضورها في اذهاننا آنياً وهي أنّ وجودنا مرهون بسلامة عقيدتنا واستقامة ديننا وكل ما عدا ذلك فإنّه سيزول ولنا في الائمة (عليهم السلام) وما جرى عليهم على لسان هذا الدعاء المبارك والأنبياء وماتحدّث القرآن عن قصصهم اسوة وقدوة في الحياة الدنيا.
فكون الارض لله يورثها من يشاء لم يمنع من أنْ يجري على أهل البيت (عليهم السلام) ما جرى وكونهم لهم القدرة الكاملة على سحق الظلمة وعلى العيش براحة لم يمنع أنْ يجري عليهم مما قرأناه ما جرى.
اذن لابدّ أنْ لا تقف طموحاتنا وأهدافنا عند تحقيق سبل العيش المناسب فإنّ هذه كلها وسائط فينبغي أنْ لا ننغمس في المقدّمات ونترك النتيجة التي إنّما جاءت المقدمات لأجلها، فالحياة مهما كانت لاتتجاوز الستين أو الثمانين، نصفها منغّصات فلم نبيع الأربعين بثمن بخس.
الدعاء المبارك يريد أنْ يؤكّد على حالة تربوية فضلاً عما يريد أنْ يؤكد عليه من بعد عقائدي أو ترجمة تاريخية لما وقع أو سيقع للأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) وهذا البُعد الاخلاقي التربوي يخاطب وجدان الإنسان ويهزّ اعماق ضميره، أنْ قف قليلاً وفكّر في مصيرك فإنك زائل، فما هو زاد سفرك، وهناك محطات كثيرة أمامك ستساءل فيها عن رفيق دربك، وعن ما جنيت واقترفت وضيعت او استثمرت او خسرت من رأس مالك وتجاراتك، فالزمن رأس مالنا، والعقيدة رأس مالنا، والاصلاح والصلاح والاستقامة رأس مالنا، ترى كم استثمرنا من رؤوس الأموال هذه؟ وكم جنينا من ارباح في دار التجارة.
فالله سبحانه وتعالى في هذا المقطع تحدّث عن أهل البيت (عليهم السلام) بأن وعده لن يخلف، وأنه مفعول لاشكّ ولا ريب لان الارض له ولانه وعد بأن ورثتها هم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عباده الصالحون وانّ هذه الارض ستسلم لوارثها الشرعي صاحب الأمر (عليه السلام) وانّ نصيباً من هذا الإرث سينال المتقين لانّ العاقبة لهم كما اكد الدعاء على ذلك و هنا يأتي دورنا في أنّنا كيف نكون من المتقين لتكون لنا العاقبة مع الوارثين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_السادسة_عشر
((وَالاُْمَّةُ مُصِرَّةٌ عَلى مَقْتِهِ مُجْتَمِعَةٌ عَلى قَطيعَةِ رَحِمِهِ وَاِقْصاءِ وُلْدِهِ))
تتحدث هذه الفقرة من دعاء الندبة عن حالة الاعوجاج الفكريّ والعمليّ التي اصيبت بها الأمّة بعد شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بانزوائها عن أهل البيت (عليهم السلام) وميلها بشكل كبير إلى أعدائهم.
وهذه الحالة لو كانت الأمّة قد وقفت عليها لكان الأمر هّيناً بعض الشيء، إلاّ أنّ نصوصاً كثيرة فضلاً عمّا يتحدث عنه هذا المقطع الندبي المبارك تعكس لنا حالة كست فيها الأمة بالقسوة والفضاضة والغلظة تجاه أهل البيت (عليهم السلام) إلى حد يصعب تصوّره في بعض الأحيان تجاه أمّة عاشت في كنف الرأفة والرحمة المحمدية لفترة زمنية طويلة.
و تصف لنا هذه الفقرة حالة الإصرار على مقت أهل البيت (عليهم السلام) و الاجتماع على قتلهم وتقطيع اوصالهم والتنكيل بهم واقصائهم وابعادهم واذلالهم والاستخفاف بهم.
و تصف لنا أيضا كل معنى من المعاني التي تعكسها الحالة الرذيلية التي اتّصف بها جمهور من المسلين بعد شهادة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى وصفهم الدعاء المبارك في هذه الفقرة بانّهم مجتمعون على ما يفعلون من قطع رحم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتصغير عظيم منزلتهم ومنازعتهم واستعدائهم.
ومن اشدّ ما يُعكس روائياً في تصوير هذه الحالة ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً:
((كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نمشي في بعض طرق المدينة فلما خلا الطريق من المارة اعتنقني ثم اجهش باكياً فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يبكيك قال صلى الله عليه وآله وسلم ضغائن في صدور اقوام لا يبدونها لك إلاّ من بعدي أحقاد بدرية وترات أُحد قلت في سلامة من ديني؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم في سلامة من دينك)).
شرح نهج البلاغة 3: 272.
وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:
((اللهم إنّي استعديك على قريش ومن أعانهم فإنّهم قطعوا رحمي وصغّروا عظيم منزلتي وأجمعوا على منازعتي أمر هو لي)).
شرح نهج البلاغة 9: 305.
فهذان الحديثان المؤلمان واللذان إنْ تدبّرنا بما وراء ظاهر الفاظهما لأنتقلت اذهاننا ورأت صوراً فظيعة ومشاهد مروّعة عمّا جرى على أهل البيت (عليهم السلام) و لا يمكن لذهن أنْ يتحمّلها تصوراً فكيف به تحملها واقعاً.
و في ختام الحديث عن هذه الفقرة من الدعاء لا نملك إلاّ أنْ نقول انّنا مما جرى عليكم متبرؤون ولما وقع من مسمي المسلمين متألمون وانّ كل نفس يخرج منا يحمل في طيّاته همّاً لما أصابكم و لعلناّ بذلك نكون قد واسيناكم ولو بعضاً من جليل ما رأيتم.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الرابعة_عشر
((فَاَضَبَّتْ عَلى عَداوَتِهِ وَاَكَبَّتْ عَلى مُنابَذَتِهِ))
إنّ من النعم التي من الله تعالى بها علينا هو هذا التراث الضخم لائمتنا (عليهم السلام) من ادعية وزيارات و تمتاز هذه الادعية والزيارات الواردة عن اهل البيت (عليهم السلام) بانّها فضلا عما تؤديه من ايجاد حالة الترابط الروحي بين العبد وربه واذابة تراكمات الذنوب والخطايا وتبييض صفحة الانسان العاصي وايجاد حالة الراحة النفسية لتجديد الانطلاق في مسيرة الوصول الى العبودية الحقّة.
فإنها تبني العقيدة بناء قوياً ورصيناً وتكشف في كثير من الاحيان حقائق التأريخ بعيداً عن امكانات تزويره وفي الفقرة التي نحن بصدد شرحها من الدعاء المبارك والتي تقول:
(فَاَضَبَّتْ عَلى عَداوَتِهِ وَاَكَبَّتْ عَلى مُنابَذَتِهِ)
إنّ هذه الفقرة التي كانت نتيجة طبيعية او شبهها ففي سياق هذا الدعاء والذي تحدثنا فيه عن:
إن تلك المنح الربانية والخصائص الالهية التي وسم بها أمير المؤمنين (عليه السلام) والائمة (عليهم السلام) من بعده فتلبسوا بها فكانت نتيجتها أنْ اوجدت احقادا في نفوس مسمّي المسلمين، فنتج عن تلك الاحقاد والضغائن أنْ لجأ المتلبسون بها والتصقوا بحالة العداء المتواصل لاهل البيت (عليهم السلام) رغم ادعاء الغالب منهم حبهم وموالاتهم لأهل البيت (عليهم السلام).
فعبارة (فَاَضَبَّتْ عَلى عَداوَتِهِ) التي يفسرها أهل اللغة بالالتصاق واللجوء أي أنّ الأمّة التي رأت تلك الفضائل للائمة (عليهم السلام) ولم تتحمل وجودها فيهم كانت وللاسف أنْ لجأت الى الحقد والعداوة والبغض لأهل البيت (عليهم السلام) والتصقت بهذه الحالة حتى اصبحت من ملازماتها.
والمقطع الثاني يوضح الحالة بشكل اكبر ويرسم لنا بوضوح اكثر ما عليه حال الامّة تجاه أهل البيت (عليهم السلام) حيث الانكباب على منابذة امير المؤمنين (عليه السلام) ومن ورائه الأئمة (عليهم السلام) وفقدان الأمّة توازنها وسقوطها وعثرتها في مفارقة شخوصهم (عليهم السلام) وتركهم وهجرهم.
فالمقطع الندبي يحدثنا عن حالة في قمة العداء والبغض كان قد وصل إليها هؤلاء إذ يصف الأمّة بأنّها فقدت توازنها بسبب هذا البغض إلا انّها مع الأسف غفت على ذلك ملتصقة به ولا نجد عبارة اوفق لحال الأمّة عما مرت به واستمرت وتستمر عليه تجاه اهل البيت (عليهم السلام) اوفق من كلام الامام الصادق (عليه السلام) واصفاً الحالة، حيث قال (عليه السلام):
((إنّ علي عليه السلام لم يكن يدين الله بدين إلاّ خالف عليه الأمّةُ إلى غيره، إرادة لإبطال أمره وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشيء الذي لا يعلمون فإذا افتاهم بشيء جعلوا له ضداً من عند أنفسهم ليلبسوا على الناس))
فالعمومية التي يتحدث بها الإمام الصادق (عليه السلام) عما كان يصدر من هؤلاء وتعمدهم المخالفة بل والوضع وتصدير الباطل و كل ذلك لأجل أنْ يخالفوا بل ويلبسوا على الناس دينهم حتّى وصل بهم الحال إلى السؤال، لا لأجل المتابعة وإنما لأجل وضع المخالفة، فأيّ قمة وصل إليها عداء هؤلاء لآل البيت عليهم السلام، حتى جاء الوصف بـ (اَكَبَّتْ عَلى مُنابَذَتِهِ).
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الثانية_عشر
((فَلَمَّا انْقَضَتْ أَيّامُهُ أَقامَ وَلِيَّهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طالِبٍ صَلَواتُكَ عَلَيْهِما وَآلِهِما هادِياً إِذْ كانَ هُوَ المُنْذِرَ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ، فَقالَ وَالمَلأُ أَمامَهُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيُّ مَوْلاهُ، اللّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعادِ مَنْ عاداهُ وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَقالَ: مَنْ كُنْتُ أَنا نَبِيَّهُ فَعَلِيٌّ أَمِيرُهُ، وَقَالَ: أَنَا وَعَلِيٌّ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ وَسائِرُ النَّاسِ مِنْ شَجَرٍ شَتّى. وَأَحَلَّهُ مَحلَّ هارُونَ مِنْ مُوسى فَقالَ لَهُ: أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هارُونَ مِنْ مُوسى إِلَّا أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَزَوَّجَهُ اِبْنَتَهُ سَيِّدَةَ نِساءِ العالَمِينَ، وَأحَلَّ لَهُ مِنْ مَسْجِدِهِ ما حَلَّ لَهُ، وَسَدَّ الأَبْوابَ إِلَّا بابَهُ ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِلْمَهُ وَحِكْمَتَهُ فَقالَ: أَنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِيٌّ بابُها فَمَنْ أَرادَ المَدِينَةَ وَالحِكْمَةَ فَلْيَأْتِها مِنْ بابِها))
هنالك مؤسسة عقائدية متكاملة في فرض ولاية امير المؤمنين (عليه السلام) نجدها في هذا المقطع من دعاء الندبة و الذي يحوي على احاديث صحيحة متفق عليها عند جمهور المسلمين و مع ذلك هناك من يعاند في قضية ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) و أحقيته بالخلافة !
لكن ما العمل و قد حق قول الحق :
((و اكثرهم للحق كارهون))
فوالله إن الحق لهو امير المؤمنين (عليه السلام) الذي قال فيه الرسول الاكرم (صلى الله عليه و اله) :
((علي مع الحق و الحق مع علي و لن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة))
#دعاء_الندبة
#الفقرة_العاشرة
((ووعَدْتُه أنْ تُظهِرَ دِينهُ على الدِّين كُلِّه ولو كَرِهَ المُشركون))
إنّ الله تعالى أرسَلَ نبيّه محمّد(ص) بدِين الإسلام ووعدهُ أنْ يُظهرَ دِينهُ على الدِين كلّه، وقد أوفى تعالى بوعده في شِقِّه الأوَّل بأنْ أظهر دِين محمّد(ص) وسَيَفي بوعده له بأنْ يُظهره على الدين كله، وانَّ الله تعالى لا يُخلِفُ الوعد والميعاد.
ولتحقيق الشِّق الثاني مِن "الوعد الإلٰهي" هيّأ تعالى وصيّاً مِن وِلْدِ مُحمّد(ص) ذي بأسٍ شديدٍ وقَلبٍ كزبر الحديد و ورِثَ عِلْمَ كلّ مَن سبقه مِن الأنبياء والأوصياء(ص) و اختزن تجاربهم و حمل بداخله آلامهم وأحلامهم وانتظر أمر الله تعالى ليأذن له بالخروج والمواجهة.
وبظهوره الشريف سَيظْهر دِينَ مُحمّدٍ(ص) على الدِين كلّه ولو كره المشركون ولو كره الكافرون وكيف لا وقد وَعَد تعالى للمستضعفين المؤمنين باستخلافهم في الأرض وبتمكين دينهم الذي ارتضاه لهم، وبإبدالهم من بعد خوفهم أمناً، ليعبدوه لا يُشركون به شيئاً.
اللهُم عجِّل فَرَجَه واجعلنا مِن أعوانه وأنصاره والدُّعاة إليه.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الثامنة
((وَعَـرَجْــتَ بِـــهِ إِلَى سَـمائِكَ))
هذا المقطع من دعاء الندبة يتحدث عن عروج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الى السماء فقال تعالى:
((سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ))
سورة الاسراء/ الأية (١)
إن حادثة الاسراء والمعراج تناولتها الاقلام وتناولها الخطباء الكرام والشعراء الأفاضل فقد وصل سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله و سلم) الى درجة لم يصلها أحداً قبله ولا يصلها أحداً بعده وحتى الملائكة المقربين ، فجاء ذكر هذه الدرجة و المنزله الرفيعة في القرآن الكريم فقال تعالى:
((ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى○وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى○ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى○ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى○فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى○)).
سورة النجم/الأية (٦-١٠)
و أن هذا الوصف لا ينطبق على عروج الروح فقط وإنما ينطبق على عروج الروح والجسد معاً ، لانها حالة اعجاز تضاف الى المجموعة الهائلة للمعجزات و الكرامات التي صدرت منه (صلى الله عليه وآله و سلم).
بينما لو كان العروج بالروح فقط لكان اقرب الى الرؤيا وبهذه الحالة ترفع من قائمة الإعجاز ، وطبيعة البشر انهم متساوين بالاحلام او الرؤيا اثناء النوم ، فتصبح هذه الرؤيا ليس لها وزن ، ولا ضرورة ان يذكرها الله سبحانه في كتابه العزيز.
فـعلى القرّاء أن ينتبهوا و يراعوا هذا الجانب من دعاء الندبه وان يقرأ هذا المقطع (وَعَـرَجْــتَ بِــهِ إِلَى سَـمائِكَ) و هنا تصبح معجزة وتستحق ان يذكرها الله تعالى في كتابه المجيد.
#دعاء_الندبة
#الفقرة_السادسة
((اِقامَةً لِدينِكَ وَحُجَّةً عَلى عِبادِكَ وَلِئَلّا يَزُولَ الْحَقُّ عَنْ مَقَرِّهِ وَيَغْلِبَ الْباطِلُ عَلى اَهْلِهِ وَلا يَقُولَ اَحَدٌ لَوْلا اَرْسَلْتَ اِلَيْنا رَسُولاً مُنْذِراً وَاَقَمْتَ لَنا عَلَماً هادِياً فَنَتَّبِـعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ اَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى))
تتحدث هذه الفقرة من الدعاء عن مفصل مهم من مفاصل الدين والشريعة، بل عن قضية أساسيّة في الوجود الإنساني على هذه الأرض وهو بقاء الحق واستمراريته ودوامه وأنْ يكون السائرون على درب الحق ملتفتين إلى ذلك وإلى أنّ هناك اعلاماً للهداية يستنار بهم في سلوك درب الحق.
وفي مقابل ذلك وعلى نهج السنن الكونية الإلهيّة شق الطريق الآخر وهو طريق الباطل وكذلك له اعلام ضلال تزول بالناس عن طريق الحق فتسلك بهم دروب الباطل والضلال والانحراف.
والذي يؤمّن للإنسان حالة الاستقرار في السير الحقّي [في طريق الحق] وعدم زواله إلى السير في طريق الباطل هو ذلك الشاخص الذي يتحدّث عنه هذا المقطع وهو الرسول الذي يقوم بوظيفة بيان الحق أوّلا وبيان طريق الباطل ثانياً ويضع لطريق الحق موازين اذا تمسك بها سائروا درب الحق لن يزولوا عنه بينما اذا تخلّوا عن ذلك ولم يتمسّكوا بها فإنّهم سيزولون عن الطريق الحقّي ويتجهون إلى طريق الضلال وينتهي بهم الحال الى السقوط في ظلمات الانحراف وتيه العقيدة.
وقد أولت الشريعة المقدسة أهميّة قصوى لإقامة الدين وجعل الحجّة، ولا نبالغ إذا قلنا بتواتر روايات إقامة الحجة في الأخبار والزيارات وغيرها من الموروثات الإسلامية وقد افردت لهذا الموضوع تصنيفات كثيرة واشبع البحث فيه وتم تناوله من جهات متعددة.
ومن أبرز ما ورد في الروايات أنّ الوجود قائم على وجود الحجة ولولا الحجّة ووجوده لساخت الأرض بأهلها ولما كان للدين بل وللدنيا استقامة وقيام وسير.
وقد سلط الشيخ الكليني الضوء في كتابه (الكافي) على أهميّة الحجّة وضرورة وجود الإمام الحجّة (عجل الله فرجه) ومما ذكره من تلك الأبواب:
١-أنّ الأئمة كلهم قائمون بأمر الله وأنّ الأرض لا تخلو من حجة ولو لم يبق في الأرض إلاّ رجلان لكان احدهما الحجّة.
٢-إنّ الأئمة هم أركان الأرض والشهداء على الخلق وأنّهم الهداة وولاة الامر وخلفاء الله تعالى ومما جاء من تلك الأحاديث:
عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال:
((انّا لما اثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق ... ثبت أنّه له سفراء في خلقه ... يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ... ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين لكي لا تخلو ارض الله من حجّة)).
وعنه عليه السلام أيضاً أنّه قال: (الحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق).
و كذلك عنه (عليه السلام) قال:
((إنّ الأرض لا تخلو إلاّ وفيها إمام كيما إنْ زاد المؤمنون شيئاً ردّهم وإنْ نقّصوا أتمّه لهم)).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال:
((والله ما ترك الله أرضاً منذ قبض آدم عليه السلام إلاّ وفيها إمام يهتدى به إلى الله وهو حجّته على عباده ولا تبقى أرض بغير إمام حجة لله على عباده))
#دعاء_الندبة
#الفقرة_الرابعة
((وَجَعَلْتَهُمُ الذَّريعَةَ اِلَيْكَ وَالْوَسيلَةَ اِلى رِضْوانِكَ))
أما في اللغة فان الذريعة تأتي بعدة معان فقد تأتي بمعنى الوسيلة، وبمعنى العذر، وبمعنى الحجة، وبمعنى ما يستتر به، وبمعنى السبب إلى الشيء.
و أما في المعنى فأنّ هذا المقطع يحمل في طياته أبحاثاً كثيرة كبحث الوسيلة الى الله وبحث الشفاعة ومراتب القرب وبحث العصمة وغيرها من الابحاث التي يمكن أن يستفيد منها المتأمل في الدعاء ويسلط عليها الضوء ويبين أنّ هذه اثار لتلك المشارطة الكبرى (بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية).
بعد أن وقفنا على المعنى للذريعة والوسيلة فإذا رجعنا إلى أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وادعيتهم نجدهم يستخدمون الذريعة و الوسيلة تارة للخطاب مع الذات الألهية وتارة للخطاب مع شؤون الذات الألهية وصفاتها.
و نجد ذلك في دعاء الإمام علي السجاد (عليه السلام) في يوم عرفة:
((أَللّهُمَّ إِنَّك أَيَّدْتَ دينَك في كُلِّ أَوان بِإِمام أَقَمْتَهُ عَلَماً لِعِبادِك، وَمَناراً في بِلادِك، بَعْدَ أَنْ وَصَلْتَ حَبْلَهُ بِحَبْلِك، وَجَعَلْتَهُ الذَّريعَةَ إِلى رِضْوانِك، وَافْتَرَضْتَ طاعَتَهُ، وَحَذَّرْتَ مَعْصِيَتَهُ، وَأَمَرْتَ بِامْتِثالِ أَمِرِهِ، و َالاِنْتِهاءِ عِنْدَ نَهْيِهِ، وَأَن لا يَتَقَدَّمَهُ مُتَقَدِّمٌ، وَلا يَتَأَخَّرَ عَنْهُمُتَأَخِّرٌ، فَهُوَ عِصْمَةُ اللاّئِذينَ، وَكَهْفُ الْمُؤْمِنينَ، وَعُرْوَةُ الْمُتَمَسِّكينَ)).
فالإمام السجاد (عليه السلام) يبين لنا في دعاءه في يوم عرفة حيثية كون أهل البيت (عليهم السلام) هم الذريعة والوسيلة ومفاتيح الأبواب وهم الامناء وهم (من أراد الله بدأ بكم ومن وحده قبل عنكم) لان حبلهم قد أوصل بحبل الله ولان ما ترتب على تلك المشارطة التي قلنا انها مطلقة حيث كان زهدهم بالدنيا مطلقا فكانت الاثار التي جللهم الله سبحانه وتعالى بها مطلقة،
و في ختام هذا المقطع من الدعاء نجد أن لأهل البيت (عليهم السلام) مقامين :
١) مقام يستجلب من خلاله العبد كل شيء بمقتضى ذريعتهم الى الله سبحانه وتعالى.
٢) مقام اخر يستجلب من خلاله العبد رضوان الله وهو مقام وسيلتهم الى رضوان الله سبحانه و تعالى.