81
كَنارٌ لَم يكُون قُربها أحداً أوجُ و أخمِدُ وحديٰ.
كُنا نكذّب صادقينَ
بأنّنا لن نفترِق
ونصيحُ مَجنونينَ
يا دُنيا اسمَعي
لَن نفتَرِق !،
كنّا نرى أنّ الخُلودَ
لمِثلِ هَذا العِشقِ
حقٌّ !
فانظُر إلى أينَ انتَهى
صَرحُ تعلّقنا بهِ
لكنّهُ قَد كانَ
صرحًا من ورَق
نحنُ احترَقنا فُرقَةً
وهوَ احترَق
ها نَحنُ كالغُرباءِ
نقتَسِمُ المَنافي والأرَق
لَم نفتَرِق فِعلًا
ولَكن
كُلُّ ما فينا افترَق !
هناك أنتِ، تقفين بعيدةً عني،
ببُعدِ السماءِ عن الأرض.
كانت الرؤية ضبابيةً للجميع، إلا لي؛
ليس لأن بصيرتي أثقب من غيري، بل لأنني أحب. أنتِ تقفين دون حراك،
بينما كان ارتجافي يهزّ روحي.
لا ترتجفين، بينما كانت عظامي تصطكّ ببعضها. عيناكِ لا تحملان دمعةً،
بينما كادت عيناي تذوبان مع دموعهما.
أنتِ هادئة، وناري وحدها كانت تأكلني.
أرضكِ ساكنة، بينما كان الارتطام يهزّ أرضي، ولم تشعري بشيء.
أقترب خطوةً، فيرفضني عالمك، كما رفضتِني أنتِ.
أدرك أنكِ تحبين الورد، والألوان الداكنة، والهدوء، والأماكن الخالية، والحدائق. تحبين كلَّ شيء... إلا أنا.
لذلك، لم يعد عليَّ إلا أن أختفي؛ فوجودي بقربكِ لا يعني شيئًا، كصراخٍ لا يوقظ ميتًا، ولا يغيّر قدرًا.
أتيتُكَ شاكيًا من مُرِّ الزمان وجُرحِه،
فإذا بك تصير الجرح الذي لم يكن في الحسبان.
الليالي السوداء ابتدأت، وابتدأت بالويل والألم،
بالنزف والسهم، بالكف والعلم.
ابتدأت بالعباس ابن الشهم،
ساقي اليتامى والخيم،
كافل زينب والحرم
وسند الحسين، أخيه وعضيده.
دخل سور العدى،
ورفرفت أعلام الهدى،
فما عاد يرى على حصانه إلا أخاه والعطاشى،
يسمع أصوات النداء باسمه.
هو العباس، كافل زينب أخته،
وستر خيام واسد المشرعة.
ما استطاعوا عليه،
فهو شهم ابن علي، أمين الودائع
فهاموا بقطع الكفوف، لعلهم بفعلتهم يخففون من عزمه ويردعونه.
لكنهم ما علموا أنه هو من أعطى الكفوف للأرض،
ألا تميل بزينب فتسند.
فهاموا بالسهام على الصدر الشريف،
وقرّبت الماء، لعلهم يضعفون من قوته،
لكنه العباس،
هو العباس، سبع الفرات،
حامي عمود الخيام، وظهر الحسين،
وحامي أخته، وساقي عطاشى كربلاء.
هرعت زينب إلى خارج الخيام،
فشعور أن سبيها قد اقترب،
وأن الحامي قد قُتل،
اقتحم كل الوجود.
سمعت بأن العلم يميل ويختفي
فأصبحت الاقدام لا تحمل رعشتها
ماعادت تريد سوى عودته، فالعطش يُحتمل
ضُرب رأسه، وقُتل العباس، فبان الانكسار في وجه الحسين،
فما عاد هناك من يسقي،
ولا من يدافع عن أخيه،
ولا من يُماشي خطى زينب.
فَفُجعت معاني الأخوة من بعدهم
فعرفوا بأن السبي الى العدى حان
وأن حرق الخيام لا محالة منه،
وأن زينبنا ستُسبى.
فضجّت الدنيا،
وصار الهواء يراطم بعضه،
وتفطرت القلوب.
حَمي ظعين الحسين أنقتل ،
فيا أرض، فوري لكفَّي الدماء،
ويا سماء، ثوري،
فإن الحسين أصبح وحيدًا في الثرى.
قتلوا الناصر ،
والحامي،
والمدافع،
والحارس.
قتلوا الحسين حيًّا بقتل عباسه.
وعلمت زينب أن هذه الأرض سلبت إخوتها،
ومن هذه الأرض ستخرج سبيّة.
فيا أرض، وجّي،
فعليك رأس الحسين سيُصبغ،
وكفوف العباس قد أصبحت أثرًا.
ومنها ما عاد لنا ناصر،
عباسنا قُتلوا،
وللسماء رأسه رفعوا.
فعارًا عليك يا سماء ما فزعتِ،
وعارًا عليك يا أرض ما انشققتِ،
وعارًا علينا ما كنّا معكم.
فليتنا كنّا معكم.
هل يمكنني أن أُرخي ثقل رأسي على كتفك؟
كلُّ المساند رخَت، والحائط خوى، والوسادة صرخت، والسرير تهدَّم، وقدماي أهلكهما المسير. لم يبقَ لي سوى كتفك، فهل يمكن؟
لقد أتاني الرفض من كل الجهات، لكنه كان خفيفًا إلا رفضه. شعرتُ وكأن جبالًا انهارت، وبيوتًا دُمِّرت، وعشاءَ يتيمٍ سُلِب منه ليُعطى لأغنى الأغنياء.
شعرتُ بثقل الأرض في رأسي وفيَّ. أدركتُ هناك أن الثِّقل شيءٌ يُقال، أما ما أتاني منه فكان ملموسًا، محسوسًا، يكسر.
أغلقتُ بابي غير راغبٍ بشيءٍ من الدنيا. كفاني مُرّي وقهري. أخذتُ أبحث هنا وهناك، لعلّي أجد ما يخفف عني لوعتي، لكن غرفتي كانت مثلي؛ تعاني الهلاك والسواد، تعاني القهر والظلم. وكيف لا؟ فساكنها أنا، وحالها ليس بأفضل مني.
لم أجد شيئًا.
فخارت يداي، وانقطع خيط الأمل. كان هناك خيطٌ أتعلّق به فانقطع، وكان هناك طريقٌ أخضر فأظلم، وكان هناك مصدر نورٍ فانطفأ.
فطحتُ على فراشي.
خذني واحتضنّي، أو كُلني، افعل ما تشاء، فقط خذني مني ومن جحيمي.
لقد ضاقت الدنيا، وصغرت مساحتي فيها، وأصبح هوائي محدودًا، لذلك صار اختناقي وشيكًا، وفوحان روحي قريبًا .
I pretend not to care, yet my heart notices everything
Even though I have no right to feel this way.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾
Читать полностью…
ركنوني على رفوفِ دهرٍ مضى
كأنني لا حاجةً ولا نفعا
رموني في بحرٍ جارٍ
لا غصنٌ ولا حجرُ
زرعوا بقلبي سكينًا
للعصورِ دائمَ الثمرِ
ليتني كنتُ مُنقذًا لنفسي
وأنتِ يا أنيسةَ دهري، ليتكِ مُنقذي .
أصعب ما يُصيب الإنسان هو العودة
لنقطةً قاتل نفسهُ للخروج منها .
أشعر بأني لا أشعر بشيء، بأني عدم.
أشعر بأن الطرق نفرتني،
فلا أمشي فيها،
وإن مشيتُ
ضللتُ طريق عودتي،
كمن أُغلق الباب خلفه.
أما الليل،
فإن جالسته قتلني؛
بالذكريات، بالأصوات،
وبالظلام.
لا أفهم ما يحدث،
كأنني غير مرئي،
كأن البيت استثقلني،
كأي فردٍ زاد العائلة ثقلًا.
أمشي قرب الحائط،
كأنني أريد الدخول فيه.
لا أحد ينظر إليّ؛
كخيال،
كضباب،
أردتُ الطيران،
لكن السماء أيضًا رمتني،
وكلما حاولتُ الطيران بأحلامي
قصّت جناحي، ومزقت آمالي.
إذًا، هل يفي البحر بالغرض؟
ربما يضمني الماء،
يحتويني،
ويظن أنني شيء يشبهه؛
هادئًا، خفيف الظل،
لا أؤذي إن بقيتُ صامتًا.
فارغٌ من الخارج،
لكنني أحمل الكثير من الألم.
لا أنطق،
لكن إن انفجرتُ
فلن ينجو أحد.
لا أتحرك،
لكن إن زلتُ عن أرضي
سأكون تسونامي.
إذًا،
فلنذهب إلى الماء.
ربما أجدكِ تسكنين القاع،
فأوهم نفسي
بأنكِ تنتظرين عودتي.
ربما يكون لنا منزل هناك،
وربما أخيرًا
تشفين جراحي على يديكِ.
لا...
يداكِ هي الجراح.
ربما تكونين داءً
لا دواء،
وملحًا مريرًا
على كل ندبة.
وربما أستلقي أخيرًا،
فتطوف روحي فوق جسدي،
وأرتاح
من ثقل الـ«ربما».
الانهيارُ حدّي، ووحدتي. فإن أمسكتني، لستَ منقذي، بل مهلكي .
Читать полностью…
أنا نَزفتُ بِما فِيه الكِفايةِ لأكونَ ناشفاً باردْ .
Читать полностью…
انتهت ليلتي بالبكاء،
بكاءٍ طويلٍ أسقط رموشي،
وحارقٍ ألهب وجنتيَّ.
نظرتُ إليها،
فلم أستطع النطق بما في داخلي،
ولا بما يحرقني منذ زمن.
كانت في موضع المظلوم، لا الظالم،
وكنتُ أنا الظالمَ،
أسودَ القلبِ من فرط ما أحمل.
انتهت ليلتي،
وقد ظننتها آخرتي،
لكن الصبحَ حكم أن يظهر لي من جديد.
لا بأس،
لعلَّ في ذلك حكمةً خفيّة،
أو لعلَّ القدرَ وجد في بقائي عذابًا يتكرر كل يوم.
لكن صباحي كان أسودَ كليلي،
فَلِمَ ظهر إذًا؟
ليت شمسي تشرق،
وليلي يفنى،
وليت ألمي ينجلي،
وحرقتي تهدأ.
ليتني أحيا،
لا هنا،
ولا هناك،
بل فيَّ.
ليتَ حزني ينجلي،
وليتَ تعبي يختفي،
وليتَ حبَّك ينطفئ،
وليتَ روحي تكتفي.
وليتني أعبركِ كما أعبر ضفةَ نهرٍ،
فلا ألتفتُ وراءي، ولا يحملني إليكِ حنين.
وليتنا لم نلتقِ،
وليتَ للألمِ أجلًا فيزول،
وليتَ الأمنياتِ تُدركُ ما نرجوه منها.
ولكن، حُكمَ على كلِّ أمنيةٍ تحملُ نسيانكِ بالفناء،
غابت شمسي، وطال ليلي،
وأنا في حزني أتلوّى،
كما يتلوّى طيرٌ كُسر جناحُه،
وحُكم عليه أن يبقى حيًّا ليرى عجزه كلَّ يوم.
ليتني أستطيع أن أحكي،
وأن أفيض بما في صدري،
كبركانٍ صبرت ناره آلافَ السنين،
ثم ضاق بها صدرُ الأرض فانفجر.
وليتني أبكي،
آهٍ، ليت الدموع تشفي،
وتغسل عن القلب مرضَ السنين،
ووجعَ الحبِّ الذي ظننته أبديًّا.
وليتكِ عدتِ،
وليتنا نجلس على حافةِ جسرٍ للمرة الأخيرة،
فأجعل نظرتي الأخيرة من نصيبكِ وحدكِ،
وأهبكِ آخر ما بقي في قلبي من كلام.
ثم أمضي،
لا شفاءَ لي منكِ ولا خلاص،
إلا أن يمضي العمرُ بما حمل،
أو أن يعود الزمنُ إلى ذلك اليوم،
فأختار ألّا أحبكِ من البداية .
لقَد هدأ كُلِّ شيء
عَدا شُعوري بالفقد
إنني أفتقدهُ مِرارًا،
وهذا الألم يعيشُ بِداخلي
ولا يُمكنني إخمادُه.
وكأنَّهُ أمسى غريبًا بعدَما
كانَ القريبَ وروحَ قلبي كلَّما
ناديتُهُ يومًا أتى مُبتسمًا
واليومَ خلَّفَ في فؤادي مأتمَا .
من المأساة حقًا
أن ينتهي فصل الشتاء،
ويعودَ الصيف بكلّ وقاحة،
أن ينتهي الغيم، والمطر،
ويجفّ ذلك الشعور الدافئ
وبرودة النوافذ،
ورائحة الأرض بعد المطر..
فيا لها من مشقّة! أن تعود الشمس
بهذا التفاخر المزعج،
والضوء الطويل،
والنّهار الطويل، وانتظار الليل بفارغ الصّبر
أن تمتلئ الطرقات بالضجيج،
ويصبح الهواء خانقًا،
بعد تلك الأيام الهادئة
التي كان فيها الشتاء
أشبه بالوشاح، شديد الألفة
أمّا الآن،
فحتى الليل يبدو متأخرًا،
بعيدًا، بطيئًا،
كأنّ الصيف يتعمّد
أن يطيل التعب.
بعد منتصف الليل،
حين يهدأ كل شيء وتخمد الأصوات،
تبدأ الفوضى الحقيقية في رأسي.
تتراطمُ سُفن بحاري،
وينتثرُ الزجاج على أرضي،
وأمشي مجروحَ الأقدام.
لا صوتٌ يصمت،
ولا لساني ينطق،
وجهي ثابت، وجسدي ساكن،
لكنني أنهار من الداخل.
الكلمات التي لا تُقال تحرقني،
وغصّاتي خناجر حادّة،
ودموعي تأبى النزول.
بكيتُ،
دون دموعَ،
دون شهقاتَ،
دون صوتْ.
الظلام وحدهُ استقبلني،
وسجائري أطلقت تنهيداتٌ
عالقة بين صدري وعنقي.
لا يهم إن فُهِمت،
المهم أنني مُرهق،
وأنني أعاني،
وأنني أرغب بالخلاص ولا أستطيع.
قيدني كل شيء،
حتى صرت جسداً مُحنط ،
يرغبُ بالسقوط ولا يستطيع،
يرغبُ بالنوم ويقاوم .