7620
قناة سيدتي كل ما يهم المرأة كل مايهم المرأة العصرية والفتاة العربية . @Sayidati
هل الأسرى في خطر بالفعل؟
ساعدوا في النشر يا كرام:
https://youtu.be/SZ_BL54MPWQ?si=b0e9WD5vClE8ms4R
قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: ((يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ)).
(رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((الكُفْرُ هَاهُنَا هُوَ كُفْرُ الإِحْسَانِ، وَكُفْرُ نِعْمَةِ العَشِيرِ، وَهُوَ الزَّوْجُ، وَتَسَخُّطُ حَالِهِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِشُكْرِ النِّعَمِ، وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ، وَشُكْرُ نِعْمَةِ الزَّوْجِ هُوَ مِنْ بَابِ شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ فَضَّلَ بِهَا العَشِيرُ أَهْلَهُ، فَهِيَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ أَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ)).
(شرح صحيح البخاري 1/ 88)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا يَنْظُرُ اللَّهُ تبارك وتعالى إِلَى امْرَأَةٍ لا تَشْكَرُ لِزَوْجِهَا وَهِيَ لا تَسْتَغْنِي عَنْهُ)). (رواه البزار)
وَهَذِهِ الخَصْلَةُ فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ يَكْرَهُهَا الرَّجُلُ جِدًّا، وَقَدْ تَتَغَيَّرُ مَحَبَّةُ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ بِسَبَبِ عَدَمِ شُكْرِهَا لَهُ، أَوْ تَبَرُّمِهَا مِنْ وَضْعِهِ المَعِيشِيِّ.
فَهَلْ كَانَتْ أُمُّ زَرْعٍ قَلِيلَةَ الشُّكْرِ لِزَوْجِهَا؟
بِالنَّظَرِ إِلَى مَا قَالَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ عَنْ زَوْجِهَا الثَّانِي، يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَشِفَّ مِنْهُ هَلْ هِيَ شَاكِرَةٌ لِزَوْجِهَا أَمْ لَا.
قَالَتْ أُمُّ زَرْعٍ:
فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا، وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ، قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا هَذَا: كَثْرَةَ مَا أَعْطَاهَا مِنْ جَمِيعِ مَا يَرُوحُ إِلَى مَنْزِلِهَا، مِنْ إِبِلٍ، وَبَقَرٍ، وَغَنَمٍ، وَعَبِيدٍ، وَدَوَابٍّ، وَأَنَّهُ أَعْطَاهَا أَصْنَافًا مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الفَرْدِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى ثَنَّاهُ وَضَعَّفَهُ؛ إِحْسَانًا إِلَيْهَا، وَتَكَرُّمًا عَلَيْهَا، وَأَنَّهُ صَاحِبُ صَيْدٍ وَقَنْصٍ، يَرُوحُ بِهَا مَثْنَى مَثْنَى، وَيُضِيفُهَا إِلَى مَا اكْتَسَبَ وَاقْتَنَى)). (بغية الرائد ص299)
ثمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَصَفَتْ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَزَوَّجَتْهُ بِالسُّؤْدُدِ فِي ذَاتِهِ، وَالسَّعَةِ فِي ذَاتِ يَدِهِ، وَأَنَّهُ صَاحِبُ حَرْبٍ وَرُكُوبٍ، وَبِالإِحْسَانِ إِلَيْهَا، وَالتَّفَضُّلِ عَلَى أَهْلِهَا.
ثُمَّ أَخْبَرَتْ أَنَّهُ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَقَعْ عِنْدَهَا مَوْقِعَ أَبِي زَرْعٍ، وَأَنَّ كَثِيرَهُ دُونَ قَلِيلِ أَبِي زَرْعٍ، فَكَيْفَ بِكَثِيرِهِ؟
وَأَنَّ حَالَ هَذَا الآخَرِ عِنْدَهَا مَعِيبٌ إِذَا أَضَافَتْهُ إِلَى حَالِ أَبِي زَرْعٍ، مَعَ إِسَاءَةِ أَبِي زَرْعٍ لَهَا أَخِيرًا فِي تَطْلِيقِهِ إِيَّاهَا، وَالِاسْتِبْدَالِ بِهَا، وَلَكِنْ حُبُّهَا لَهُ بَغَّضَ إِلَيْهَا النَّاسَ بَعْدَهُ)). (بغية الرائد ص294)
وحُبُّ المَرْأَةِ لِزَوْجِهَا لَا يَعْنِي أَنَّهَا شَاكِرَةٌ لَهُ، فَتَعَلُّقُ المَرْأَةِ بِالرَّجُلِ لَهُ أَسْبَابٌ كَثِيرَةٌ، وَمَعَ تَعَلُّقِهَا بِهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ حَسَنَةَ الخُلُقِ مَعَهُ، وَخَاصَّةً فِي مَسْأَلَةِ جُحُودِ الإِحْسَانِ.
وَالأَخْلَاقُ الحَسَنَةُ فِي الإِنْسَانِ تَظْهَرُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الجَمِيعِ، كَمَا أَنَّ الأَخْلَاقَ السَّيِّئَةَ تَظْهَرُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الجَمِيعِ.
فَأُمُّ زَرْعٍ لَمْ تَشْكُرْ لِزَوْجِهَا الثَّانِي مَعَ مَا قَدَّمَ لَهَا مِنْ خَيْرَاتٍ، بَلِ اسْتَصْغَرَتْهُ، فَهَلْ نَتَصَوَّرُ أَنَّهَا كَانَتْ شَكُورَةً لِزَوْجِهَا الأَوَّلِ؟!
وَالنِّعَمُ لَا تَدُومُ إِلَّا مَعَ الشُّكْرِ، فَلَمْ تَشْكُرْ نِعْمَةَ الزَّوْجِ الأَوَّلِ فَزَالَتْ عَنْهَا، وَلَوْ شَكَرَتْ لَدَامَتْ لَهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾
[إبراهيم: 7]
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾
[النساء: 147]
وَالرَّجُلُ العَاقِلُ، إِذَا كَانَ بِمِثْلِ صِفَاتِ أَبِي زَرْعٍ، لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ التَّلَاعُبُ بِالطَّلَاقِ، وَخَاصَّةً مَعَ امْرَأَةٍ عَاشَ مَعَهَا وَأَنْجَبَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ عُثَيْمِين رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَلَوْ ثَارَتِ الأُولَى عَلَيْهِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا؛ لِأَنَّ الأَصْلَ أَنَّ الزَّوْجَةَ الأُولَى لَا تَمْلِكُ مَنْعَهُ التَّزَوُّجَ، فَلَا تُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا حَقَّ لَهَا – أَيْضًا – أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ إِنْ لَمْ يُطَلِّقِ الزَّوْجَةَ الجَدِيدَةَ)).
(الشرح الممتع 13/ 128)
وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ الرَّاجِحِيُّ: ((وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ المَرْأَةِ أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ مِنْ زَوْجِهَا إِذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا)). (توفيق الرب المنعم 7/ 117)
وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ عَدَمُ تَقَبُّلِ الزَّوْجِ وَوَصْفُهُ بِالخِيَانَةِ، فَهَذَا وَصْفٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَالرَّجُلُ لَمْ يَرْتَكِبْ حَرَامًا حَتَّى يُقَالَ خَانَ الأَمَانَةَ، وَإِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ العِبَارَاتِ أَخَذْنَاهَا مِنَ الغَرْبِ العِلْمَانِيِّ، وَرَوَّجْنَاهَا فِي الأَفْلَامِ وَالمُسَلْسَلَاتِ حَتَّى تَشَرَّبَتْهَا بَعْضُ القُلُوبِ المَرِيضَةِ.
فَمَا رَدَّةُ الفِعْلِ الَّتِي نَتَوَقَّعُهَا مِنْ أُمِّ زَرْعٍ، وَأَدَّتْ إِلَى طَلَاقِهَا؟
أَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ لِرَدَّةِ الفِعْلِ فَلَا نَتَوَقَّعُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا طَلَاقٌ.
تَبْقَى الصُّورَةُ الأُولَى لِرَدَّةِ الفِعْلِ، فَهَلْ طَلَبَتْ أُمُّ زَرْعٍ مِنْ أَبِي زَرْعٍ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَطَلَّقَهَا بَعْدَ إِلْحَاحِهَا عَلَيْهِ؟
جَاءَ فِي مُعْجَمِ شُيُوخِ ابْنِ العَرَابِيِّ، وَمُعْجَمِ شُيُوخِ ابْنِ عَسَاكِرَ، رِوَايَةٌ لِلْحَدِيثِ مُخْتَصَرَةٌ فِيهَا سَبَبُ طَلَاقِهَا:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((أمَا تَرْضَينَ أنْ أكُونَ لَك كَأبي زَرْعِ لأمِّ زَرْعٍ؟)). قَالَتْ: وَكَانَ رَجُلًا يُكْنَى أبَا زَرْعٍ وامْرأتُهُ أمُّ زَرْعٍ فَكَانَ يُحْسِنْ إليْهَا فَتَقُولُ: أَحْسَنَ إِلَيَّ أَبُو زَرْعٍ، وَكَسَانِي أَبُو زَرْعٍ، وَأَطْعَمَنِي أَبُو زَرْعٍ، وَأَكْرَمَنِي أَبُو زَرْعٍ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الكَلَامِ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ أُمُّ زَرْعٍ حَتَّى طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَتْ أُمُّ زَرْعٍ رَجُلًا فَأَكْرَمَهَا أَيْضًا، فَكَانَتْ تَقُولُ: أَكْرَمَنِي وَأَعْطَانِي، وَنَحْوَ مِنْ هَذَا الكَلَامِ، وَتَقُولُ فِي آخِرِ ذَلِكَ: وَلَوْ جُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَا مَلَأَ أَصْغَرَ وِعَاءٍ لِأَبِي زَرْعٍ.
فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا ضَعْفٌ فِي إِسْنَادِهَا، إِلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَأْنَسَ بِهَا فِي مَعْرِفَةِ سَبَبِ طَلَاقِ أَبِي زَرْعٍ لَهَا، وَهُوَ إِلْحَاحُهَا عَلَيْهِ بِالطَّلَاقِ.
وَهَذَا الَّذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
21 رمضان 1447هـ
فَلَمْ يُخْطِئْ أَبُو زَرْعٍ عِنْدَمَا تَزَوَّجَ هَذِهِ المَرْأَةَ، بَلْ قَدْ أَحْسَنَ إِلَى نَفْسِهِ بِمَنْعِهَا مِنَ الوُقُوعِ فِي الزِّنَا.
لَقَدْ تَسَبَّبَتِ المَرْأَةُ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشِرَةٍ فِي زَوَاجِهِ مِنْهَا، وَلَكِنْ هَلْ كَانَتِ السَّبَبَ فِي طَلَاقِ أُمِّ زَرْعٍ؟
وَالسُّؤَالُ لِلْمُسْلِمَاتِ اليَوْمَ:
هَلْ تَرْضَى المَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ؟
وَهَلْ غَضَبُهَا مِنْ زَوَاجِهِ مِثْلُ غَضَبِهَا مِنْ وُقُوعِهِ فِي الزِّنَا مَعَ النِّسَاءِ؟
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
20 رمضان 1447هـ
*هَلْ تَسَبَّبَتِ المَرْأَةُ فِي طَلاقِ أُمِّ زَرْعٍ*
عِنْدَمَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ عَلَى زَوْجَتِهِ، نَسْمَعُ مِنَ النَّاسِ أَوْ مِنَ الزَّوْجَةِ الأُولَى أَنَّ الزَّوْجَةَ الثَّانِيَةَ أَفْسَدَتْ عَلَى الأُولَى حَيَاتَهَا، أَوْ أَنَّهَا خَرَّبَتْ بَيْتَ الأُولَى، بَلْ أَصْبَحَتْ هَذِهِ العِبَارَةُ (لَا أُرِيدُ أَنْ أُخَرِّبَ بَيْتَ الأُولَى) دَارِجَةً عَلَى لِسَانِ كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَتَقَدَّمُ لِلزَّوَاجِ مِنْهُنَّ رَجُلٌ مُتَزَوِّجٌ.
فَمَا مَدَى صِحَّةِ هَذِهِ العِبَارَةِ؟
أَوَّلًا: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ سَبَبًا لِخَرَابِ البُيُوتِ، وَلَا يَقُولُ مِثْلَ هَذَا الكَلَامِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ حَقَّ الإِيمَانِ، وَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ.
فَتَشْرِيعُ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ صَادِرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ، وَأَيُّ اعْتِرَاضٍ أَوْ طَعْنٍ عَلَى مَوْضُوعِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ فَهُوَ اعْتِرَاضٌ عَلَى اللَّهِ، وَطَعْنٌ فِي شَرْعِهِ المَبْنِيِّ عَلَى عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ.
ثَانِيًا: اشْتَرَطَ اللَّهُ العَدْلَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَةٍ، وَإِضَافَةُ أَيِّ شَرْطٍ لَمْ يَشْتَرِطْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ اتِّهَامٌ لِشَرْعِ اللَّهِ بِالنَّقْصِ، وَهَذَا طَعْنٌ صَرِيحٌ فِي شَرِيعَةِ اللَّهِ، وَفِي حُكْمِهِ.
ثَالِثًا: التَّطْبِيقُ الخَاطِئُ مِنْ بَعْضِ الرِّجَالِ لِمَوْضُوعِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ، وَإِخْلَالُهُمْ بِالعَدْلِ، لَا يُجِيزُ لَنَا الطَّعْنَ فِي شَرْعِ اللَّهِ، فَتَقْصِيرُ الرِّجَالِ فِي العَدْلِ مِثْلُ تَقْصِيرِ كَثِيرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي الِالْتِزَامِ بِشَرْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أُمُورٍ أُخْرَى.
فَزَوَاجُ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَةٍ ثَانِيَةٍ لَيْسَ هُوَ السَّبَبَ فِي فَسَادِ بَيْتِهِ إِذَا فَسَدَ.
فَمَا السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ فِي فَسَادِ البُيُوتِ فِي حَالِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ؟ وَمَنِ المُتَسَبِّبُ فِي ذَلِكَ، أَهُوَ الرَّجُلُ أَمِ المَرْأَةُ؟
وَمَا عَلَاقَةُ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ بِقِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ؟
لَعَلَّنَا نُجِيبُ عَلَى هَذِهِ الأَسْئِلَةِ مِنْ خِلَالِ التَّأَمُّلِ فِي قِصَّةِ أُمِّ زَرْعٍ مَعَ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا أَبُو زَرْعٍ.
أَوَّلًا: كَيْفَ عَلِمَ أَبُو زَرْعٍ بِحَجْمِ وَشَكْلِ نُهُودِ المَرْأَةِ؟:
وَصَفَتْ أُمُّ زَرْعٍ شَكْلَ نُهُودِ المَرْأَةِ وَشَبَّهَتْهُمَا بِالرُّمَّانَتَيْنِ، وَجَزْمًا لَمْ تَكُنِ المَرْأَةُ مُتَعَرِّيَةً حَتَّى يَرَى أَبُو زَرْعٍ ذَلِكَ مِنْهَا.
فَكَيْفَ عَرَفَ أَبُو زَرْعٍ بِحَجْمِ صَدْرِهَا؟
لَابُدَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ لِبَاسًا يُفَصِّلُ جَسَدَهَا، وَإِلَّا لَمَا عُرِفَ حَجْمُ نُهُودِهَا.
وَهَذَا مِمَّا حَرَّمَهُ الإِسْلَامُ عَلَى المَرْأَةِ؛ لِأَنَّ تَفْصِيلَ جَسَدِ المَرْأَةِ يفْتِنُ الرَّجُلَ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الأَحَادِيثُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ لِبَاسِ المُفَصِّلِ لِلْجَسَدِ، وَالَّتِي مِنْهَا:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)). (رواه مسلم)
قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فَمَعْنَاهُ كَاسِيَاتٌ بِالِاسْمِ عَارِيَاتٌ فِي الحَقِيقَةِ إِذْ لَا تَسْتُرُهُنَّ تِلْكَ الثِّيَابُ)). (الاستذكار 8/ 307)
وَقَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((أَثْبَتَ لَهُنَّ الكِسْوَةَ ثُمَّ نَفَاهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الِاكْتِسَاءِ سَتْرُ العَوْرَةِ، فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقِ السَّتْرُ فَكَأَنَّهُ لَا اكْتِسَاءَ)).
(الكاشف عن حقائق السنن 8/ 2491)
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((يُرِيدُ كَاسِيَةً بِالثِّيَابِ الوَاصِفَةِ لِأَجْسَامِهِنَّ لِغَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ، وَمَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَى ذَلِكَ مِنْهُنَّ، وَهُنَّ عَارِيَاتٌ فِي الحَقِيقَةِ)). (شرح صحيح البخاري 3/ 116)
فَالمَلَابِسُ الَّتِي تَصِفُ جِسْمَ المَرْأَةِ وَمَفَاتِنَهَا تُخْرِجُهَا كَأَنَّهَا عَارِيَةٌ، فَيَعْلَمُ الرَّجُلُ كُلَّ تَفَاصِيلِ جَسَدِهَا مِنْ ثِيَابِهَا.
قَالَتْ عَنْهُ أُمُّ زَرْعٍ:
مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الجَفْرَةِ.
مَدَحَتْهُ بِنَحَافَةِ الجِسْمِ، الَّذِي يَكْفِيهِ المَكَانُ الضَّيِّقُ، مِثْلُ عُودِ الحَصِيرِ، وَيَكْفِيهِ القَلِيلُ مِنَ الطَّعَامِ، فَهُوَ لَيْسَ بِأَكُولٍ، يُتْعِبُهَا فِي طَلَبِ الطَّعَامِ وَكَثْرَتِهِ وَتَنَوُّعِهِ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((كَنَّتْ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مَضْجَعَهُ الَّذِي يَنَامُ فِيهِ فِي الضِّيقِ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا سُلَّتْ مِنَ الحَصِيرِ فَبَقِيَ مَكَانُهَا فَارِغًا بَيْنَ أَخَوَاتِهَا، وَهُوَ مِمَّا يَتَمَادَحُ بِهِ رِجَالُ العَرَبِ)). (بغية الرائد ص255)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَكَذَا قَوْلُهَا: يُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الجَفْرَةِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ مَا عِنْدَهَا بِالأَكْلِ فَضْلًا عَنِ الأَخْذِ، بَلْ لَوْ طَعِمَ عِنْدَهَا لَاقْتَنَعَ بِاليَسِيرِ الَّذِي يَسُدُّ الرَّمَقَ مِنَ المَأْكُولِ وَالمَشْرُوبِ)). (فتح الباري 9/ 270)
وَهَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي كَانَتْ تَعِيشُهُ مَعَ ابْنِ أَبِي زَرْعٍ.
ثَالِثًا: بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ:
قَالَتْ عَنْهَا أُمُّ زَرْعٍ:
طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا.
مَدَحَتْهَا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
الأَوَّلُ: طَاعَتُهَا لِوَالِدَيْهَا، وَهَذَا مِنْ أَكْثَرِ مَا يُسْعِدُ المَرْأَةَ أَنْ تَكُونَ ابْنَتُهَا مُطِيعَةً لَهَا؛ لِأَنَّ البِنْتَ عَادَةً تُنَافِسُ أُمَّهَا عَلَى قَلْبِ الأَبِ، وَكَثِيرًا مَا تَحْصُلُ المَشَاكِلُ بَيْنَ البِنْتِ وَأُمِّهَا بِسَبَبِ العِنَادِ وَالغَيْرَةِ بَيْنَهُمَا.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((أَيْ: أَنَّهَا بَارَّةٌ بِهِمَا، غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنْ رَأْيِهِمَا؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِفَّتِهَا وَعَقْلِهَا)). (بغية الرائد ص269)
الثَّانِي: مَدَحَتْ جَمَالَ جِسْمِهَا، قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَصَفَتْهَا بِأَنَّهَا مُمتَلِئَةُ الجِسْمِ، كَثِيرَةُ اللَّحْمِ، وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِامْتِلَاءِ كِسَائِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَمْتَلِئُ إِلَّا لِعِظَمِ جِسْمِهَا، وَكَمَالِ شَخْصِهَا، وَكَثْرَةِ لَحْمِهَا، وَنِعْمَةِ جِسْمِهَا، وَهَذَا مِمَّا يُمْدَحُ بِهِ النِّسَاءُ، وَيُذْمَمْنَ بِضِدِّهِ)). (بغية الرائد ص261)
الثَّالِثُ: بِأَنَّ قَرِينَاتِهَا يَغَرْنَ مِنْهَا لِمَا تَتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الجَمَالِ وَحُسْنِ الأَخْلَاقِ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((ثُمَّ أَكَّدَتِ الثَّنَاءَ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا خَيْرُ نِسَائِهَا، أَيْ: نِسَاءِ وَقْتِهَا أَوْ قَوْمِهَا، وَأَنَّهَا لِتَمَامِ حُسْنِهَا، وَتَشَابُهِ خَلْقِهَا فِي الكَمَالِ وَخُلُقِهَا: غَيْظُ جَارَتِهَا، أَيْ: ضَرَّتِهَا أَوْ مُجَاوِرَتِهَا، وَأَنَّ مَا تَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ يَغِيظُهَا وَتَغَارُ لَهُ، وَتَحَارُ مِنْهُ)). (بغية الرائد ص266)
وَلَوْ دَقَّقْنَا النَّظَرَ فِي مَدْحِ أُمِّ زَرْعٍ لِعَائِلَتِهَا، لَوَجَدْنَا أَنَّهَا رَكَّزَتْ عَلَى المَظْهَرِ الجَمَالِيِّ لِلْجَسَدِ، وَلَا غَرَابَةَ؛ فَنِسَاءُ الجَاهِلِيَّةِ أَقْصَى مَا عِنْدَهُنَّ هُوَ الِاهْتِمَامُ بِالجَسَدِ، أَمَّا عَقْلُ المَرْأَةِ وَقَلْبُهَا فَهَذَا عِنْدَ مَنْ تَمَسَّكَ بِتَعَالِيمِ الإِسْلَامِ، وَإِلَّا فَحَتَّى المُسْلِمَاتُ اليَوْمَ انْشَغَلْنَ بِصِنَاعَةِ الجَسَدِ عَلَى الطَّرِيقَةِ وَالمَقَايِيسِ الأُورُبِّيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ.
أَسْأَلُ اللَّهَ لَهُنَّ الهِدَايَةَ، وَالتَّوْفِيقَ.
رَابِعًا: خَادِمَةُ أَبِي زَرْعٍ:
مَدَحَتْهَا بِثَلَاثِ صِفَاتٍ جَمِيلَةٍ تَتَمَنَّاهَا كُلُّ امْرَأَةٍ فِي خَادِمَتِهَا، فَقَالَتْ:
لا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَصَفَتْهَا بِالأَمَانَةِ عَلَى السِّرِّ وَالمَالِ، وَالقِيَامِ بِمَصَالِحِ خِدْمَتِهِم، وَالنُّصْحِ لَهُمْ، وَأَنَّهَا لَا تُفْشِي لَهُمْ حَدِيثًا وَلَا تُبَذِّرُ لَهُمْ طَعَامًا، وَلَا تَخُونُ فِيهِ، وَلَا تَنْقُلُهُ إِلَى غَيْرِهِم، وَلَا تُفْسِدُهُ وَتُضَيِّعُهُ، وَلَا تُدْخِلُ بَيْنَهُمُ الضَّغَائِنَ، وَلَا تُهْمِلُ أَمْرَ خِدْمَتِهِم وَصَلَاحِ مَنْزِلِهِم)). (بغية الرائد ص276)
فَهَذِهِ خَادِمَةٌ حَاصِلَةٌ عَلَى أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّقْيِيمِ فِي عَمَلِ البَيْتِ.
هَذَا جُزْءٌ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي كَانَتْ تَعِيشُ فِيهِ أُمُّ زَرْعٍ، وَتَتَمَنَّاهُ كُلُّ امْرَأَةٍ فِي حَيَاتِهَا.
فَكَيْفَ خَسِرَتْ هَذَا النَّعِيمَ؟
وَهَلْ فِعْلًا السَّبَبُ كَمَا ذَكَرَتْ فِي نِهَايَةِ حَدِيثِهَا: خَرَجَ فَنَظَرَ فَطَلَّقَ؟!
النَّعِيمُ الَّذِي عَاشَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ مَعَ أَبِي زَرْعٍ يَتَضَمَّنُ عِدَّةَ صُوَرٍ جَمِيلَةٍ، مِنْهَا:
1) أَلْبَسَهَا الْحُلِيَّ::
قالت: أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ.
قال أبو عبيد الهروي رحمه الله: ((تريد حلَاّني قرطًة وشنوفًا تنوس بأذنيَّ. والنَّوس: الحركة من كلُّ شيء متدلِّ)). (غريب الحديث 2/ 182)
يَعْنِي أَلْبَسَهَا الذَّهَبَ، وَهَذَا مِنْ أَهَمِّ أَنْوَاعِ الزِّينَةِ عِنْدَ النِّسَاءِ، وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ مَا يُفَرِّحُهَا، وَكُلُّ امْرَأَةٍ تُحِبُّ الذَّهَبَ وَتَفْخَرُ بِلَبْسِهِ أَمَامَ النِّسَاءِ.
2) سَمَّنَهَا:
قالت: وَمَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ.
قال أبو عبيد الهروي رحمه الله: ((لم ترد العضد خاصَّة. إنَّما أرادت الجسد كلَّه. تقول: إنه أسمنني بإحسانه إلىَّ، فإذا سمنت العضد سمن سائر الجسد)). (غريب الحديث 2/ 184)
يَعْنِي أَنَّهُ أَسْمَنَهَا بِإِحْسَانِهِ إِلَيْهَا، وَهَذِهِ السُّمْنَةُ لَا تَأْتِي مَعَ الْهُمُومِ وَالْمَشَاكِلِ، وَإِنَّمَا تَأْتِي مَعَ السَّعَادَةِ وَالرَّخَاءِ.
3) مَلَأَ حَيَاتَهَا بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ:
قالت: وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي
قال أبو عبيد الهروي رحمه الله: ((أي فرَّحني ففرحت)). (غريب الحديث 2/ 184)
وقال القاضي عياض رحمه الله: ((وصفتْهُ بأنَّه أحسنَ إليها، وحلَّاها، ورَفَّهَ عيشَها، وسمَّنَها، وأراهَا المسرَّةَ في أحوالِها)). (بغية الرائد ص223)
4) نَقَلَهَا مِنْ شَظَفِ الْعَيْشِ إِلَى الرَّفَاهِيَةِ:
قالت: وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ.
قال أبو عبيد الهروي رحمه الله: ((قالت: فجعلني في أهل صهيل وأطيط، تعني: أنَّه ذهب بي إلى أهله، وهم أهل خيل وإبل، لأن الصَّهيل أصوات الخيل، والأطيط أصوات الإبل)). (غريب الحديث 2/ 185)
وقال القاضي عياض رحمه الله: ((وصفتْهُ: أنَّه نقلَها مِنْ شَظَفِ عيشِ أهلِهَا وتبلُّغِهِم بغُنَيْمَتِهِم، إلى أهلِ الثَّروةِ، والأموالِ الواسعةِ، مِنَ الخيلِ والإبلِ والرِّحالِ والزَّرعِ والبقرِ، والدَّوابِّ الدَّائسةِ، والعبيدِ والخولِ، والآلاتِ المُنَقِّيةِ للأطعمةِ، المصلحةِ لها، والماشيةِ الكثيرةِ، والطَّيرِ المُتَنعَّمِ بأكلِها؛ وذلك أنَّ أصحابَ الغنمِ أهلُ شظفٍ أو كفافٍ وعدمِ ثروةٍ)).
((فأخبرتْ هذِه بانتقالِها منْ تِلكَ الحالَةِ إلى هذه، ورغَدِ عيشِها بِألبانِ هذِه المواشِي ولحومِها، وغيرِ ذلك منَ الأطعمةِ، لاسيما بإشارتِها بما يُداسُ وينقَّى إلى الخُبزِ، وكان أرفعَ أغذيةِ العربِ وأعزَّ أطعمتِها؛ إذ لا يجدُهُ منهم إلَّا الكثيرُ الثَّروةِ، ومن قاربَ الأريافَ والحواضِرَ، وإلَّا فأكثرُ أطعمتِهم إنَّما كانتْ اللحومَ والألبانَ والتَّمرَ، وعليه تَدُلُّ أشعارُهم)). (بغية الرائد ص233)
ثانيا: دَلَالُ أَبِي زَرْعٍ لَهَا:
كَانَتْ عِنْدَهُ مُدَلَّلَةً، لَا تَفْعَلُ شَيْئًا يُتْعِبُهَا، حَتَّى وَصَفَتْ أُمُّ زَرْعٍ هَذَا الدَّلَالَ بِقَوْلِهَا:
فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ.
قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: ((و(قولها: وأرقد فأتصبح) أي: أديم النوم إلى الصباح، لا يوقظها أحدٌ، لأنَّها مكرَّمة، مكفية الخدمة والعمل)). (المفهم 6/ 344)
وقال عبدالعزيز الراجحي: ((تقول: إن لها السيادة المطلقة عنده، فهي تتكلم ولا أحد يرد كلامها، وترقد في وقت الصباح، يعني: تنام الصفرة؛ لأن عندها خدمًا يكفونها المؤنة، بخلاف التي ليس عندها خدم يخدمونها، فهي تقوم في الصباح لتعمل في البيت، وهي تشرب وتروي، فيبلغ الرِّيُّ منها ما تشاء، فهي تمدح زوجها بأنه أراحها وأعطاها ما تريد، وجعل لها السيادة المطلقة فتتكلم بما تشاء، وتأكل ما تشاء، وتشرب ما تشاء، وتنام كيف تشاء، فهي مكفيَّة المؤنة)). (توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم 7/ 111)
النَّعِيمُ وَالدَّلالُ الَّذِي قَدَّمَهُ أَبُو زَرْعٍ لأُمِّ زَرْعٍ، فِيهِ دَلالَةٌ عَلَى عَظِيمِ حُبِّهِ لَهَا، وَطِيبِ مَعْدِنِهِ.
فَكَيْفَ قَابَلَتْ أُمُّ زَرْعٍ هَذَا النَّعِيمَ وَهَذَا الدَّلالَ؟
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
17 رمضان 1447هـ
((الْكَرِيمُ مَحْمُودُ الْأَثَرِ فِي الدُّنْيَا، مَرْضِيُّ الْعَمَلِ فِي الْعُقْبَى، يُحِبُّهُ الْقَرِيبُ وَالْقَاصِي، وَيَأْلَفُهُ الْمُتَسَخِّطُ وَالرَّاضِي، يُفَارِقُهُ الْأَعْدَاءُ وَاللِّئَامُ، وَيُصَاحِبُهُ الْعُقَلَاءُ وَالْكِرَامُ)).
إِذَا كَانَتْ هَذِهِ خِصَالَ الْكَرِيمِ مَعَ النَّاسِ عُمُومًا، فَكَيْفَ سَتَكُونُ مَعَ زَوْجَتِهِ الَّتِي اخْتَارَهَا لِتَكُونَ رَفِيقَةَ الدَّرْبِ فِي الْحَيَاةِ، الْمُعِينَةَ عَلَى إِكْرَامِ الضَّيْفِ، الْمُبَالِغَةَ فِي مَدْحِ كَرَمِ زَوْجِهَا؟!
أَخِي الزَّوْجَ الْكَرِيمَ،
كَيْفَ تَجِدُ نَفْسَكَ فِي الْكَرَمِ مَعَ زَوْجَتِكَ؟
وَمَا مَدَى رِضَاهَا عَنْ إِنْفَاقِكَ عَلَيْهَا؟
وَهَلْ تَعُدُّكَ كَرِيمًا؟
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
16 رمضان 1447هـ
*زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ*
سَمِعَتِ الْمَرْأَةُ الْعَاشِرَةُ، ثَنَاءً مِنْ قَبْلِهَا عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالْكَرَمِ وَالسَّخَاءِ، وَخَاصَّةً الْمَرْأَةَ التَّاسِعَةَ، فَأَرَادَتْ تَفْخَرَ بِكَرَمِ زَوْجِهَا، وَتَرْفَعَ مِنْ شَأْنِهِ، وَتُعَظِّمَهُ، فَقَالَتْ مُفْتَخِرَةً:
زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ، مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلاتُ الْمَسَارِحِ، وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ.
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ الله: ((وَقَوْلُ الْعَاشِرَةِ: (زَوْجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟) هَذَا تَعْظِيمٌ لِزَوْجِهَا، وَهُوَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ وَ: ﴿الْحَاقَّةُ، مَا الْحَاقَّةُ﴾. وَ (قَوْلُهَا: مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ)، أَيْ: هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ أَصِفَهُ لِشُهْرَةِ فَضْلِهِ، وَكَثْرَةِ خَيْرِهِ)). (الْمُفْهِم 6/ 341)
وَقَالَ ابْنُ الْمُلَقِّنِ رَحِمَهُ الله: ((فِيهَا مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّهْوِيلِ وَحَقِيقَتُهُ: فَمَا مَالِكٌ وَمَا هُوَ؟ أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ هُوَ! مَا أَعْظَمَهُ وَأَكْبَرَهُ وَأَكْرَمَهُ! ... وَقَوْلُهَا: (مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ). زِيَادَةٌ فِي التَّعْظِيمِ، وَتَفْسِيرٌ لِبَعْضِ الْإِبْهَامِ، وَأَنَّهُ خَيْرٌ مِمَّا أُشِيرُ إِلَيْهِ مِنْ ثَنَاءٍ وَطِيبِ ذِكْرٍ، أَوْ فَوْقَ مَا أَعْتَقِدُهُ فِيهِ مِنْ سُؤْدُدٍ وَفَخْرٍ)).(التَّوْضِيحُ لِشَرْحِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ 24/ 586)
عِنْدَمَا تَتَأَمَّلُ أَيُّهَا الرَّجُلُ الْكَرِيمُ هَذَا الْإِطْرَاءَ مِنَ الْمَرْأَةِ، تُدْرِكُ أَنَّهَا تُحِبُّهُ حُبًّا عَظِيمًا، وَتَفْخَرُ بِهِ بَيْنَ النِّسَاءِ، وَتُعَظِّمُهُ، وَتُثْنِي عَلَيْهِ.
وَلَعَلَّكَ تَتَسَاءَلُ: مَا الَّذِي جَعَلَهَا تُحِبُّهُ هَذَا الْحُبَّ الْعَظِيمَ، مَعَ أَنَّهَا فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ هُنَا لَمْ تَذْكُرْ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِعَلَاقَتِهِ بِهَا؟
نَعَمْ، هَذَا الْإِطْرَاءُ يُخْفِي خَلْفَهُ حُسْنَ تَعَامُلٍ مِنْ زَوْجِهَا لَهَا. هَذَا التَّعَامُلُ كَبِيرٌ جِدًّا حَتَّى أَنَّهَا أَخْفَتْهُ عَنْهُنَّ، وَاكْتَفَتْ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي عَلَاقَتِهِ مَعَ النَّاسِ.
لِتُدْرِكَ أَخِي الرَّجُلُ الْكَرِيمُ، عُمْقَ ذَكَاءِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الَّتِي عَاهَدَتْ مَنْ مَعَهَا مِنَ النِّسَاءِ أَلَّا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا، فَذَكَرَتْ لَهُنَّ جَانِبًا وَاحِدًا بِطَرِيقَةٍ بَالَغَتْ فِيهَا فِي الْإِطْرَاءِ، لِتَشْغَلَهُنَّ عَنْ ذِكْرِ التَّفَاصِيلِ الَّتِي لَا تُرِيدُ إِظْهَارَهَا مِنْ عَلَاقَتِهِ بِهَا.
لَقَدْ وَجَّهَتْ أَنْظَارَهُنَّ إِلَى جَانِبٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيَاتِهِ وَهُوَ كَرَمُ الضِّيافَةِ، وَفَصَّلَتْ فِيهِ وَأَبْدَعَتْ أَيَّمَا إِبْدَاعٍ.
هَذَا لِتَعْلَمَ أَخِي الزَّوْجُ الْكَرِيمُ، أَنَّ الْمَرْأَةَ تَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّلَاعُبِ بِالْكَلَامِ لِتُغَيِّرَ الْحَقِيقَةَ أَوْ تَصْرِفَ الْأَنْظَارَ عَنْهَا بِطَرِيقَةٍ لَا يَمْتَلِكُهَا دُهَاةُ الرِّجَالِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَقَعَ فِي الْكَذِبِ.
وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُدْرِكَ هَذَا الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْ مَعِي هَذِهِ الْآيَةَ وَالْقِصَّةَ الَّتِي سَأُورِدُهَا بَعْدَهَا.
أَمَّا الْآيَةُ فَهِيَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يُوسُفَ: 25]
إِنَّهَا لَمْ تَتَّهِمْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَرَاحَةً، وَلَكِنَّهَا أَوْهَمَتْ زَوْجَهَا بِأَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرَادَ بِهَا سُوءًا. وَلَكِنَّ الله خَيَّبَهَا وَفَضَحَهَا، فَأَدْرَكَ سَيِّدُهَا أَنَّهَا تَتَلَاعَبُ بِالْكَلَامِ لِتُغَيِّرَ الْحَقِيقَةَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يُوسُفَ: 28].
وَلَا تَظُنَّ أَيُّهَا الزَّوْجُ الْكَرِيمُ، أَنَّ الْمَرْأَةَ تَتَلَاعَبُ بِالْكَلَامِ مَعَ الرِّجَالِ فَقَطْ، بَلْ وَحَتَّى مَعَ النِّسَاءِ، وَتَأَمَّلْ قَوْلَ الله تَعَالَى فِي تَمَامِ قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ [يُوسُفَ: 30 - 31]
*زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ*
إِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ الثَّامِنَةُ أَجْمَلَتْ فِي الثَّنَاءِ عَلَى زَوْجِهَا بِكَلِمَاتٍ بَلِيغَةٍ، فَإِنَّ المَرْأَةَ التَّاسِعَةَ فَصَّلَتْ فِي الثَّنَاءِ عَلَى زَوْجِهَا بِكَلِمَاتٍ بَلِيغَةٍ كَذَلِكَ، فَقَالَتْ:
زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِ.
فَوَصَفَتْهُ بِأَرْبَعِ صِفَاتٍ جَمِيلَةٍ فِي الرَّجُلِ.
الأُولَى: أَنَّهُ رَفِيعُ النَّسَبِ:
وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: رَفِيعُ الْعِمَادِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ الله: ((تَصِفُهُ بِالشَّرَفِ، وَسَنَاءِ الذِّكْرِ.
سَنَا البَرْقِ، وَسَنَا النَّبْتِ مَقْصُورَانِ، وَالسَّنَاءُ مِنَ الشَّرَفِ مَمْدُودٌ.
وَأَصْلُ العِمَادِ عِمَادُ البَيْتِ، وَجَمْعُهُ عُمُدٌ، وَهِيَ العِيدَانُ الَّتِي تُعْمَدُ بِهَا البُيُوتُ، وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ: تَعْنِي أَنَّ بَيْتَهُ رَفِيعٌ فِي قَوْمِهِ)). (غَرِيبُ الحَدِيثِ 2/177)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((قَوْلُهَا: «رَفِيعُ العِمَادِ»، وَصَفَتْهُ بِالشَّرَفِ فِي نَسَبِهِ، وَالسُّؤْدَدِ فِي قَوْمِهِ، وَاسْتَعَارَتْ لِرِفْعَةِ بَيْتِ حَسَبِهِ المَعْنَوِيَّةِ: رِفْعَةَ العِمَادِ مِنْ بَيْتِ المَسْكَنِ المَرْئِيَّةِ)). (بُغْيَةُ الرَّائِدِ ص191)
وَالْعَرَبُ مِنْ عَادَتِهِمُ التَّفَاخُرُ بِأَنْسَابِهِمُ العَالِيَةِ، فَالمَرْأَةُ تَفْخَرُ عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ النِّسَاءِ بِأَنَّ زَوْجَهَا صَاحِبُ نَسَبٍ عَالٍ.
وَفَائِدَةُ النَّسَبِ العَالِي أَنَّهُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ سَفَاسِفِ الأُمُورِ وَالأَخْلَاقِ، فَرَفِيعُ النَّسَبِ يَتَرَفَّعُ عَنْ أَفْعَالِ الجُهَّالِ وَالسُّفَهَاءِ.
وَالمُجْتَمَعُ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا جَمِيلَ الصِّفَاتِ، فَلَوْ أَخَلَّ بِهَا لَانْتَقَدَهُ النَّاسُ وَأَصْبَحَ سُبَّةً فِي العَالَمِينَ.
وَهَذَا الَّذِي مَنَعَ أَبَا سُفْيَانَ مِنَ الكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
فَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ، فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ:
أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَوَالله لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ.
(رَوَاهُ البُخَارِيُّ)
فَأَصْحَابُ النَّسَبِ يَحْرِصُونَ عَلَى بَقَاءِ سُمْعَتِهِمْ عَطِرَةً بَيْنَ النَّاسِ، فَيَتَرَفَّعُونَ عَنِ القَبَائِحِ.
وَفِي وَصْفِهَا لَهُ بِالرِّفْعَةِ فِي قَوْمِهِ مَعْنًى آخَرُ، قَالَ عَنْهُ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((وَقَدْ يَكُونُ تُرِيدُ بِالعِمَادِ: البَيْتَ، وَمَعْنَى رِفْعَتِهِ: إِشْرَافُهُ لِمَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ؛ لِيَقْصِدَهُ الأَضْيَافُ)). (بُغْيَةُ الرَّائِدِ ص193)
وَهَذِهِ عَلَامَةٌ عَلَى الكَرَمِ، فَهِيَ تَقُولُ: إِنَّ بَيْتَهُ بَارِزٌ لِلنَّاسِ غَيْرُ مُخْتَفٍ بَيْنَ البُيُوتِ، يَسْتَطِيعُ الأَضْيَافُ الوُصُولَ إِلَيْهِ بِسُهُولَةٍ.
الثَّانِيَةُ: جَمَالُ القَامَةِ:
وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: طَوِيلُ النِّجَادِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ الله: ((تَصِفُهُ بِامْتِدَادِ القَامَةِ. وَالنِّجَادُ: حَمَائِلُ السَّيْفِ، فَهُوَ يَحْتَاجُ إِلَى قَدْرِ ذَلِكَ مِنْ طُولِهِ. وَهَذَا مِمَّا تَمْدَحُ بِهِ الشُّعَرَاءُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
قَصُرَتْ حَمَائِلُهُ عَلَيْهِ فَقَلَّصَتْ
وَلَقَدْ تَحَفَّظَ قَيْنُهَا فَأَطَالَهَا)). (غَرِيبُ الحَدِيثِ 2/177)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((وَصَفَتْهُ بِالكَمَالِ فِي صُورَتِهِ، وَامْتِدَادِ القَامَةِ فِي بُنْيَتِهِ، وَعَرَّضَتْ لِذَلِكَ بِقَوْلِهَا: «طَوِيلُ النِّجَادِ»؛ فَإِنَّ الطَّوِيلَ القَامَةِ يَحْتَاجُ إِلَى تَطْوِيلِ نِجَادِهِ)).
(بُغْيَةُ الرَّائِدِ ص194)
فَهِيَ تَمْدَحُ زَوْجَهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى جَمَالِ صُورَتِهِ عِنْدَهَا مِمَّا تَرْغَبُ فِيهِ المَرْأَةُ عَادَةً.
وَزَوْجَتُكَ هِيَ أَكْثَرُ مَنْ تَنْظُرُ إِلَى وَجْهِكَ، فَأَكْثِرْ مِنَ التَّبَسُّمِ لَهَا، تَكْثُرْ حَسَنَاتُكَ وَأَنْتَ فِي بَيْتِكَ، وَتُسْعِدْهَا، وَتُدْخِلِ السُّرُورَ عَلَيْهَا، فَتَنَالَ بِسَبَبِهَا أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى الله، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ)).
(رواه الطبراني في الكبير)
وَزَوْجَتُكَ أَوْلَى النَّاسِ بِإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا السَّمَاحَةُ، فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْ رَجُلٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ أَنْ يَكُونَ فَظًّا غَلِيظًا، بَلِ المُتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ سَمْحًا فِي تَعَامُلِهِ مَعَ مَنْ حَوْلَهُ، وَأَوْلَاهُمْ بِالمُعَامَلَةِ السَّمْحَةِ أَهْلُ بَيْتِهِ.
وَهِيَ عَلَامَةٌ عَلَى إِيمَانِهِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: ((الصَّبْر وَالسَّمَاحَة)). (رواه أبو يعلى)
وَالسَّمَاحَةُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ عُمُومًا، وَأَهْلِ بَيْتِ الرَّجُلِ خُصُوصًا، سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ وَنَيْلِ مَغْفِرَةِ الله، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((دخلَ رجلٌ الجنَّةَ بِسَماحَتِه قاضيًا ومُقْتَضِيًا)). (رواه أحمد)
وَمِنْ مُقْتَضَى اللِّينِ وَالسَّمَاحَةِ: الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ عَنْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)). (رواه أحمد)
فَكُلُّ هَذِهِ الخِصَالِ تَدْخُلُ فِي قَوْلِهَا:
الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ
الوَصْفُ الثَّانِي الَّذِي مَدَحَتْهُ بِهِ هُوَ: رَائِحَتُهُ الطَّيِّبَةُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ الله: ((وَقَوْلُهَا: الرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ. فَإِنَّ فِيهِ مَعْنَيَيْنِ. قَدْ يَكُونُ أَنْ تُرِيدَ رِيحَ جَسَدِهِ.
وَيَكُونُ أَنْ تُرِيدَ طِيبَ الثَّنَاءِ فِي النَّاسِ وَانْتِشَارَهُ فِيهِمْ كَرِيحِ الزَّرْنَبِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ مَعْرُوفٌ)). (غريب الحديث 2/ 176)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((أَمَّا تَشْبِيهُهَا إِيَّاهُ بِرِيحِ الزَّرْنَبِ، فَفِيهِ تَأْوِيلَاتٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ طِيبَ ثَنَائِهِ فِي النَّاسِ وَانْتِشَارَهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَرَادَتْ طِيبَ جَسَدِهِ، وَعِطْرَ أَرْدَانِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا أَرَادَتْ لِينَ عَرِيكَتِهِ، وَحُسْنَ خُلُقِهِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الفَصْلِ الأَوَّلِ)). (بغية الرائد ص188)
أَمَّا المَعْنَى الأَوَّلُ: وَهُوَ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِسِيرَتِهِ العَطِرَةِ بَيْنَ النَّاسِ، فَهَذَا يَتَنَاسَبُ مَعَ كَوْنِهِ هَيِّنًا لَيِّنًا.
وَالنَّاسُ يَشْهَدُونَ لِلرَّجُلِ بِمَا عُرِفَ عَنْهُ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرُّوا بِجَنازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْها خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((وَجَبَتْ)). ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْها شَرًّا، فَقَالَ: ((وَجَبَتْ)). فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: ما وَجَبَتْ؟ قَالَ: ((هَذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ؛ أَنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ)). (رواه البخاري)
وأَمَّا المَعْنَى الثَّانِي: فَهُوَ طِيبُ جَسَدِهِ.
فَهَذَا مِمَّا تُحِبُّهُ النُّفُوسُ عُمُومًا، وَالزَّوْجَةُ خُصُوصًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ طَيِّبَ الرَّائِحَةِ، مِنْ كَثْرَةِ الطِّيبِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ، وَمِنْ شِدَّةِ عِنَايَتِهِ بِنَظَافَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ.
وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُحِبًّا لِلطِّيبِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ)). (رواه أحمد)
فَهَلْ أَنْتَ أَخِي الزَّوْجُ الكَرِيمُ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ الهَيِّنِ اللَّيِّنِ، السَّمْحِ، صَاحِبِ الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالرَّائِحَةِ الزَّكِيَّةِ؟
أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ.
وَهَنِيئًا لِمَنْ كَانَ زَوْجُهَا مِنْ هَذَا الصِّنْفِ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د.
"فإن عَفا الله عنك،
أَتتكَ حوائجُك من دونِ مسألة
اللهم إنك عفو تُحب العفو فإعفُ عنا
🌹اللهــم صــــل وسلــــم
علـــى نبينـــا محمــــدﷺ🌹
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: ((فَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْضُلَ الْمَرْأَةَ: بِأَنْ يَمْنَعَهَا وَيُضَيِّقَ عَلَيْهَا حَتَّى تُعْطِيَهُ بَعْضَ الصَّدَاقِ، وَلَا أَنْ يَضْرِبَهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ؛ لَكِنْ إذَا أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْضُلَهَا لِتَفْتَدِي مِنْهُ؛ وَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا. هَذَا فِيمَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ اللَّهِ)). (مجموع الفتاوى 32/283)
فَمَا الفَاحِشَةُ الَّتِي تُجِيزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُلْجِئَهَا إِلَى طَلَبِ الخُلْعِ وَإِرْجَاعِ المَهْرِ؟
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَأَوْلَى مَا قِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ كُلُّ فَاحِشَةٍ مِنْ بَذَاءَةٍ بِاللِّسَانِ عَلَى زَوْجِهَا، وَأَذًى لَهُ، وَزِنًا بِفَرْجِهَا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ كُلَّ فَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ظَاهِرَةٍ)). (جامع البيان 3/653)
وَفَسَادُ دِينِ المَرْأَةِ بِالأَفْكَارِ النِّسْوِيَّةِ أَشَدُّ عَلَى الرَّجُلِ الغَيُورِ مِنْ بَذَاءَةِ لِسَانِهَا؛ فَالفِكْرُ النِّسْوِيُّ يَدْعُو المَرْأَةَ إِلَى التَّمَرُّدِ عَلَى الرَّجُلِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الصُّوَرِ، وَيَدْعُوهَا إِلَى الخُرُوجِ مُتَبَرِّجَةً مُتَعَطِّرَةً، كَمَا يَدْعُوهَا إِلَى الاخْتِلَاطِ بِالرِّجَالِ فِي الأَعْمَالِ وَالمَقَاهِي وَالحَفَلَاتِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ لَمْ يَرْضَ الزَّوْجُ بِذَلِكَ.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَجَاوَزَ الرَّجُلُ الحُدُودَ الشَّرْعِيَّةَ فِي الضَّرْبِ، فَيَضْرِبَ المَرْأَةَ ضَرْبًا شَدِيدًا، مُخَالِفًا بِذَلِكَ أَمْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
وَرَدَّةُ فِعْلِ المَرْأَةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ لِلضَّرَرِ الوَاقِعِ عَلَيْهَا مِنْ هَذَا الزَّوْجِ.
وَلَكِنَّ الخَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ رَدَّةُ فِعْلِ هَذِهِ المَرْأَةِ بِاتِّجَاهٍ مُخَالِفٍ لِلشَّرْعِ بِسَبَبِ هَذَا الزَّوْجِ العَنِيفِ فِي تَعَامُلِهِ مَعَهَا، فَتَكْرَهَ الدِّينَ وَأَهْلَهُ، وَتَنْسُبَ فِعْلَ زَوْجِهَا الخَاطِئَ إِلَى الإِسْلَامِ، وَيَتَلَقَّفَهَا أَهْلُ الضَّلَالِ مِنْ دُعَاةِ تَخْرِيبِ الأُسَرِ لِيَجْعَلُوهَا مِثَالًا عَلَى مَنْعِ ضَرْبِ النِّسَاءِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَالدَّعْوَةِ إِلَى الِالْتِزَامِ بِمَا جَاءَ عَنِ الغَرْبِ مِنْ قَانُونِ العُنْفِ وَغَيْرِهِ!
قَالَ مُحَمَّدٌ رَشِيدٌ رِضَا رَحِمَهُ اللهُ: ((يَسْتَكْبِرُ بَعْضُ مُقَلِّدَةِ الْإِفْرِنْجِ فِي آدَابِهِمْ مِنَّا مَشْرُوعِيَّةَ ضَرْبِ الْمَرْأَةِ النَّاشِزِ، وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ أَنْ تَنْشُزَ وَتَتَرَفَّعَ عَلَيْهِ، فَتَجْعَلَهُ وَهُوَ رَئِيسُ الْبَيْتِ مرؤوسًا بَلْ مُحْتَقَرًا، وَتُصِرُّ عَلَى نُشُوزِهَا حَتَّى لَا تَلِينَ لِوَعْظِهِ وَنُصْحِهِ، وَلَا تُبَالِيَ بِإِعْرَاضِهِ وَهَجْرِهِ، وَلَا أَدْرِي بِمَ يُعَالِجُونَ هَؤُلَاءِ النَّوَاشِزَ؟ وَبِمَ يُشِيرُونَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ أَوْ يُعَامِلُوهُنَّ بِهِ؟ لَعَلَّهُمْ يَتَخَيَّلُونَ امْرَأَةً ضَعِيفَةً نَحِيفَةً، مُهَذَّبَةً أَدِيبَةً، يَبْغِي عَلَيْهَا رَجُلٌ فَظٌّ غَلِيظٌ، فَيُطْعِمُ سَوْطَهُ مِنْ لَحْمِهَا الْغَرِيضِ، وَيَسْقِيهِ مِنْ دَمِهَا الْعَبِيطِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَبَاحَ لَهُ مِثْلَ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ الضَّرْبِ، وَإِنْ تَجَرَّمَ وَتَجَنَّى عَلَيْهَا وَلَا ذَنْبَ، كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ غِلَاظِ الْأَكْبَادِ مُتَحَجِّرِي الطِّبَاعِ، وَحَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَأْذَنَ بِمِثْلِ هَذَا الظُّلْمِ أَوْ يَرْضَى بِهِ.
إِنَّ مِنَ الرِّجَالِ الْجَعْظَرِيَّ الْجَوَّاظَ الَّذِي يَظْلِمُ الْمَرْأَةَ بِمَحْضِ الْعُدْوَانِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي وَصِيَّةِ أَمْثَالِهِمْ بِالنِّسَاءِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَيَأْتِي فِي حَقِّهِمْ مَا جَاءَتْ بِهِ الْآيَةُ مِنَ التَّحْكِيمِ.
وَإِنَّ مِنَ النِّسَاءِ الْفَوَارِكَ الْمَنَاشِيصَ الْمُفَسِّلَاتِ اللَّوَاتِي يَمْقُتْنَ أَزْوَاجَهُنَّ، وَيَكْفُرْنَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِنَّ، وَيَنْشُزْنَ عَلَيْهِمْ صَلَفًا وَعِنَادًا، وَيُكَلِّفْنَهُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ.
فَأَيُّ فَسَادٍ يَقَعُ فِي الْأَرْضِ إِذَا أُبِيحَ لِلرَّجُلِ التَّقِيِّ الْفَاضِلِ أَنْ يُخَفِّضَ مِنْ صَلَفِ إِحْدَاهِنَّ، وَيُدَهْوِرَهَا مِنْ نَشَزِ غُرُورِهَا بِسِوَاكٍ يَضْرِبُ بِهِ يَدَهَا، أَوْ كَفٍّ يَهْوِي بِهَا عَلَى رَقَبَتِهَا!
فَالْمَرْأَةُ مِثْلُ الأَسِيرَةِ عِنْدَ زَوْجِهَا، لَا تَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ إِلَّا بِأَمْرِهِ، وَلَا تَسْتَطِيعُ الزَّوَاجَ لِأَنَّهَا عَلَى ذِمَّتِهِ، فَهِيَ لَهُ خَاصَّةً لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَالْوَصِيَّةُ النَّبَوِيَّةُ العَظِيمَةُ هِيَ: (أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا)، فَهَلْ أَنْتَ - أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ - مِمَّنِ اسْتَوْصَى بِامْرَأَتِهِ خَيْرًا؟ أَسْأَلُ اللهَ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ.
وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ قَالَتْ عَنْهُ السَّابِعَةُ:
(كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ، شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلاً لَكِ).
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
12 رمضان 1447هـ
*رُوَيْدَكَ يَا فلان لا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ*
شَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ المَرْأَةَ بِالقَارُورَةِ مِنَ الزُّجَاجِ، وَطَبِيعَةُ الزُّجَاجِ أَنَّهُ يَنْكَسِرُ سَرِيعًا، فَأَمَرَ الرِّجَالَ بِالمُرَاعَاةِ وَالرِّفْقِ، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ حَادٍ يُقَالُ لَهُ أَنْجَشَةُ وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ لا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ)).
قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ. (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((لِأَنَّهُنَّ عِنْدَ حَرَكَةِ الإِبِلِ بِالحِدَاءِ وَزِيَادَةِ مَشْيِهَا بِهِ يُخَافُ عَلَيْهِنَّ السُّقُوطُ، فَيَحْدُثُ لَهُنَّ مَا يَحْدُثُ بِالقَوَارِيرِ مِنَ التَّكَسُّرِ)). (شرح صحيح البخاري 9/ 357)
بَلْ مُجَرَّدُ حَرَكَةِ الإِبِلِ السَّرِيعَةِ وَكَثْرَةِ الاِهْتِزَازِ وَهِيَ فَوْقَهَا يُتْعِبُهَا وَيُؤْذِي جَسَدَهَا حَتَّى مِنْ غَيْرِ سُقُوطٍ.
قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((يَعْنِي بِهِ ضَعَفَةَ النِّسَاءِ، وَشَبَّهَهُنَّ بِالقَوَارِيرِ لِسُرْعَةِ تَأَثُّرِهِنَّ، وَلِعَدَمِ تَجَلُّدِهِنَّ، فَخَافَ عَلَيْهِنَّ مِنْ حَثِّ السَّيْرِ وَسُرْعَتِهِ سُقُوطَ بَعْضِهِنَّ، أَوْ تَأَلُّمَهُنَّ بِكَثْرَةِ الحَرَكَةِ وَالاضْطِرَابِ الَّذِي يَكُونُ عَنِ السُّرْعَةِ وَالاسْتِعْجَالِ)). (المفهم 6/ 114)
وَهُنَاكَ مَعْنًى آخَرُ أَشَارَ إِلَيْهِ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللهُ فَقَالَ: ((شُبِّهْنَ بِهَا لِضَعْفِ عَزَائِمِهِنَّ، وَالقَوَارِيرُ يُسْرِعُ إِلَيْهَا الكَسْرُ. وَكَانَ أَنْجَشَةُ يَحْدُو بِهِنَّ، وَيُنْشِدُ مِنَ القَرِيضِ وَالرَّجَزِ مَا فِيهِ شَبِيبٌ، فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَفْتِنَهُنَّ أَوْ يَقَعَ بِقُلُوبِهِنَّ حِدَاؤُهُ، فَأَمَرَهُ بِالكَفِّ عَنْ ذَلِكَ)). (إكمال المعلم 7/ 287)
فَالْمَرْأَةُ رَقِيقَةُ القَلْبِ مِثْلُ القَارُورَةِ، تَكْسِرُهَا الكَلِمَةُ المُرَّةُ.
فَإِذَا كَانَتِ المَرْأَةُ لَا تَسْتَحْمِلُ الكَلِمَةَ المُؤْذِيَةَ لِرِقَّةِ قَلْبِهَا، فَكَيْفَ تَسْتَحْمِلُ مَنْ يَضْرِبُ جَسَدَهَا وَوَجْهَهَا، وَيَلْوِي ذِرَاعَهَا، وَكَأَنَّهُ فِي حَلَبَةِ مُصَارَعَةٍ؟!
وَمَنْ أَرَادَ التَّأَسِّيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مُعَامَلَتِهِ لِزَوْجَتِهِ، فَلْيَتَأَمَّلْ هَذَا الحَدِيثَ:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً وَلا خَادِمًا إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِن مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. (رواه مسلم)
تَأَمَّلْ - أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ - مَا فِي هَذِهِ السِّيرَةِ مِنْ أَخْلَاقِ النُّبُوَّةِ:
• لَمْ يَضْرِبْ بِيَدِهِ قَطُّ.
• لَمْ يَنْتَقِمْ لِنَفْسِهِ.
فَهَذِهِ هِيَ الحِكْمَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي التَّعَامُلِ.
إِنَّ اسْتِعْجَالَ الرَّجُلِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ زَوْجَتِهِ بِالضَّرْبِ دَلِيلٌ عَلَى نَقْصِ الحِكْمَةِ وَالتَّعَقُّلِ؛ وَلَوْ تَأَمَّلَ قَلِيلًا لَوَجَدَ أَنَّ هُنَاكَ حُلُولًا قَبْلَ الضَّرْبِ قَدْ تُعَالِجُ الأَمْرَ بِطَرِيقَةٍ أَفْضَلَ وَأَبْقَى أَثَرًا، وَلَكِنَّهُ الاسْتِعْجَالُ المَقْرُونُ بِالغَضَبِ وَالانْتِصَارِ لِلنَّفْسِ.
وَبِالنَّظَرِ إِلَى سِيرَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي نُصْحِهِ لأَصْحَابِهِ فِي طَرِيقَةِ التَّعَامُلِ مَعَ زَوْجَاتِهِمْ، نَجِدُ أَنَّهُ يُرْشِدُهُمْ إِلَى الرِّفْقِ وَحُسْنِ المُعَاشَرَةِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الضَّرْبَ - وَإِنْ أُذِنَ فِيهِ فِي حَالَاتٍ مُعَيَّنَةٍ بِضَوَابِطِهِ - لَيْسَ هُوَ الحَلَّ الأَوَّلَ وَلَا الأَمْثَلَ الَّذِي يَبْدَأُ بِهِ الرَّجُلُ العَاقِلُ.
وَإِلَيْكَ - أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ - بَعْضَ الأَحَادِيثِ:
عَنْ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نِسَاؤُنَا مَا نَأْتِي مِنْهُنَّ وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: ((ائْتِ حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ، وَأَطْعِمْهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَاكْسُهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلا تُقَبِّحْ الْوَجْهَ وَلا تَضْرِبْ)).
(رواه أبو داود)
فَنَهَاهُ عَنِ الضَّرْبِ، وَعَنْ قَوْلِ: «قَبَّحَ اللهُ وَجْهَكِ».
وَمِنَ التَّأَمُّلِ فِي هَذَا النَّهْيِ: أَنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا أَقْبَلَ عَلَى المَرْأَةِ بَعْدَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهَا وَالإِعْجَابِ بِهِ، فَكَيْفَ يُقْبِّحُ وَجْهًا اخْتَارَهُ بِنَفْسِهِ، وَرَغِبَ فِيهِ، وَبَذَلَ فِي سَبِيلِ الِاقْتِرَانِ بِهِ المَالَ؟!
وَإِذَا طَلَّقَ رَجُلٌ عَاقِلٌ مِثْلُ أَبِي زَرْعٍ، فَالمُتَوَقَّعُ أَنَّهُ طَلَّقَ لأَمْرٍ كَبِيرٍ فِي نَفْسِهِ لَمْ يُبِحْ بِهِ.
وَهَذَا طَبْعُ الرِّجَالِ؛ قِلَّةُ الشَّكْوَى مِنْ مَشَاكِلِ الزَّوْجَاتِ، بِخِلَافِ المَرْأَةِ فَإِنَّهَا سُرْعَانَ مَا تَشْتَكِي زَوْجَهَا مَعَ أَوَّلِ خِلَافٍ يَحْصُلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
22 رمضان 1447هـ
*هَلْ أُمُّ زَرْعٍ كَانَتْ شَاكِرَةً لِزَوْجِهَا؟*
مِنْ أَخْطَرِ الأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ عَلَى المَرْأَةِ فِي حَيَاتِهَا الزَّوْجِيَّةِ: جُحُودُ الإِحْسَانِ، وَعَدَمُ الشُّكْرِ، وَالتَّبَرُّمُ مِنْ أَوْضَاعِهَا المَعِيشِيَّةِ.
وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ هَذِهِ الأَخْلَاقِ، وَمَا ارْتَضَاهَا رَبُّنَا لِزَوْجَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .
قَالَ تَعَالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28]
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بِأَنْ يُخَيِّرَ نِسَاءَهُ بَيْنَ أَنْ يُفَارِقَهُنَّ، فَيَذْهَبْنَ إِلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَحْصُلُ لَهُنَّ عِنْدَهُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا، وَبَيْنَ الصَّبْرِ عَلَى مَا عِنْدَهُ مِنْ ضِيقِ الحَالِ، وَلَهُنَّ عِنْدَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الثَّوَابُ الجَزِيلُ، فَاخْتَرْنَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَأَرْضَاهُنَّ، اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ خَيْرِ الدُّنْيَا وَسَعَادَةِ الآخِرَةِ)). (تفسير ابن كثير 3/479)
فَرَبَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي هُنَّ فِيهَا، وَمَنَعَهُنَّ مِنَ التَّشَكِّي مِنْ ضِيقِ العَيْشِ، لِيَكُنَّ قُدْوَةً لِنِسَاءِ العَالَمِينَ.
وَلَمْ يَرْضَ إِبْرَاهِيمُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةُ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ غَيْرَ شَاكِرَةٍ لِمَا هِيَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، فَأَمَرَ ابْنَهُ بِتَطْلِيقِهَا.
جَاءَ فِي حَدِيثِ البُخَارِيِّ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (( فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عليه السلام، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّهِ. فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتْ: اللَّحْمُ. قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتْ: الْمَاءُ. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ. قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ. قَالَ: فَهُمَا لا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلا لَمْ يُوَافِقَاهُ. قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عليه السلام، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ)).
فَلَمْ تَكُنْ زَوْجَةُ إِسْمَاعِيلَ الأُولَى شَاكِرَةً، فَأَمَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بِتَطْلِيقِهَا.
وَعَدَمُ شُكْرِ نِعْمَةِ الزَّوْجِ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ المَرْأَةِ النَّارَ.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ((أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ)).
*هَلْ طَلَبَتْ أُمُّ زَرْعٍ الطَّلاقَ مِنْ زَوْجِهَا؟*
إِنَّ اخْتِصَارَ أُمِّ زَرْعٍ لِقِصَّةِ طَلَاقِهَا جَعَلَ البَعْضَ يَبْحَثُ عَنِ السَّبَبِ الحَقِيقِيِّ لِلطَّلَاقِ.
لِمَاذَا لَمْ يَقْتَنِعْ مَنْ تَأَمَّلَ الحَدِيثَ أَنَّ سَبَبَ الطَّلَاقِ هُوَ فَقَطْ مَا قَالَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ بِاخْتِصَارٍ؛ أَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا وَطَلَّقَهَا؟!
لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ:
مِنْهَا: أَنَّ العَرَبَ عُرِفَ عَنْهُمْ تَعَدُّدُ الزَّوْجَاتِ، فَلَا غَرَابَةَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَبُو زَرْعٍ أَكْثَرَ مِنْ زَوْجَةٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَنْقُصُهُ المَالُ، وَلَا إِمْكَانَاتُ الزَّوَاجِ، فَمَا الَّذِي يَجْعَلُهُ يَلْجَأُ إِلَى الطَّلَاقِ مُبَاشَرَةً؟!
وَمِنْهَا: أَنَّنَا عَرَفْنَا أَنَّ مِنْ طَبِيعَةِ المَرْأَةِ أَنْ تُخْفِيَ بَعْضَ الحَقَائِقِ عِنْدَمَا تُرِيدُ أَنْ تُدَافِعَ عَنْ نَفْسِهَا، بِتَغْيِيرِ بَعْضِ الحَقَائِقِ أَوْ كِتْمَانِهَا عَلَى الأَقَلِّ، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْنَا فِي حَلْقَةٍ سَابِقَةٍ نَمَاذِجُ مِنْ ذَلِكَ.
فَمَا السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ لِطَلَاقِهَا؟
أَوَّلًا: أُمُّ زَرْعٍ لَا تَخْتَلِفُ عَنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ فِي كَرَاهِيَةِ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، هَذِهِ الكَرَاهِيَةُ فِطْرِيَّةٌ فِي المَرْأَةِ؛ فَالمَرْأَةُ تُحِبُّ التَّفَرُّدَ بِالزَّوْجِ، وَنَارُ الغَيْرَةِ تَغْلِي فِي قَلْبِهَا لَمَّا تَعْلَمُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ عَلَيْهَا.
هَذِهِ الكَرَاهِيَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الفِطْرِيَّةُ تَخْتَلِفُ عَنْ كَرَاهِيَةِ حُكْمِ اللَّهِ فِي جَوَازِ التَّعَدُّدِ، فَهِيَ لَا تَأْثَمُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَنْ تَكْرَهُ حُكْمَ اللَّهِ فَهَذِهِ قَدْ يَؤُولُ بِهَا الأَمْرُ إِلَى أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهَا وَتَدْخُلَ النَّارَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَيْ: لَا يُرِيدُونَهُ وَلَا يُحِبُّونَهُ ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾)). (تفسير ابن كثير 6/ 652)
فَلَا غَرَابَةَ أَنْ تَكْرَهَ أُمُّ زَرْعٍ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا.
ثَانِيًا: المُتَوَقَّعُ مِنَ المَرْأَةِ إِذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا زَوْجُهَا أَنْ يَكُونَ لَهَا رَدَّةُ فِعْلٍ عَلَى زَوَاجِهِ، وَرَدَّةُ الفِعْلِ هَذِهِ تَخْتَلِفُ مِنِ امْرَأَةٍ إِلَى أُخْرَى بِحَسَبِ إِيمَانِ المَرْأَةِ، وَتَعَلُّقِهَا، وَشِدَّةِ مَحَبَّتِهَا لِزَوْجِهَا.
وَرَدَّةُ الفِعْلِ هَذِهِ لَهَا عِدَّةُ صُوَرٍ:
مِنْهَا: الرَّفْضُ التَّامُّ لِلْمَوْضُوعِ، وَهَذَا قَدْ يَجُرُّهَا إِلَى إِمَّا المُطَالَبَةِ بِطَلَاقِ هَذِهِ الزَّوْجَةِ، أَوْ بِطَلَاقِهَا هِيَ.
وَمِنْهَا: الحُزْنُ الشَّدِيدُ وَعَدَمُ تَقَبُّلِ الزَّوْجِ، وَوَصْفُهُ بِالخِيَانَةِ.
وَمِنْهَا: الحُزْنُ وَالأَلَمُ، مَعَ الرِّضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، ثُمَّ السَّعْيُ فِي تَهْدِئَةِ النَّفْسِ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ.
وَغَيْرُهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ.
فَالصُّورَةُ الأُولَى: مُخَالِفَةٌ لِلشَّرْعِ، مَنْهِيٌّ عَنْهَا.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلاقَ أُخْتِهَا، لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا)). (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((فِيهِ النَّهْيُ لِلمَرْأَةِ وَالتَّغْلِيظُ عَلَيْهَا أَلَّا تَسْأَلَ طَلَاقَ أُخْتِهَا، وَلْتَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا)). (شرح صحيح البخاري 7/ 273)
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ) ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ)). (فتح الباري 9/ 220)
فَلَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ الثَّانِيَةَ إِذَا أَرَادَ أَنْ تَرْجِعَ لَهُ، أَوْ تَبْقَى مَعَهُ.
كَذَلِكَ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ طَلَبِ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ.
عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)). (رواه أبو داود)
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَفِيهِ أَنَّ الأَخْبَارَ الوَارِدَةَ فِي تَرْهِيبِ المَرْأَةِ مِنْ طَلَبِ طَلَاقِ زَوْجِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ)). (فتح الباري 9/ 402)
وَزَوَاجُ الرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ لَا يُبِيحُ لَهَا أَنْ تَطْلُبَ الطَّلَاقَ، وَلَا يُعَدُّ مِنَ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ المُبِيحَةِ لِلطَّلَاقِ.
وَمِنَ الأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ فِي مَنْعِ المَرْأَةِ مِنْ لُبْسِ مَا يَصِفُ جِسْمَهَا، حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كَسَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً كَانَتْ مِمَّا أَهْدَاهَا دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ، فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَا لَكَ لَمْ تَلْبَسِ الْقُبْطِيَّةَ؟))، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلالَةً، إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا)). (رواه أحمد)
قَالَ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَالمُرَادُ أَنَّ القُبْطِيَّةَ بِرِقَّتِهَا تَلْصَقُ بِالجِسْمِ، فَتُبَيِّنُ حَجْمَ الثَّدْيَيْنِ، وَالرَّادِفَتَيْنِ، وَمَا يَشْتَدُّ مِنْ لَحْمِ العَضُدَيْنِ وَالفَخِذَيْنِ، فَيَعْرِفُ النَّاظِرُ إِلَيْهَا مَقَادِيرَ هَذِهِ الأَعْضَاءِ، حَتَّى تَكُونَ كَالظَّاهِرَةِ لِلَحْظِهِ، وَالمُمْكِنَةِ لِلَمْسِهِ، فَجَعَلَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِهَذِهِ المَحَالِّ كَالوَاصِفَةِ لِمَا خَلْفَهَا، وَالمُخْبِرَةِ عَمَّا اسْتَتَرَ بِهَا؛ وَهَذِهِ مِنْ أَحْسَنِ العِبَارَاتِ عَنْ هَذَا المَعْنَى، وَلِهَذَا الغَرَضِ رَمَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِي قَوْلِهِ: إِيَّاكُمْ وَلُبْسَ القُبَاطِيِّ؛ فَإِنَّهَا إِنْ لَمْ تَشِفْ تَصِفْ)). (السمو الروحي ص66)
وَقَالَ أَحْمَدُ السَّاعَاتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((المَعْنَى أَنَّ ثَوْبَ المَرْأَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيفًا أَيْ غَلِيظًا ضَيِّقًا يَصِفُ تَقَاسِيمَ جِسْمِ المَرْأَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَقِيقًا يَصِفُ لَوْنَ بَشَرَتِهَا، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَالمَطْلُوبُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُ المَرْأَةِ الظَّاهِرُ أَمَامَ النَّاسِ وَاسِعًا كَثِيفًا لَا يَصِفُ جِسْمًا وَلَا بَشَرَةً)). (الفتح الرباني 17/ 301)
فَهَذِهِ المَرْأَةُ لَمْ تَكُنْ عَارِيَةً عَلَى الحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا لَبِسَتْ مَلَابِسَ غَطَّتْ بِهَا جِلْدَهَا، وَلَكِنْ لَمْ تُخْفِ حَجْمَ جَسَدِهَا وَمَفَاتِنَهَا، وَلِذَلِكَ لَمَّا رَأَى أَبُو زَرْعٍ بَعْضَ هَذِهِ المَفَاتِنِ فُتِنَ بِهَا وَتَزَوَّجَهَا.
فَهَلْ تَقْبَلُ المَرْأَةُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ المُرَّةَ، وَهِيَ أَنَّ فَسَادَ البُيُوتِ سَبَبُهُ النِّسَاءُ المُتَبَرِّجَاتُ، الكَاسِيَاتُ العَارِيَاتُ، المَائِلَاتُ المُمِيلَاتُ، وَلَيْسَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ جَوَازِ تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ؟!
لِمَاذَا تَسْكُتُ المَرْأَةُ عَنِ التَّبَرُّجِ وَلَا تُنْكِرُ عَلَى المُتَبَرِّجَاتِ، وَلَا تُعَادِيهِنَّ كَمَا تُعَادِي مَنْ تَقْبَلُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً ثَانِيَةً؟!
هَلْ تَسْتَطِيعُ المَرْأَةُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهَا لِهَذَا الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ حُرْمَةُ لُبْسِ مَا يُفَصِّلُ بَدَنَهَا، أَنْ تَجْعَلَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ المُبَارَكِ شَهْرَ رَمَضَانَ انْطِلَاقَةً لِتُغَيِّرَ لِبْسَهَا طَاعَةً لِلَّهِ؟
هَلْ أَدْرَكَتِ المَرْأَةُ أَنَّ الرَّجُلَ يُفْتَنُ بِجَسَدِهَا مِنْ شَكْلِهِ فَقَطْ وَلَوْ لَمْ يَرَهُ عَارِيًا؟
بَلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ يُفْتَنُ الرَّجُلُ بِتَخَيُّلِ شَكْلِ المَرْأَةِ إِذَا وُصِفَتْ لَهُ. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا)). (رواه البخاري)
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((الحِكْمَةُ فِي هَذَا النَّهْيِ خَشْيَةُ أَنْ يُعْجِبَ الزَّوْجَ الوَصْفُ المَذْكُورُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إِلَى تَطْلِيقِ الوَاصِفَةِ أَوِ الِافْتِتَانِ بِالمَوْصُوفَةِ)). (فتح الباري 9/ 338)
إِذَا كَانَ هَذَا فِي الوَصْفِ، وَالرُّؤْيَةِ فِي الخَيَالِ، فَكَيْفَ سَيَكُونُ حَالُ الرَّجُلِ إِذَا رَأَى بِعَيْنِهِ؟!
ثَانِيًا: هَلْ أَخْطَأَ أَبُو زَرْعٍ فِي زَوَاجِهِ مِنْ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي رَأَى مَحَاسِنَهَا؟
هَذِهِ القِصَّةُ وَالحَادِثَةُ وَقَعَتْ قَبْلَ الإِسْلَامِ، فَلَا غَرَابَةَ أَنْ يَكُونَ هَمُّ الرَّجُلِ هُوَ شَكْل المَرْأَةِ وَحُسْنهَا وَجَمَالهَا.
مَعَ إِنَّ أَبَا زَرْعٍ كَانَتْ عِنْدَهُ أَسْبَابٌ أُخْرَى غَيْرُ الشَّكْلِ، مِثْلُ نَجَابَةِ الأَوْلَادِ، وَنَشَاطِ المَرْأَةِ وَقِيَامِهَا بِالأَعْمَالِ المَنُوطَةِ بِهَا.
وَلَكِنَّ العَتْبَ عَلَى الرَّجُلِ المُسْلِمِ الَّذِي لَا يُفَكِّرُ إِلَّا فِي شَكْلِ المَرْأَةِ وَحُسْنِهَا، عَلَى حِسَابِ دِينِهَا وَأَخْلَاقِهَا.
وَمَعَ ذَلِكَ أَنْ يُقْدِمَ الرَّجُلُ عَلَى الزَّوَاجِ مِنِ امْرَأَةٍ وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي الزِّنَا.
أَمْ أَنَّ هُنَاكَ أَسْبَابًا أُخْرَى أَخْفَتْهَا كَانَتْ هِيَ السَّبَبَ الحَقِيقِيَّ لِلطَّلَاقِ؟!
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
18 رمضان 1447هـ
*أُمُّ زَرْعٍ وَجَمَالُ البِيئَةِ العَائِلِيَّةِ*
مِنَ السَّعَادَةِ الَّتِي تَنَالُهَا المَرْأَةُ فِي حَيَاتِهَا الزَّوْجِيَّةِ، أَنْ تَحْظَى بِعَائِلَةٍ مُتَمَاسِكَةٍ، عَاقِلَةٍ، تَحُوطُهُمُ المَحَبَّةُ، وَالتَّسَامُحُ، وَجَمِيلُ الأَخْلَاقِ، بَعِيدَةً كُلَّ البُعْدِ عَنِ المَشَاكِلِ؛ لَا مِنَ الزَّوْجِ، وَلَا مِنْ أَقَارِبِهِ، وَلَا مِنَ الأَبْنَاءِ، وَلَا مِنَ الخَدَمِ.
وَقَدْ حَظِيَتْ أُمُّ زَرْعٍ بِهَذَا كُلِّهِ. وَهِيَ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِتَفَاصِيلِهِ فَقَالَتْ:
أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ.
بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا.
جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، لا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا.
هَذِهِ هِيَ البِيئَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِأُمِّ زَرْعٍ، وَلَكِنَّ هَذَا الكَلَامَ العَرَبِيَّ الفَصِيحَ الَّذِي وَصَفَتْ بِهِ أُمُّ زَرْعٍ أَفْرَادَ هَذِهِ البِيئَةِ يَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ لِيَتَّضِحَ لَنَا جَمَالُ هَذِهِ البِيئَةِ، وَمَدَى النَّعِيمِ الَّذِي كَانَتْ تَعِيشُهُ أُمُّ زَرْعٍ، لِنَتَسَاءَلَ بَعْدَهَا:
كَيْفَ فَقَدَتْ هَذَا النَّعِيمَ؟
وَهَلْ تَسَبَّبَتْ فِي فَقْدِهِ بِسُوءِ تَصَرُّفَاتِهَا؟
وَقَبْلَ الإِجَابَةِ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ نُبَيِّنُ جَمَالَ البِيئَةِ العَائِلِيَّةِ الَّتِي عَاشَتْهَا أُمُّ زَرْعٍ.
أَوَّلًا: أُمُّ أَبِي زَرْعٍ:
قَالَتْ عَنْهَا أُمُّ زَرْعٍ:
عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
مَدَحَتْ أُمُّ زَوْجِهَا بِأَمْرَيْنِ:
الأَوَّلُ: مَدَحَتْهَا فِي نَفْسِهَا بِأَنَّ عُكُومَهَا رَدَاحٌ.
وَالعُكُومُ لَهَا مَعْنَيَانِ؛ المَعْنَى الأَوَّلُ: هِيَ مَا يُشْبِهُ الخَزَائِنَ أَوِ الحَقَائِبَ الَّتِي تُوضَعُ فِيهَا الأَمْتِعَةُ، وَوَصَفَتْهَا بِأَنَّهَا ثَقِيلَةٌ مُمتَلِئَةٌ بِالأَمْتِعَةِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((العُكُومُ: الأَحْمَالُ وَالأَعْدَالُ الَّتِي فِيهَا الأَوْعِيَةُ مِنْ صُنُوفِ الأَطْعِمَةِ وَالمَتَاعِ، وَاحِدُهَا عُكْمٌ. وَقَوْلُهَا: رَدَاحٌ. تَقُولُ: هِيَ عِظَامٌ كَثِيرَةُ الحَشْوِ)). (غريب الحديث 2/ 191)
المَعْنَى الثَّانِي: يَعْنِي أَرْدَافَ المَرْأَةِ، وَيُسَمَّى كِفْلًا. فَالمَعْنَى أَنَّ أَرْدَافَهَا عَظِيمَةٌ، وَمِنْ عِظَمِهَا أَنَّهَا تَتَثَنَّى مِنْ كَثْرَةِ الشَّحْمِ.
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَنَّى بِالعُكُومِ وَرَدَاحَتِهَا عَنْ كَفَلِهَا وَعِظَمِهِ، كَمَا قَالُوا: جَارِيَةٌ رَدَاحٌ، أَيْ عَظِيمَةُ الكَفَلِ، وَجَعَلَ لِلكَفَلِ عُكُومًا وَهُوَ جَمْعٌ؛ لِعِظَمِهِ، كَأَنَّ كُلَّ نَاحِيَةٍ مِنْهُ عُكْمٌ)). (بغية الرائد ص252)
وَكِلَا المَعْنَيَيْنِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ أُمَّ أَبِي زَرْعٍ كَانَتْ تَعِيشُ عِيشَةَ الأَغْنِيَاءِ المُنَعَّمِينَ حَتَّى أَصْبَحَ عِنْدَهَا خَزَائِنُ لِأَمْتِعَتِهَا لِكَثْرَتِهَا وَتَنَوُّعِهَا، وَهِيَ قَدْ أَصَابَتْ مِنَ الطَّعَامِ مَا تَرَكَ أَثَرَهُ عَلَى جَسَدِهَا مِنَ الشَّحْمِ وَالنَّعِيمِ وَنَضَارَةِ الجِسْمِ.
الثَّانِي: مَدَحَتْ بَيْتَهَا، وَوَصَفَتْهُ بِالسَّعَةِ فِي خَيْرَاتِهِ وَفِنَائِهِ. قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَكَنَّى بِسَعَةِ البَيْتِ وَفَسْحَةِ الفِنَاءِ عَنْ كَثْرَةِ خَيْرِهِ، وَرَغَدِ عَيْشِهِ، وَالبِرِّ بِنَازِلِهِ، كَمَا كَنَّوْا بِالرَّحْبِ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِمْ: مَرْحَبًا، وَقَالُوا: فُلَانٌ رَحْبُ المَنْزِلِ، وَلَا يُرِيدُونَ سَعَةَ قَطْرِهِ، بَلْ كَثْرَةَ خَيْرِهِ، وَوُفُورَ بِرِّهِ)). (بغية الرائد ص252)
وَلَكِنْ لِمَاذَا مَدَحَتْ أُمَّ زَوْجِهَا
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَأَشَارَتْ بِوَصْفِ وَالِدَةِ زَوْجِهَا إِلَى أَنَّ زَوْجَهَا كَثِيرُ البِرِّ لِأُمِّهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَطْعَنْ فِي السِّنِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الغَالِبُ مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ وَالِدَةٌ تُوصَفُ بِمِثْلِ ذَلِكَ)). (فتح الباري 9/ 270)
فَهَذَا مَدْحٌ لِزَوْجِهَا وَلِأُمِّهِ كَذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَتْ أُمُّ زَوْجِهَا صَغِيرَةَ السِّنِّ، وَلَمْ تَحْدُثْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أُمِّ زَرْعٍ مَشَاكِلُ تَتَعَلَّقُ بِالغَيْرَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ، فَهَذَا نَعِيمٌ كَانَتْ تَعِيشُهُ أُمُّ زَرْعٍ مِنْ مُنَافِسَةٍ لَهَا عَلَى قَلْبِ هَذَا الشَّابِّ الكَرِيمِ أَبِي زَرْعٍ.
ثَانِيًا: ابْنُ أَبِي زَرْعٍ:
*أُمُّ زَرْعٍ وَنَعِيمُ الْحَيَاةِ*
وَجَاءَ دَوْرُ أُمِّ زَرْعٍ، وَهِيَ آخِرُ مَنْ تَكَلَّمَ، وَهِيَ أَكْثَرُ مَنْ فَصَّلَتْ فِي حَيَاتِهَا مَعَ زَوْجِهَا، وَلَا يَخْلُو كَلَامُهَا مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى طَبْعِ النِّسَاءِ فِي إِخْفَاءِ بَعْضِ الْحَقَائِقِ، وَإِظْهَارِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ.
وَهَذِهِ نَصِيحَةٌ لِكُلِّ رَجُلٍ يَسْعَى فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِ الْأَزْوَاجِ، أَنْ يَنْتَبِهَ إِلَى هَذِهِ الْحَقِيقَةِ فِي غَالِبِ النِّسَاءِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبِّي. فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى كَلَامِهَا وَيَحْكُمُ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَلَا نَظَرٍ وَلَا اسْتِمَاعٍ لِزَوْجِهَا أَوْ مَنْ تَشْكُو مِنْهُ.
وَسَأَتْرُكُ لَكَ التَّأَمُّلَ أَيُّهَا الزَوْجُ الْكَرِيمُ فِي كَلَامِ أُمِّ زَرْعٍ لِتَسْتَخْرِجَ بِنَفْسِكَ مَا الَّذِي أَخْفَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ عَنِ النِّسَاءِ فِي حَدِيثِهَا الطَّوِيلِ عَنْ نَفْسِهَا وَزَوْجِهَا.
قَالَتْ أُمُّ زَرْعٍ:
زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ، أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ.
أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ، عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ.
ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ، مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ، وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ.
بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا.
جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ، لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا، وَلَا تَمْلأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا.
قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا.
فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا، وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ، قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ.
هَذَا حَدِيثُ أُمِّ زَرْعٍ عَنْ زَوْجِهَا أَبِي زَرْعٍ.
وَمِنْ حَدِيثِهَا هَذَا نَدْرِكُ حَجْمَ الثَّنَاءِ الْعَظِيمِ عَلَى أَبِي زَرْعٍ.
وَنَسْتَطِيعُ أَنْ نَسْتَنْبِطَ بِكُلِّ وُضُوحٍ عَظَمَ مُحَبَّتِهَا لَهُ، وَشِدَّةَ تَعَلُّقِهَا بِهِ، بَلْ وَمُحَبَّةِ كُلِّ مَا لَهُ صِلَةٌ بِهِ؛ مِنْ أُمٍّ، وَابْنٍ، وَبِنْتٍ، بَلْ وَحَتَّى الْخَادِمَةِ.
وَلَكِنْ هَلِ انْتَبَهْتَ أَخِي الزَوْجُ الْكَرِيمُ، أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ عَنْ مُطَلِّقِهَا وَلَيْسَ عَنْ زَوْجِهَا!
إِنَّ النِّسَاءَ اللَّاتِي جَلَسْنَ هَذَا الْمَجْلَسَ، ((تَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا)).
فَهَلْ تَكَلَّمَتْ أُمُّ زَرْعٍ عَنْ زَوْجِهَا؟ نَعَمْ تَكَلَّمَتْ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَجِدْ فِي زَوْجِهَا الثَّانِي وَالَّذِي أَغْدَقَ عَلَيْهَا بِالنِّعَمِ الْمُتَنَوِّعَةِ، مَا تَفْخَرُ بِهِ أَمَامَ النِّسْوَةِ فِي الْمَجْلِسِ!، بَلِ اسْتَصْغَرَتْ كُلَّ مَا أَعْطَاهَا مِنَ الْخَيْرِ، وَاتَّجَهَتْ إِلَى مَنْ طَلَّقَهَا لَتَفْتَخِرَ بِهِ بَيْنَ النِّسَاءِ!
فَمَاذَا فَعَلَ لَهَا أَبُو زَرْعٍ حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهِ هَذَا التَّعَلُّقَ؟
وَكَيْفَ قَابَلَتْ إِحْسَانَ أَبِي زَرْعٍ لَهَا؟
وَلِمَاذَا خَسِرَتْهُ لَمَّا رَأَى غَيْرَهَا؟
وَمَاذَا رَأَى فِي غَيْرِهَا حَتَّى يَسْتَبْدِلَهَا بِهَا؟
لَعَلَّنَا أَخِي الزَوْجُ، أُخْتِي الزَوْجَةُ، نَعِيشُ فِي تَفَاصِيلِ حَيَاةِ أُمِّ زَرْعٍ مَعَ أَبِي زَرْعٍ فِي هَذِهِ الْحَلَقَاتِ، لَعَلَّنَا نَجِدُ الْإِجَابَةَ الشَّافِيَةَ لِهَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ.
أَوَّلًا: النَّعِيمُ الَّذِي عَاشَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ:
قَالَتْ أُمُّ زَرْعٍ فِي وَصْفِ النَّعِيمِ الَّذِي عِيَّشْهَا فِيهِ أَبُو زَرْعٍ:
أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلا أُقَبَّحُ، وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ.
وَالسُّؤَالُ هُنَا: هَلِ الْمَكْرُ يُسْمَعُ؟، إِنَّمَا تُسْمَعُ الْأَقْوَالُ وَالْأَخْبَارُ، وَلَكِنَّ الله سَمَّى قَوْلَهُنَّ مَكْرًا، لِأَنَّهُنَّ أَرَدْنَ شَيْئًا غَيْرَ الَّذِي تَكَلَّمْنَ بِهِ، أَرَدْنَ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَى هَذَا الَّذِي قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا، فَهِيَ لَمَّا سَمِعَتْ بِمَقَالَتِهِنَّ أَدْرَكَتْ أَنَّهُنَّ يَمْكُرْنَ بِهَا.
أَمَّا الْقِصَّةُ فَهِيَ وَاقِعَةٌ حَدَثَتْ أَمَامَ النَّبِيِّ ﷺ تَكَلَّمَتْ فِيهَا الْمَرْأَةُ بِكَلَامٍ صَحِيحٍ عَنْ زَوْجِهَا، فِي شَكْوَاهَا عَلَيْهِ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ ابْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وَيُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، وَلا يُصَلِّي صَلاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
قَالَ: وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ. قَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمَّا قَوْلُهَا: يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورَتَيْنِ وَقَدْ نَهَيْتُهَا. قَالَ: فَقَالَ: ((لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ)).
وَأَمَّا قَوْلُهَا: يُفَطِّرُنِي، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلا أَصْبِرُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَئِذٍ: ((لا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلا بِإِذْنِ زَوْجِهَا)).
وَأَمَّا قَوْلُهَا: إِنِّي لا أُصَلِّي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَاكَ، لا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. قَالَ: ((فَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ)). (رواه أبو داود)
إِنَّهَا لَمْ تَكْذِبْ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهَا أَخْفَتِ الْحَقِيقَةَ بِعِبَارَاتٍ مُوهِمَةٍ بِأَنَّ الْخَطَأَ مِنَ الزَّوْجِ.
لَقَدْ مَدَحَتِ الْمَرْأَةُ الْعَاشِرَةُ زَوْجَهَا بِالْكَرَمِ، وَوَصَفَتْ طَرِيقَةَ إِكْرَامِهِ لِلضَّيْفِ وَاسْتِعْدَادَهُ لَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ، فَقَالَتْ:
لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ، قَلِيلاتُ الْمَسَارِحِ، وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ رَحِمَهُ الله: ((تَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُوَجِّهُهُنَّ لِيَسْرَحْنَ نَهَارًا إِلَّا قَلِيلًا، وَلَكِنَّهُنَّ يُبَرِّكْنَ بِفِنَائِهِ، فَإِنْ نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ لَمْ تَكُنِ الْإِبِلُ غَائِبَةً عَنْهُ، وَلَكِنَّهَا بِحَضْرَتِهِ، فَيُقْرِيهِ مِنْ أَلْبَانِهَا وَلُحُومِهَا)). (غريب الحديث 2/ 180)
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((هَذِهِ وَصَفَتْ زَوْجَهَا بِالْكَرَمِ، وَكَثْرَةِ الضِّيافَةِ، وَالِاسْتِعْدَادِ لِلضِّيفَانِ، وَالْمُبَالَغَةِ فِي بِرِّهِمْ وَإِكْرَامِهِمْ)). (بغية الرائد ص205)
وَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ يَتَسَابَقُونَ فِي إِكْرَامِ الضَّيْفِ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ مِنَ الْفَضَائِلِ الَّتِي يُحْمَدُ عَلَيْهَا الرَّجُلُ.
وَلَوْ تَأَمَّلْتَ أَخِي الزَّوْجَ الْكَرِيمَ، لَوَجَدْتَ أَنَّ أَكْثَرَ مِنِ امْرَأَةٍ مِمَّنْ جَلَسْنَ هَذَا الْمَجْلِسَ قَدْ وَصَفَتْ زَوْجَهَا بِالْكَرَمِ، وَلَكِنَّ طَرِيقَةَ إِكْرَامِ الضُّيُوفِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُمْ تَخْتَلِفُ مِنْ رَجُلٍ إِلَى آخَرَ.
وَقَدْ مَدَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْكَرَمَ فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلاقِ، وَيَكَرْهُ سَفْسَافَهَا)). (رواه الخرائطي في الأخلاق)
وَقَدْ تَكَلَّمَ أَبُو حَاتِمٍ الْبُسْتِيُّ رَحِمَهُ الله عَنِ الْكَرَمِ فِي كِتَابِهِ رَوْضَةِ الْعُقَلَاءِ وَنُزْهَةِ الْفُضَلَاءِ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ، هَذِهِ بَعْضُ الْمُقْتَطَفَاتِ مِنْهُ:
((أَجْمَعَ أَهْلُ التَّجَارِبِ لِلدَّهْرِ، وَأَهْلُ الْفَضْلِ فِي الدِّينِ، وَالرَّاغِبُونَ فِي الْجَمِيلِ، عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ مَا اقْتَنَى الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ فِي الدُّنْيَا، وَأَجَلَّ مَا يَدَّخِرُ لَهَا فِي الْعُقْبَى، هُوَ لُزُومُ الْكَرَمِ، وَمُعَاشَرَةُ الْكِرَامِ؛ لِأَنَّ الْكَرَمَ يُحَسِّنُ الذِّكْرَ، وَيُشَرِّفُ الْقَدْرَ)).
((الْكَرِيمُ لَا يَكُونُ حَقُودًا، وَلَا حَسُودًا، وَلَا شَامِتًا، وَلَا بَاغِيًا، وَلَا سَاهِيًا، وَلَا لَاهِيًا، وَلَا فَاجِرًا، وَلَا فَخُورًا، وَلَا كَاذِبًا، وَلَا مَلُولًا، وَلَا يَقْطَعُ إِلْفَهُ، وَلَا يُؤْذِي إِخْوَانَهُ، وَلَا يُضَيِّعُ الْحِفَاظَ، وَلَا يَجْفُو فِي الْوِدَادِ، يُعْطِي مَنْ لَا يَرْجُو، وَيُؤْمِنُ مَنْ لَا يَخَافُ، وَيَعْفُو عَنْ قُدْرَةٍ، وَيَصِلُ عَنْ قَطِيعَةٍ)).
فَمِنْ طَبِيعَةِ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا لَا تَرْغَبُ أَنْ يَكُونَ زَوْجُهَا أَقْصَرَ مِنْهَا، لِأَنَّهَا إِذَا سَارَتْ مَعَهُ تَشْعُرُ وَكَأَنَّهُ أَحَدُ أَبْنَائِهَا، أَوْ هَكَذَا يَتَصَوَّرُ النَّاظِرُ إِلَيْهَا، وَهَذَا الْإِحْسَاسُ يُؤْذِيهَا، وَلَا يُشْعِرُهَا بِالْقُوَّةِ وَالْأَمَانِ وَهِيَ مَعَهُ، بِسَبَبِ قِصَرِهِ.
وَقَدْ تَعِيشُ الْمَرْأَةُ فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهَا، إِذَا تَقَدَّمَ لَهَا خَاطِبٌ بِمُواصَفَاتٍ جَمِيلَةٍ لَكِنَّهُ قَصِيرٌ، وَقَدْ تَرُدُّهُ مَعَ جَمِيلِ مُوَاصَفَتِهِ بِسَبَبِ قِصَرِهِ.
وَطُولُ الْقَامَةِ مَعَ اعْتِدَالِهَا دَلِيلُ الْقُوَّةِ، وَهِيَ تُشِيرُ إِلَى قُوَّتِهِ بِأَنَّ حَمَائِلَ سَيْفِهِ طَوِيلَةٌ مِثْلُهُ؛ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ اسْتِخْدَامُ سَيْفِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ.
الثَّالِثَةُ: الجُودُ وَالكَرَمُ:
وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: عَظِيمُ الرَّمَادِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((تَصِفُهُ بِالْجُودِ وَكَثْرَةِ الضِّيافَةِ مِنْ لَحْمِ الْإِبِلِ وَمِنْ غَيْرِهَا مِنَ اللُّحُومِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ عَظُمَتْ نَارُهُ، وَكَثُرَ وُقُودُهَا، فَيَكُونُ الرَّمَادُ فِي الْكَثْرَةِ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ)). (غَرِيبُ الْحَدِيثِ 2/172).
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((ثُمَّ وَصَفَتْهُ بِالْكَرَمِ فِي سَجِيَّتِهِ، وَالْجُودِ بِذَاتِ يَدِهِ، وَلَحَنَتْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: «عَظِيمُ الرَّمَادِ»؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَثُرَ ضَيْفَانُهُ، وَنَحْرُهُ لَهُمْ وَاشْتِوَاؤُهُ وَطَبْخُهُ أَطْعِمَتَهُمْ، كَثُرَتْ نَارُهُ، وَكَثُرَ رَمَادُهُ)). (بُغْيَةُ الرَّائِدِ ص195).
فَهَذَا زَوْجٌ كَرِيمٌ، وَمَنْ يُكْرِمْ ضُيُوفَهُ يُكْرِمْ أَهْلَهُ.
وَهِيَ فِي مَدْحِهَا لَهُ بِأَنَّهُ كَرِيمٌ، وَأَنَّ ضُيُوفَهُ كُثْرٌ، تُشِيرُ بِكَلَامِهَا هَذَا إِلَى حُبِّهَا لِكَثْرَةِ الضُّيُوفِ، وَعَدَمِ تَضَجُّرِهَا، وَلَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مِنَ الْخِدْمَةِ لِهَؤُلَاءِ الضُّيُوفِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ مَا تَقُومُ بِهِ وَتُقَدِّمُهُ وَتُسْهِمُ فِيهِ، وَلَا تَقْبَلُ بِهَذَا إِلَّا كَرِيمَةُ الطَّبْعِ مُحِبَّةٌ لِلضُّيُوفِ، لَا تَسْأَمُ مِنْ خِدْمَتِهِمْ، وَلَا تَمْنَعُ زَوْجَهَا مِنِ اسْتِقْبَالِهِمْ.
الرَّابِعَةُ: قُرْبُهُ مِنَ النَّاسِ:
وَعَبَّرَتْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا: قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِي.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((تَعْنِي أَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ، لِيَعْلَمُوا مَكَانَهُ، فَيَنْزِلَ بِهِ الْأَضْيَافُ، وَلَا يَسْتَبْعِدُ مِنْهُمْ، وَيَتَوَارَى فِرَارًا مِنْ نُزُولِ النَّوَائِبِ، وَالْأَضْيَافِ بِهِ)). (غَرِيبُ الْحَدِيثِ 2/177).
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((تُرِيدُ بِذَلِكَ: أَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ النَّاسِ، وَمُجْتَمَعِ الْحَيِّ، وَمَقْصِدِ الْوَارِدِ، وَطَالِبِ الضِّيافَةِ؛ لِتَكْثُرَ أَضْيَافُهُ، وَلَا يَتَوَارَى بِأَطْرَافِ الْحُلَلِ وَأَغْوَارِ الْمَنَازِلِ، وَيَبْعُدُ عَنْ سَمْتِ الْوَارِدِ، فِرَارًا مِنَ الْقَاصِدِ، وَمَلَاذًا مِنَ الطَّارِقِ؛ لِئَلَّا يَهْتَدُوا إِلَى مَكَانِهِ وَيَسْتَبْعِدُوا مَوْضِعَهُ، فَيَصْدِفُونَ عَنْهُ)).
(بُغْيَةُ الرَّائِدِ ص197).
وَهَذِهِ صِفَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلَى حُبِّ الْكَرَمِ، وَخِدْمَةِ النَّاسِ، وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ، وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ قَرِيبًا مِنَ النَّاسِ، قَدْ فَتَحَ بَابَ مَجْلِسِهِ لَهُمْ، سَهُلَ عَلَى النَّاسِ الْوُصُولُ إِلَيْهِ، فَيَأْتِيهِ كُلُّ صَاحِبِ حَاجَةٍ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ بِهَا يَسْأَلُهُ الْمَعُونَةَ فِيهَا.
وَالنَّاسُ لَا يَلْجَؤُونَ إِلَّا لِمَنْ فَتَحَ قَلْبَهُ لَهُمْ، فَيَسْمَعُ مِنْهُمْ، وَيُطَيِّبُ خَاطِرَهُمْ، وَيَقْضِي مَا تَيَسَّرَ مِنْ حَاجَاتِهِمْ.
وَرَجُلٌ هَذِهِ صِفَاتُهُ الْحَمِيدَةُ يُتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَجْمَلُ الْأَثَرِ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ.
وَالْمَرْأَةُ مَحْظُوظَةٌ بِمِثْلِ هَذَا الزَّوْجِ، وَهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَشْكُرَ الله عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهَا، وَتَكُونَ عَوْنًا لِزَوْجِهَا عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ.
فَكَيْفَ أَنْتَ أَيُّهَا الرَّجُلُ الْكَرِيمُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ؟
وَهَلْ يَتَّسِعُ صَدْرُكَ لِلنَّاسِ، فَتَسْمَعُ مِنْهُمْ مَا يَدُورُ فِي صُدُورِهِمْ؟
أَسْأَلُ الله أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلتَّحَلِّي بِالصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
15 رمضان 1447هـ
*زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ*
بَعْدَ أَنْ اسْتَمَعَتِ المَرْأَةُ الثَّامِنَةُ لِمَنْ قَبْلَهَا مِنَ النِّسَاءِ فِي وَصْفِ أَزْوَاجِهِنَّ، مَدْحًا وَذَمًّا، افْتَخَرَتْ عَلَيْهِنَّ بِوَصْفِ زَوْجِهَا بِكَلِمَاتٍ قَلِيلَاتٍ بَلِيغَاتٍ، فَقَالَتْ:
زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ.
لَمْ تُطِلِ الكَلَامَ، وَإِنَّمَا بَالَغَتْ فِي الوَصْفِ، وَتَرَكَتِ النِّسَاءَ يَطُفْنَ فِي جَمِيلِ المَعَانِي الَّتِي حَمَلَتْهَا هَذِهِ العِبَارَاتُ القَلِيلَةُ، وَهَذَا الوَصْفُ البَلِيغُ؛ الأَرْنَبُ وَالرِّيحُ يَشْتَرِكَانِ فِي عِدَّةِ أُمُورٍ، مِنْهَا النُّعُومَةُ الَّتِي تُدَغْدِغُ مَنْ يُلَامِسُهُمَا.
وَهَذَا مِنْ جَمِيلِ مَنْطِقِ هَذِهِ المَرْأَةِ أَنَّهَا أَتَتْ بِالمَدْحِ العَامِّ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَأَحْسَبُ أَنَّهَا لَوْ فَصَّلَتْ لَذَكَرَتْ خِصَالًا حَمِيدَةً اشْتَمَلَ عَلَيْهَا هَذَا الوَصْفُ البَلِيغُ.
ذَلِكَ أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي المَدْحِ بَيْنَ النِّسَاءِ قَدْ يُحْزِنُ قَلْبَ المَحْرُومَةِ مِنْ جَمِيلِ الصِّفَاتِ فِي زَوْجِهَا، فَتَقَعُ فِي الحَسَدِ، أَوْ تَتَحَسَّرُ عَلَى فَوَاتِ مِثْلِ هَذَا الرَّجُلِ، أَوْ تَطْمَعُ فِيهِ، خَاصَّةً إِذَا لَمْ تَكُنْ مُتَزَوِّجَةً، أَوْ تَغْفُلُ عَنْ مَحَاسِنِ زَوْجِهَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَحَاسِنِ غَيْرِهِ، فَتَكْفُرُ النِّعْمَةَ الَّتِي هِيَ فِيهَا، وَالكَمَالُ بَيْنَ الرِّجَالِ عَزِيزٌ، فَكَيْفَ بَيْنَ النِّسَاءِ؟!
فَالنَّصِيحَةُ لِلْمَرْأَةِ العَاقِلَةِ أَلَّا تُكْثِرَ الحَدِيثَ بَيْنَ النِّسَاءِ عَنِ التَّفَاصِيلِ الجَمِيلَةِ الَّتِي تَعِيشُهَا مَعَ زَوْجِهَا.
لَكِنَّنَا ابْتُلِينَا فِي هَذَا الزَّمَانِ بِمَا يُسَمَّى وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ، وَهِيَ نِعْمَةٌ أُسِيءَ اسْتِخْدَامُهَا مِنْ قِبَلِ مَنْ تَشَبَّعَتْ عُقُولُهُمْ بِحُبِّ الشُّهْرَةِ وَالِافْتِخَارِ بَيْنَ النَّاسِ، فَيُصَوِّرُونَ كُلَّ لَحْظَةٍ فِي حَيَاتِهِمْ وَيَنْشُرُونَهَا فِي هَذِهِ الوَسَائِلِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى المُسْتَوَى العَقْلِيِّ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ فِي اهْتِمَامَاتِهِمْ، وَمَدَى سَيْطَرَةِ ثَقَافَةِ «التَّفَاهَةِ» عَلَى النَّاسِ.
إِنَّ هَذِهِ المَرْأَةَ العَاقِلَةَ مَدَحَتْ زَوْجَهَا بِجُمْلَتَيْنِ قَصِيرَتَيْنِ، لَوْ طَلَبْنَا مِنْ نِسَاءِ اليَوْمِ أَنْ يُثْنِينَ عَلَى رِجَالِهِنَّ بِجُمْلَتَيْنِ لَمَا اسْتَطَعْنَ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ الله.
فَكَيْفَ وَهَذَا الوَصْفُ الَّذِي أَبْدَعَتْ فِيهِ المَرْأَةُ الثَّامِنَةُ بِقَوْلِهَا:
زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ.
قَدِ احْتَوَى عَلَى خِصَالٍ كَثِيرَةٍ ضَمَّنَتْهَا هَذِهِ المَرْأَةُ فِي هَذَا الوَصْفِ.
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ رَحِمَهُ الله: ((تَصِفُهُ بِحُسْنِ الخُلُقِ، وَلِينِ الجَانِبِ، كَمَسِّ الأَرْنَبِ إِذَا وَضَعْتَ يَدَكَ عَلَى ظَهْرِهَا)). (غريب الحديث 2/ 176)
وَقَالَ القَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ الله: ((هَذِهِ تَصِفُ زَوْجَهَا بِلِينِ الجَانِبِ لِلأَهْلِ، وَحُسْنِ الخُلُقِ وَالعِشْرَةِ مَعَهُنَّ، كَمَسِّ الأَرْنَبِ لِلَيَانَةِ مَجَسِّهَا، وَلُدُونَةِ وَبَرِهَا)). (بغية الرائد ص188)
وَقَالَ ابْنُ دِيزِيلٍ رَحِمَهُ الله: ((وَعَنْ قَوْلِهَا: الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ تَقُولُ: هُوَ لَيِّنُ الشِّيمَةِ لِأَنَّ مَسَّ الأَرْنَبِ هَيِّنٌ لَيِّنٌ)). (حديث ابن ديزيل ص73)
فَالمَرْأَةُ وَصَفَتْ زَوْجَهَا بِوَصْفَيْنِ:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ:
وَهَذِهِ صِفَةٌ مَمْدُوحَةٌ فِي الإِسْلَامِ، جَاءَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى مَنْ يَتَحَلَّى بِهَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ، أَوْ مَنْ تُحَرَّمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ قَرِيبٍ سَهْلٍ)). (رواه ابن أبي شيبة)
وَالإِنْسَانُ الهَيِّنُ اللَّيِّنُ يَجْمَعُ خِصَالًا عَدِيدَةً كُلُّهَا جَمِيلَةٌ، مِنْهَا: الِابْتِسَامَةُ، وَالسَّمَاحَةُ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَحُبُّ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى النَّاسِ.
أَمَّا الِابْتِسَامَةُ، فَهِيَ طَلَاقَةُ الوَجْهِ عِنْدَ لِقَاءِ النَّاسِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِطَلَاقَةِ الوَجْهِ امْرَأَةٌ اخْتَارَهَا هَذَا الهَيِّنُ اللَّيِّنُ لِتَكُونَ صَاحِبَتَهُ فِي الحَيَاةِ، وَدَفَعَ المَالَ مِنْ أَجْلِ رِضَاهَا، وَأَشْقَى نَفْسَهُ بِالعَمَلِ الكَادِحِ مِنْ أَجْلِ سَعَادَتِهَا.
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((وَتَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ)). (رواه البخاري في الأدب المفرد)
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَئِمَّتِهِمُ الْإِفْرِنْجِ يَضْرِبُونَ نِسَاءَهُمُ الْعَالِمَاتِ الْمُهَذَّبَاتِ وَالْكَاسِيَاتِ الْعَارِيَاتِ، الْمَائِلَاتِ الْمُمِيلَاتِ، فَعَلَ هَذَا حُكَمَاؤُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَمُلُوكُهُمْ وَأُمَرَاؤُهُمْ، فَهُوَ ضَرُورَةٌ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْغَالُونَ فِي تَكْرِيمِ أُولَئِكَ النِّسَاءِ الْمُتَعَلِّمَاتِ، فَكَيْفَ تَسْتَنْكِرُ إِبَاحَتَهُ لِلضَّرُورَةِ فِي دِينٍ عَامٍّ لِلْبَدْوِ وَالْحَضَرِ، مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْبَشَرِ؟!)). (تفسير المنار 5/74)
فَتَنَبَّهْ أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ فِي مَآلَاتِ أَفْعَالِكَ مَعَ زَوْجَتِكَ.
وَعَلَيْكَ بِالحِكْمَةِ فِي مُعَالَجَةِ مَشَاكِلِكَ.
وَاسْتَشِرْ أَهْلَ العِلْمِ، فَلَنْ تَعْدَمَ خَيْرًا مِنَ الاسْتِشَارَةِ.
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
13 رمضان 1447هـ
*ضَرْبُ المَرْأَةِ لَهُ رَدَّةُ فِعْلٍ*
تَنَاوَلْتُ في الحَدِيثِ السَّابِقِ النُّقْطَةَ الأُولَى المُتَعَلِّقَةَ بِالضَّرْبِ، وَهِيَ مَشْرُوعِيَّةُ الضَّرْبِ، مَعَ أَفْضَلِيَّةِ تَرْكِهِ.
وَالآنَ مَعَ النُّقْطَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ: مَتَى يَكُونُ الضَّرْبُ وَسِيلَةً تَرْبَوِيَّةً:
الضَّرْبُ وَسِيلَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ نَصَّ عَلَيْهَا القُرْآنُ فِي مُعَالَجَةِ الزَّوْجَةِ النَّاشِزِ، وَنَصَّ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي تَرْبِيَةِ الطِّفْلِ عَلَى الصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ العَاشِرَةَ وَلَمْ يُصَلِّ.
وَهَذَا الضَّرْبُ لَا يُجْدِي نَفْعًا إِلَّا إِذَا كَانَ بِالشُّرُوطِ الشَّرْعِيَّةِ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّرْبِ، وَمَتَى يُسْتَخْدَمُ.
أَمَّا إِذَا خَالَفَ الرَّجُلُ شُرُوطَ هَذِهِ الوَسِيلَةِ فِي تَأْدِيبِ زَوْجَتِهِ، فَلَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ نَفْعٌ، بَلِ المُتَوَقَّعُ أَنْ تَكُونَ رَدَّةُ فِعْلِ المَرْأَةِ عَلَى خِلَافِ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ وَيَتَمَنَّى.
وَالرَّجُلُ أَمَامَ حَالَتَيْنِ:
الحَالَةُ الأُولَى: أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّرْبِ، وَالمَرْحَلَةِ الَّتِي يُسْتَخْدَمُ فِيهَا، وَهِيَ أَنْ يَسْتَنْفِدَ الوَسَائِلَ الَّتِي تَسْبِقُ الضَّرْبَ مِنَ الوَعْظِ وَالهَجْرِ، إِذَا اسْتَمَرَّتِ المَرْأَةُ فِي نُشُوزِهَا.
وَإِنْ كَانَ الأَفْضَلُ أَلَّا يَلْجَأَ إِلَى الضَّرْبِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً وَلا خَادِمًا إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِن مَحَارِمِ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. (رواه مسلم)
قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «فِيهِ أَنَّ ضَرْبَ الزَّوْجَةِ وَالخَادِمِ وَالدَّابَّةِ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِلأَدَبِ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ». (شرح النووي على مسلم 15/ 84)
أَمَّا رَدَّةُ فِعْلِ المَرْأَةِ مَعَ هَذَا الزَّوْجِ الصَّالِحِ فَعَلَى حَالَتَيْنِ:
الأُولَى: إِنْ كَانَتْ صَالِحَةً عَاقِلَةً تَخْشَى اللهَ تَعَالَى، فَالمُتَوَقَّعُ مِنْهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى صَوَابِهَا، وَتُطِيعَ زَوْجَهَا، وَتَتْرُكَ النُّشُوزَ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي النُّشُوزِ حَتَّى مَعَ الضَّرْبِ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ لِسَبَبَيْنِ اثْنَيْنِ:
السَّبَبُ الأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ كَارِهَةً لَهُ، مُرْغَمَةً عَلَى البَقَاءِ مَعَهُ، مَضْغُوطًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ مَنْ حَوْلَهَا مِنْ أَهْلِهَا وَصَدِيقَاتِهَا، فَهِيَ مَظْلُومَةٌ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَقِفُ مَعَهَا.
مَعَ أَنَّ الشَّرْعَ يُعْطِيهَا حَقَّ الخُلْعِ، فَتَفْتَدِي نَفْسَهَا بِمَا آتَاهَا مِنْ مَهْرٍ، وَتَخْلَعُ نَفْسَهَا كَمَا فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ.
فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لا أَعْتِبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلا خُلُقٍ، وَلَكِنِّي لا أُطِيقُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟)). قَالَتْ: نَعَمْ. (رواه البخاري)
فَإِنْ كَانَتِ المَرْأَةُ تَمْلِكُ أَسْبَابًا شَرْعِيَّةً لِلْخُلْعِ، جَازَ لَهَا طَلَبُ خَلْعِ نَفْسِهَا، وَعَلَى الرَّجُلِ العَاقِلِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهَا الفِدْيَةَ، وَلَا يُرْغِمَهَا عَلَى حَيَاةٍ لَا تُرِيدُهَا.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ المَرْأَةُ مُتَأَثِّرَةً بِالفِكْرِ النِّسْوِيِّ الَّذِي يَدْعُوهَا إِلَى التَّمَرُّدِ عَلَى الرَّجُلِ، وَعَلَى تَعَالِيمِ الإِسْلَامِ، وَإِعْطَائِهَا مُطْلَقَ الحُرِّيَّةِ فِي التَّصَرُّفِ فِي كُلِّ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهَا، وَإِذْلَالِ الرَّجُلِ، وَإِسْقَاطِ شَخْصِيَّتِهِ.
فَالْوَصِيَّةُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ التَّوْجِيهَ الرَّبَّانِيَّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النِّسَاءِ، وَالَّذِي جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19]
فَالنَّهْيُ عَنِ التَّقْبِيحِ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الإِهَانَةِ وَالإِذْلَالِ، وَعَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ الجَارِحَةَ قَدْ تَكُونُ أَشَدَّ أَثَرًا مِنَ الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهَا تَنْفُذُ إِلَى القَلْبِ وَتَبْقَى آثَارُهَا.
وَهَذَا مِنْ كَمَالِ هَدْيِهِ صلى الله عليه وسلم فِي تَقْوِيمِ البُيُوتِ عَلَى أَسَاسِ الكَرَامَةِ وَحُسْنِ المُعَاشَرَةِ، لَا عَلَى الإِهَانَةِ وَالتَّحْقِيرِ؟!
وفي حديث لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ الطَّويلِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ فِي لِسَانِهَا شَيْئًا - يَعْنِي الْبَذَاءَ -، قَالَ: "فَطَلِّقْهَا إِذًا ". قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَهَا صُحْبَةً، وَلِي مِنْهَا وَلَدٌ. قَالَ: "فَمُرْهَا - يَقُولُ: عِظْهَا - فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَفْعَلْ، وَلا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أُمَيَّتَكَ)).
(رواه أبو داود)
قَالَ الخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «وَقَوْلُهُ: لَا تَضْرِبْ ظَعِينَتَكَ كَضَرْبِكَ أَمِيتَكَ؛ فَإِنَّ الظَّعِينَةَ هِيَ المَرْأَةُ، وَسُمِّيَتْ ظَعِينَةً لِأَنَّهَا تَظْعَنُ مَعَ الزَّوْجِ وَتَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهِ. وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَمْنَعُ مِنْ ضَرْبِهِنَّ أَوْ يُحَرِّمُهُ عَلَى الأَزْوَاجِ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ؛ فَقَدْ أَبَاحَ اللهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34] وَإِنَّمَا فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَبْرِيحِ الضَّرْبِ كَمَا يُضْرَبُ المَمَالِيكُ فِي عَادَاتِ مَنْ يَسْتَجِيزُ ضَرْبَهُمْ، وَيَسْتَعْمِلُ سُوءَ المَلَكَةِ فِيهِمْ. وَتَمْثِيلُهُ بِضَرْبِ المَمَالِيكِ لَا يُوجِبُ إِبَاحَةَ ضَرْبِهِمْ، وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُهُ فِي هَذَا عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ لِأَفْعَالِهِمْ، وَنَهَاهُ عَنِ الاقْتِدَاءِ بِهَا». (معالم السنن 1/ 54)
وعَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللَّهِ))، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ. فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ. فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ : ((لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ)). (رواه أبو داود)
قَالَ الخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «قَوْلُهُ: (ذَئِرْنَ) مَعْنَاهُ: سُوءُ الخُلُقِ وَالجُرْأَةُ عَلَى الأَزْوَاجِ، ... مَعْنَاهُ عَلَى هَذَا أَنَّهُنَّ أَغْرَيْنَ بِأَزْوَاجِهِنَّ وَاسْتَخَفَفْنَ بِحُقُوقِهِمْ.
وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ أَنَّ ضَرْبَ النِّسَاءِ فِي مَنْعِ حُقُوقِ النِّكَاحِ مُبَاحٌ، إِلَّا أَنَّهُ ضَرْبٌ غَيْرُ مُبَرِّحٍ.
وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى سُوءِ أَخْلَاقِهِنَّ وَالتَّجَافِيَ عَمَّا يَكُونُ مِنْهُنَّ أَفْضَلُ». (معالم السنن 3/ 220)
قَالَ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((نَفَى عَنْهُمُ الخَيْرِيَّةَ حَيْثُ لَمْ يَصْبِرُوا وَلَمْ يَحْتَمِلُوا أَذَاهُنَّ)).
(الكاشف عن حقائق السنن 7/ 2333)
فَهَلْ تُرِيدُ - أَخِي الزَّوْجَ الكَرِيمَ - أَنْ تُحْرَمَ مِنَ الخَيْرِيَّةِ بِقِلَّةِ صَبْرِكَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنِ اخْتِيَارِكَ، عِشْتَ مَعَهَا سِنِينَ، وَأَنْجَبْتَ مِنْهَا البَنِينَ وَالبَنَاتِ؟!
وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً، فَقَالَ: ((أَلا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة،ٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً)). (رواه الترمذي)
قَالَ أَبُو العَبَّاسِ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ جَمْعُ: عَانِيَةٍ، وَهِيَ الأَسِيرَةُ. وَالعَانِي: الأَسِيرُ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَحْبُوسَةٌ لِحَقِّ الزَّوْجِ». (المفهم 3/ 334)
قَالَ الْفُقَهَاءُ: هُوَ أَلَا يَكْسِرَ فِيهَا عُضْوًا وَلَا يُؤَثِّرَ فِيهَا شَيْئًا)). (تفسير ابن كثير 1/492)
إِذَا كَانَ كَلَامُ العُلَمَاءِ عَنْ نَوْعِيَّةِ الضَّرْبِ أَنَّهُ الضَّرْبُ الخَفِيفُ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا، فَمَا فَائِدَةُ الضَّرْبِ إِذًا؟
مَنْ يَعْرِفِ المَرْأَةَ جَيِّدًا، يَعْلَمْ أَنَّ المَرْأَةَ تَتَأَثَّرُ نَفْسِيًّا، بَلْ وَقَدْ تَبْكِي بُكَاءً حَارًّا لَوْ ضَرَبَهَا زَوْجُهَا هَذَا الضَّرْبَ الخَفِيفَ، لَا لِأَنَّهَا تَأَلَّمَتْ جَسَدِيًّا، وَلَكِنْ لِأَنَّهَا تَشْعُرُ بِنَقْصِ مَكَانَتِهَا عِنْدَ مَنْ ضَرَبَهَا.
وَيَعْنِي شَيْئًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي ضَرَبَهَا قَادِرٌ عَلَى فِعْلِ مَا تَكْرَهُهُ المَرْأَةُ مِنَ الطَّلَاقِ، أَوِ الزَّوَاجِ عَلَيْهَا.
فَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الضَّرْبِ الخَفِيفِ مَا زَالَتْ تَمْلِكُ قَلْبًا حَيًّا، فَالظَّنُّ بِهَا أَنَّهَا سَتَتْرُكُ النُّشُوزَ وَتَعُودُ إِلَى زَوْجِهَا وَتُطِيعُهُ، وَبِذَلِكَ تُنْقِذُ الأُسْرَةَ مِنَ التَّفَكُّكِ وَالتَّصَدُّعِ بِتَعَقُّلِهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ أَبُو زَهْرَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((الثَّالِثُ - مِنْ دَوَاءِ النُّشُوزِ، الضَّرْبُ، وَهُوَ أَقْصَاهَا، وَلَا يُلْجَأُ إِلَيْهِ إِلَّا عِنْدَ فَشَلِ الدَّوَاءَيْنِ السَّابِقَيْنِ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الضَّرْبَ المُبَاحَ يَكُونُ عِنْدَمَا تَبْلُغُ الحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ دَرَجَةً يُخْشَى عَلَيْهَا مِنَ النُّشُوزِ وَالِافْتِرَاقِ، وَقَدْ قَيَّدَتْهُ السُّنَّةُ بِقَيْدَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُشِينٍ بِأَلَّا يُضْرَبَ الوَجْهُ.
فَقَدْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ، وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الضَّرْبِ غَيْرِ المُبَرِّحِ، فَقَالَ: هُوَ الضَّرْبُ بِالسِّوَاكِ أَوْ مِثْلِهِ. وَهَذَا هُوَ الضَّرْبُ المُبَاحُ، فَهُوَ رَمْزٌ لِاسْتِحْقَاقِ الضَّرْبِ، وَلَيْسَ بِضَرْبٍ)). (زهرة التفاسير 3/1670)
وقَالَ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: ((وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْإِذْنَ بِالضَّرْبِ لِمُرَاعَاةِ أَحْوَالٍ دَقِيقَةٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ؛ فَأَذِنَ لِلزَّوْجِ بِضَرْبِ امْرَأَتِهِ ضَرْبَ إِصْلَاحٍ لِقَصْدِ إِقَامَةِ الْمُعَاشَرَةِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ تَجَاوَزَ مَا تَقْتَضِيهِ حَالَةُ نُشُوزِهَا كَانَ مُعْتَدِيًا)).
(التحرير والتنوير 5/43)
هَذِهِ الأَحْوَالُ الدَّقِيقَةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ عَنْهَا العُلَمَاءُ هِيَ عِصْيَانُ المَرْأَةِ لِلرَّجُلِ وَتَرَفُّعُهَا عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ صُورَةٍ، مِمَّا يُهِينُ الرَّجُلَ، وَيُسْقِطُ شَخْصِيَّتَهُ فِي البَيْتِ، وَأَشَدُّهَا عَلَى نَفْسِيَّةِ الرَّجُلِ مَا تَفْعَلُهُ النَّاشِزُ أَمَامَ أَوْلَادِهِ، فَيَتَمَرَّدُ عَلَيْهِ الأَوْلَادُ بِسَبَبِهَا.
قَالَ مُحَمَّدٌ رَشِيدُ رِضَا رَحِمَهُ اللَّهُ: ((هَذَا وَإِنَّ أَكْثَرَ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ قَدْ خَصُّوا النُّشُوزَ الشَّرْعِيَّ الَّذِي يُبِيحُ الضَّرْبَ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ لِإِزَالَتِهِ بِخِصَالٍ قَلِيلَةٍ، كَعِصْيَانِ الرَّجُلِ فِي الْفِرَاشِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الدَّارِ بِدُونِ عُذْرٍ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ تَرْكَهَا الزِّينَةَ وَهُوَ يَطْلُبُهَا نُشُوزًا.
وَقَالُوا: لَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا أَيْضًا عَلَى تَرْكِ الْفَرَائِضِ الدِّينِيَّةِ كَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ النُّشُوزَ أَعَمُّ فَيَشْمَلُ كُلَّ عِصْيَانٍ سَبَبُهُ التَّرَفُّعُ وَالْإِبَاءُ، وَيُفِيدُ هَذَا قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ أَطْعَنْكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾)).
(تفسير المنار 5/76)
فَنَحْنُ أَمَامَ خِيَارَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّاشِزِ الَّتِي لَمْ يَنْفَعْ مَعَهَا الوَعْظُ وَلَا الهَجْرُ، إِمَّا أَنْ نُجِيزَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الضَّرْبِ الخَفِيفِ الَّذِي يُؤَدِّبُ المَرْأَةَ، وَيُعِيدُ لَهَا صَوَابَهَا، أَوْ أَنْ تَتَحَطَّمَ الأُسْرَةُ بِإِسْقَاطِ شَخْصِيَّةِ الرَّجُلِ، أَوِ الطَّلَاقِ!
نُكملُ غدًا إنْ شاءَ الله.
وكتبه
د. عادل حسن يوسف الحمد
11 رمضان 1447هـ