-
قناة تهتم بتفسير القران الكريم والسنة النبوية
- أرسل قناتك هنا أصعدها لك ألف عضو دون مقابل🔥:
@taoasoul_al_bot
ماهو أول مسجد وضع على الأرض...؟
Читать полностью…
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في سياق بيان الأقوال في المسألة - :
سابعها :
أنهم يُمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار ، فمن دخلها :
كانت عليه برداً وسلاماً ، ومن أَبَى : عُذِّب ، أخرجه البزار من حديث أنس ، وأبي سعيد ، وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل ، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة ، وحكى البيهقي في " كتاب الاعتقاد " أنه المذهب الصحيح .
" فتح الباري " ( 3 / 246 ) .
وقال ابنُ باز أيضًا: (فالخُلاصةُ: أنَّ من لم تَبلُغْه الدَّعوةُ، كالذين في أطرافِ الدُّنيا، أو في أوقاتِ الفَتَراتِ، أو كان بلَغَتْه وهو مجنونٌ ذاهِبُ العَقلِ، أو هَرِمٌ لا يَعقِلُ؛ فهؤلاء وأشباهُهم مِثلُ أولادِ المُشرِكين الذين ماتوا وهم صِغارٌ؛ فإنَّ أولادَ المُشرِكين الذين لم يبلُغوا الحُلُمَ كُلُّهم أمرُهم إلى اللهِ، فاللهُ يَعلَمُ بما كانوا عامِلين، كما أجاب بذلك النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِمَن سأله عنهم، ويَظهَرُ عِلمُه فيهم سُبحانَه يومَ القيامةِ بالامتحانِ، فمن نجَحَ منهم دخل الجنَّةَ، ومن لم ينجَحْ دَخَل النَّارَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ) .
وقال ابنُ عثيمين: (الصَّحيحُ أنَّ أهلَ الفَترةِ قِسمان:
القِسمُ الأوَّلُ: من قامت عليه الحُجَّةُ، وعَرَف الحَقَّ، لكِنَّه اتَّبَع ما وجد عليه آباءَه، وهذا لا عُذرَ له فيكونُ مِن أهلِ النَّارِ.
القِسمُ الثَّاني: من لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ، فإنَّ أمْرَه للهِ عزَّ وجَلَّ، ولا نعلَمُ عن مصيرِه، وهذا ما لم يَنُصَّ الشَّارعُ عليه، أمَّا من ثبت أنَّه في النَّارِ بمُقتضى دليلٍ صحيحٍ فهو في النَّارِ) .
وقال أيضًا: (إذا مات أطفالُ الكُفَّارِ وهم لم يَبلُغوا سِنَّ التَّمييزِ وكان أبواهم كافِرَينِ، فإنَّ حُكمَهم حُكمُ الكُفَّارِ في الدُّنيا، أي: لا يُغَسَّلون، ولا يُكَفَّنون، ولا يُصَلَّى عليهم، ولا يُدفَنون مع المُسلِمين؛ لأنَّهم كُفَّارٌ بوالِديهم. هذا في الدُّنيا، أمَّا في الآخِرةِ فاللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلين، وأصحُّ الأقوالِ فيهم أنَّ الله سُبحانَه وتعالى يختَبِرُهم يومَ القيامةِ بما يشاءُ من تكليفٍ، فإن امتَثَلوا أدخَلَهم اللهُ الجَنَّةَ، وإن أبَوا أدخَلَهم النَّارَ، وهكذا نقولُ في أهلِ الفَترةِ، ومن لم تبلُغْهم الرِّسالاتُ؛ فاللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلين، يُختَبَرون ويُكَلَّفون بما يشاءُ اللهُ عزَّ وجَلَّ، وما تقتضيه حِكْمَتُه؛ فإن أطاعوا دخَلوا الجنَّةَ، وإن عَصَوا دَخَلوا النَّارَ) .
انظر أيضا:
الفَصلُ الأوَّلُ: هل الإيمانُ مخلوقٌ؟.
الفَصلُ الثَّاني: حُكمُ إيمانِ المُقَلِّدينَ.
الفَصلُ الثَّالِثُ: حُكمُ من مات من أطفالِ المُسلِمينَ.
الفَصلُ الرَّابعُ: حُكمُ من مات من أطفالِ المُشرِكين.
الكِتابُ الثَّامِنُ:
حقيقةُ الإيمانِ عند أهل السُّنَّةِ والجَماعةِالبابُ السَّادِسُ: مَسائِلُ متفَرِّقةٌ تتعَلَّقُ بالإيمانِ الفَصلُ الخامِسُ: حُكمُ أهلِ الفَترةِ
الفَصلُ الخامِسُ: حُكمُ أهلِ الفَترةِ
أهلُ الفَترةِ هم الأُمَمُ الكائِنةُ بين أزمِنَةِ الرُّسُلِ الذين لم يُرسَلْ إليهم الأوَّلُ، ولا أدركوا الثَّانيَ، كالأعرابِ الذين لم يُرسَلْ إليهم عيسى، ولا لحِقوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. والفَترةُ بهذا التفسيرِ تشمَلُ ما بين كُلِّ رَسولَينِ، والفُقَهاءُ إذا تكَلَّموا في الفترةِ فإنَّما يَعْنُون التي بين عيسى عليه السَّلَامُ ومحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
ويُطلَقُ مُصطلَحُ أهلِ الفترةِ عند كثيرٍ مِن العُلَماءِ على كُلِّ من لم تبلُغْهم الدَّعوةُ، بما فيهم أطفالُ المشركينَ .
وقال الألوسي: (الفترةُ عند جميعِ المفَسِّرين: انقِطاعُ ما بين الرَّسولينِ) .
أقوالُ العُلَماءِ في حُكمِ أهلِ الفَترةِ:
اختلف العُلَماءُ في ذلك على عِدَّةِ أقوالٍ، من أشهَرِها:
=القَولُ الأوَّلُ:!= أنَّ من مات ولم تبلُغْه الدَّعوةُ مات ناجيًا.
وقد نصَّ بعضُ العلماء على دخول أطفال المشركين الجنة -دون غيرهم من أهل الفترة- منهم: ابنُ حَزمٍ ، والنَّوويُّ ، والقُرطبيُّ ، وابنُ حَجَرٍ، وذكر أنَّه ترجيحُ البخُاريِّ .
=القَولُ الثَّاني:!= أنَّ من مات ولم تبلُغْه الدَّعوةُ فهو في النَّارِ.
قال ابنُ القَيِّمِ: (هو قَولُ جماعةٍ من المتكَلِّمين، وأهلِ التفسيرِ، وأحَدُ الوجهَينِ لأصحابِ أحمَدَ، وحكاه القاضي نَصًّا عن أحمَدَ، وغَلَّطه شيخُنا) ، وهو قَولُ جماعةٍ من أصحابِ أبي حنيفةَ .
=القَولُ الثَّالثُ:!= أنَّهم يُمتَحَنون في عَرَصاتِ القيامةِ بنار ٍيأمُرُهم اللهُ سُبحانَه وتعالى بدُخولِها، فمن دخلها كانت عليه بَرْدًا وسَلامًا، ومن لم يَدخُلْها فقد عصى اللهَ تعالى؛ فهو من أهلِ النَّارِ.
وهذا قَولُ جُمهورِ السَّلَفِ، حكاه الأشعريُّ عنهم ، وممن قال به: البيهقيُّ ، وابنُ تيميَّةَ ، وابنُ القَيِّم ، وابنُ كثيرٍ ، وغيُرهم.
قال ابنُ تيميَّةَ: (من لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ في الدُّنيا بالرِّسالةِ؛ كالأطفالِ، والمجانينِ، وأهلِ الفَتَراتِ؛ فهؤلاء فيهم أقوالٌ؛ أظهرُها: ما جاءت به الآثارُ؛ أنَّهم يُمتَحَنون يومَ القيامةِ، فيَبعَثُ إليهم من يأمُرُهم بطاعتِه، فإن أطاعوه استحَقُّوا الثَّوابَ، وإن عَصَوه استحَقُّوا العَذابَ) .
وقال ابنُ القَيِّمِ بعد حكايتِه للأقوالِ في أطفالِ المُشرِكين وأدِلَّتِها: (المذهَبُ الثَّامِنُ: أنَّهم يُمتَحَنون في عَرصةِ القيامةِ، ويُرسَلُ إليهم هناك رَسولٌ، وإلى كُلِّ من لم تبلُغْه الدَّعوةُ، فمن أطاع الرَّسولَ دخل الجنَّةَ، ومن عصاه أدخَلَه النَّارَ، وعلى هذا فيكونُ بعضُهم في الجنَّةِ، وبعضُهم في النَّارِ، وبهذا يتألَّفُ شَملُ الأدِلَّة كُلِّها، وتتوافَقُ الأحاديثُ) ، ثمَّ ساق أدِلَّةً لهذا القولِ، وقال: (فهذه الأحاديثُ يَشُدُّ بعضُها بعضًا، وتشهَدُ لها أصولُ الشَّرعِ وقواعِدُه، والقَولُ بمضمونِها هو مَذهَبُ السَّلَفِ والسُّنَّةِ، نقله عنهم الأشعريُّ رحمه اللهُ) .
وقال ابنُ كثيرٍ: (اختلف الأئمَّةُ -رحمهم اللهُ تعالى- فيها قديمًا وحديثًا، وهي الوِلدانُ الذين ماتوا وهم صِغارٌ وآباؤهم كُفَّارٌ ماذا حُكمُهم؟ وكذا المجنونُ، والأصَمُّ، والشَّيخُ الخَرِفُ، ومن مات في الفترةِ ولم تَبلُغْه الدَّعوةُ، وقد ورد في شأنِهم أحاديثُ أنا ذاكِرُها لك بعَونِ اللهِ وتوفيقِه) ، ثمَّ ساق عَشَرةَ أحاديثَ في هذه المسألةِ، ثمَّ أشار إلى الأقوالِ في المسألةِ، ورَجَّح أنَّهم يُمتَحَنون يومَ القيامةِ؛ حيثُ قال: (وهذا القَولُ يجمَعُ بين الأدِلَّة كُلِّها، وقد صَرَّحت به الأحاديثُ المتقَدِّمةُ المتعاضِدةُ، الشَّاهِدُ بَعضُه لبَعضٍ) .
وقال الشِّنقيطي بَعْدَما رجَّح هذا القولَ: (إنَّ الجَمعَ بين الأدِلَّةِ واجِبٌ متى ما أمكَنَ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ إعمالَ الدليلينِ أَولى من إلغاءِ أحَدِهما، ولا وَجْهَ للجَمع ِبين الأدِلَّةِ إلَّا هذا القَولُ بالعُذرِ والامتحانِ) .
ومِن أهَمِّ أدِلَّتِهم على هذا القَولِ دليلانِ:
الدَّليلُ الأوَّلُ: عمومُ الآياتِ الدَّالَّةِ على نَفيِ التَّعذيبِ قَبلَ بُلوغِ الحُجَّةِ.
كقَولِه تعالى عن أهلِ النَّارِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا [الملك: 8، 9].
وقَولِه سُبحانَه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15]، وغيرِها من الآياتِ الدَّالَّةِ على عُذرِ أهلِ الفَترةِ بأنَّهم لم يأتِهم نَذيرٌ.
عن أبي أمامة أن رجلا قال :
( يا رسول الله أنبيٌّ كان آدم ؟
قال : نعم ، مكلَّم ،
قال : فكم كان بينه وبين نوح ؟ قال : عشرة قرون )
د رواه ابن حبان في " صحيحه " ( 14 / 69 ) والحاكم (2/262) وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي ،
وقال ابن كثير في " البداية والنهاية " ( 1 / 94 ) : هذا على شرط مسلم ولم يخرجه .
روى البخاري (3732 ) عن سلمان الفارسي قال :
فترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ستمائة سنة .
ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على: تفسير ابن كثير
يقول تعالى مخاطبا أهل الكتاب من اليهود والنصارى : إنه قد أرسل إليهم رسوله محمدا خاتم النبيين ، الذي لا نبي بعده ولا رسول بل هو المعقب لجميعهم ; ولهذا قال : { على فترة من الرسل } أي: بعد مدة متطاولة ما بين إرساله وعيسى ابن مريم .
وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة ، كم هي ؟ فقال أبو عثمان النهدي وقتادة - في رواية عنه - : كانت ستمائة سنة . ورواه البخاري عن سلمان الفارسي . وعن قتادة : خمسمائة وستون سنة ، وقال معمر عن بعض أصحابه : خمسمائة وأربعون سنة . وقال : الضحاك : أربعمائة وبضع وثلاثون سنة .
وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى عليه السلام عن الشعبي أنه قال : ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم تسعمائة وثلاث وثلاثون سنة .
والمشهور هو الأول ، وهو أنه ستمائة سنة . ومنهم من يقول : ستمائة وعشرون سنة . ولا منافاة بينهما ، فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية ، والآخر أراد قمرية ، وبين كل مائة سنة شمسية وبين القمرية نحو من ثلاث سنين ; ولهذا قال تعالى في قصة أصحاب الكهف : { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا } [ الكهف : 25 ] أي: قمرية ، لتكميل الثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب . وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم ، آخر أنبياء بني إسرائيل وبين محمد [ صلى الله عليه وسلم ] خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق ، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن أولى الناس بابن مريم لأنه لا نبي بيني وبينه هذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى [ عليه السلام ] نبي ، يقال له : خالد بن سنان كما حكاه القضاعي وغيره .
والمقصود أن الله [ تعالى ] بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل ، وطموس من السبل ، وتغير الأديان ، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان ، فكانت النعمة به أتم النعم ، والحاجة إليه أمر عمم ، فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد ، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد ، إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين ، من بعض أحبار اليهود وعباد النصارى والصابئين ، كما قال الإمام أحمد :
حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة عن مطرف عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته : " وإن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا : كل مال نحلته عبادي حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ، ثم إن الله ، عز وجل ، نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عجمهم وعربهم ، إلا بقايا من أهل الكتاب وقال : إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء ، تقرؤه نائما ويقظان ، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت : يا رب ، إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ، فقال : استخرجهم كما استخرجوك ، واغزهم نغزك ، وأنفق عليهم فسننفق عليك ، وابعث جندا نبعث خمسة أمثاله وقاتل بمن أطاعك من عصاك ، وأهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم ، ورجل عفيف فقير متصدق ، وأهل النار خمسة : الضعيف الذي لا زبر له ، الذين هم فيكم تبعا أو تبعاء - شك يحيى - لا يبتغون أهلا ولا مالا ، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه ، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك " ، وذكر البخيل أو الكذب ، " والشنظير : الفاحش " .
ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي من غير وجه ، عن قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير . وفي رواية سعيد عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف . وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده : أن قتادة لم يسمعه من مطرف وإنما سمعه من أربعة ، عنه . ثم رواه هو عن روح عن عوف عن حكيم الأثرم عن الحسن قال : حدثني مطرف عن عياض بن حمار فذكره . و [ كذا ] رواه النسائي من حديث غندر عن عوف الأعرابي به .
والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله : " وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم ، عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل " . وفي لفظ مسلم : " من أهل الكتاب " . وكان الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم ، حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فهدى الخلائق ، وأخرجهم الله به من الظلمات إلى النور ، وتركهم على المحجة البيضاء ، والشريعة الغراء ; ولهذا قال تعالى : { أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير } أي: لئلا تحتجوا وتقولوا - : يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه - ما جاءنا من رسول يبشر بالخير وينذر من الشر ، فقد جاءكم بشير ونذير ، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { والله على كل شيء قدير }
قال ابن جرير : معناه : إني قادر على عقاب من عصاني ، وثواب من أطاعني .
تفسير السعدي : ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على
يدعو تبارك وتعالى أهل الكتاب -بسبب ما من عليهم من كتابه- أن يؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويشكروا الله تعالى الذي أرسله إليهم على حين { فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ } وشدة حاجة إليه.
وهذا مما يدعو إلى الإيمان به، وأنه يبين لهم جميع المطالب الإلهية والأحكام الشرعية.
وقد قطع الله بذلك حجتهم، لئلا يقولوا: { مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } يبشر بالثواب العاجل والآجل، وبالأعمال الموجبة لذلك، وصفة العاملين بها.
وينذر بالعقاب العاجل والآجل، وبالأعمال الموجبة لذلك، وصفة العاملين بها.
{ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } انقادت الأشياء طوعا وإذعانا لقدرته، فلا يستعصي عليه شيء منها، ومن قدرته أن أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأنه يثيب من أطاعهم ويعاقب من عصاهم.
التفسير الميسر : ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على
يا أيها اليهود والنصارى قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، يُبيِّن لكم الحق والهدى بعد مُدَّة من الزمن بين إرساله بإرسال عيسى ابن مريم؛ لئلا تقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فلا عُذرَ لكم بعد إرساله إليكم، فقد جاءكم من الله رسولٌ يبشِّر مَن آمن به، ويُنذِز مَن عصاه. والله على كل شيء قدير من عقاب العاصي وثواب المطيع.
* الشيخ: يعني بعضهم هذا، وبعضهم هذا، بعضهم قال: المحبة هي الثواب، وبعضهم قال: هي إرادة الثواب.
* الطالب: أن إرادة الثواب أو الثواب نفسه من جملة الأفعال؟
* الشيخ: إي نعم، التعليل أنهم فسروا بهذا وبهذا؛ لأنهم قالوا: الإرادة يثبتونها هم، يثبتون أن الله مريد وله إرادة، ويثبتون أن الله خالق وله مخلوق، فالثواب يكون شيئًا مخلوقًا، بائنًا عن الله، مفعولًا من مفعولاته، ليس صفة من صفاته، والإرادة صفة من صفاته وهم يثبتونها.
* طالب: شيخ، هل يمكن أن يؤخذ من قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أن الحق يؤخذ ممن جاء به؟
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنه لم ينكر عليهم إثباتهم لصفة المحبة.
* الشيخ: أصلًا ما هي محل جدل حتى نقول: ما أنكروا، محل الجدل أنهم ادعوا هذه الدعوى، ولا شك أن الحق يؤخذ ممن جاء به، وقد مر علينا هذا كثيرًا، وبينا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قَبِلَ الحق من الشيطان، والله قَبِلَ الحق من المشركين، والرسول قبله من اليهود أيضًا.
ممن جاء به، وقد مرّ علينا هذا كثيرًا، وبينا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قبل الحق من الشيطان، والله قبل الحق من المشركين، والرسول قبله من اليهود أيضًا.
* * *
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب اليهود والنصارى مستمر كما قلنا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: الاحتراز عما يُوهم باطلًا؛ حيث قال: ﴿لِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، ولم يقل: فلم يعذبكم؛ لأنه لو قالها بدون قرنها ﴿بِذُنُوبِكُمْ﴾ لأوهم أن الله تعالى يُعذِّب بغير ذنب.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة ٢٠، ٢١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة السابقة: من قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ (بل) هنا فسرناها أنها للإضراب الإبطالي.
* فيستفاد منها: أن هؤلاء الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه هم من البشر، والبشر عند الله سواء، وأكرمهم عند الله أتقاهم.
* ومن فوائدها: إثبات خلق الله عز وجل للبشر، وهذا أمر قد يقول قائل: إنه لا حاجة إليه؛ لأنه أمر معلوم، ولكن الله تعالى قال: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾، فبين أن هؤلاء مخلوقون، وأنهم كغيرهم من البشر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة والتعذيب من الله عز وجل لمن شاء، ولكن هل هذا مجرد مشيئة إن شاء غفر، وإن شاء عذّب، أو لا بد من سبب؟
الجواب: الثاني، لا بد من سبب.
وقد تبين لنا قاعدة مهمة أن كل فعل علّقه الله بالمشيئة فإنه تابِع للحكمة؛ إذ ليس لله مشيئة مجرّدة، بل هي مقرونة بحكمته تبارك وتعالى، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله، والمشيئة بمعنى الإرادة الكونية. واعلم أنه ليس فيها انقسام؛ يعني: لا تقسم إلى مشيئة كونية ومشيئة شرعية، بخلاف الإرادة؛ فالمشيئة شيء واحد؛ وهي الإرادة الكونية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: اختصاص الله عز وجل بالملك، وأنه لا مالكَ معه. من قوله تعالى؟ أجِب.
* الطالب: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾، وجه ذلك؟
* الطالب: تقديم الجار والمجرور على.
* الشيخ: الخبر، صح، انفراد الله تعالى بالملك.
فإن قال قائل: إن الله تعالى أثبت لعباده ملكًا في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٣] وما أشبه ذلك؟
قلنا: لا سواء بين الملكين، فمُلك الله تعالى عام تام، وملك الآدمي قاصر ناقص؛ ولهذا لا يملك الإنسان أن يتلف ماله مع أنه ماله، لو أراد إنسان أن يحرق ماله، قلنا: ما يمكن، حجرنا عليه ومنعناه؛ لأنه خلاف ما أمر الله به، بل هو ما نهى الله عنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن بين السماوات والأرض من المخلوقات العظيمة ما اقتضى أن يكون مقابلًا ومعادلًا للسماوات والأرض، يؤخذ من أين؟ من قوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله وحده؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يعني المرجع.
(١) متفق عليه؛ البخاري (٢٩٢٦)، ومسلم (٢٩٢٢ / ٨٢) من حديث أبي هريرةُ.
وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَـٰۤؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰۤؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ یُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرࣱ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ یَغۡفِرُ لِمَن یَشَاۤءُ وَیُعَذِّبُ مَن یَشَاۤءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ
تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين (١٤٢١ هـ)
✕
﴿وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَـٰۤؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰۤؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ یُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرࣱ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ یَغۡفِرُ لِمَن یَشَاۤءُ وَیُعَذِّبُ مَن یَشَاۤءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَیۡنَهُمَاۖ وَإِلَیۡهِ ٱلۡمَصِیرُ﴾ [المائدة ١٨]
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ اليهود: أتباع موسى الذين يدعون أنهم متبعون له، والنصارى: أتباع عيسى الذين يدعون أنهم متبعون له، قالوا عن أنفسهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، ولا يريدون أنهم أبناء الله بنوة الولادة؛ لأنه ما ادعى أحد منهم ذلك، غاية ما هنالك أن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، لكن الأبناء هنا من باب المبالغة في المحبة والمودة، أي: أننا كأبنائه في مودته لنا وشفقته علينا وإكرامنا وإعزازنا، وما أشبه ذلك.
وعلى هذا فيكون قوله: ﴿وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ من باب عطف الصفة الأعم على الصفة الأخص، وإن كان بعض المفسرين قال: إنه من باب عطف المرادف على مرادفه؛ لأن المراد بالأبناء هم الأحبة، لكن ما ذكرناه أولى؛ لأن الأصل في المتعاطفين هو التغاير، والتغاير إما بالذوات، وإما بالأوصاف، فإذا قلنا: ﴿أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾، يعني: كأبنائه في الشفقة والحنو والإعزاز، وما إلى ذلك، قلنا: ﴿أَحِبَّاؤُهُ﴾ تكون من باب عطف المعنى العام على المعنى الأخص.
قال الله تعالى مفندًا دعواهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، فهنا أبطل الحجة قبل أن يذكر الرد، وهكذا ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة الخصم، ثم يؤتى بما يثبت خلاف قوله، هنا قال: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، وهذا يتضمن الشيئين مما ينافي أن يكونوا أحبة وأبناءً:
الأول: أنهم أذنبوا، والأصل في الابن ألا يكون مذنبًا في جانب والده، بل يكون سميعًا مطيعًا له، لا عاصيًا مذنبًا.
الثاني من جهة الأبوة: التعذيب، التعذيب منافٍ لدعواهم أن الله أب لهم أو أنه حبيبهم؛ لأن العادة أن المحب يعفو ويصفح عن حبيبه إذا اعتدى أو أذنب أو ما أشبه ذلك.
فهنا نقض الله تعالى دعواهم بأمرين: الأمر الأول: أنهم أذنبوا، والثاني: أنهم عذبوا، فكيف تقولون: إنكم أحباء له وأنتم تعصونه وتذنبون؟! ثم كيف يكون حبيبًا لكم وهو يعذبكم ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾؟!
ثم احتج الله عليهم بعد أن أبطل حجتهم فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾، و(بل) هنا للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي، لما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ قال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ كسائر البشر.
والبشر هم بنو آدم، وسموا بشرًا؛ لأن أبشارهم بَادِيَة، بخلاف بقية المخلوقات فإن غالبها أن أبشارها غير بادية، بنو آدم أبشارهم بَادِيَة لحكمة عظيمة؛ ولذلك تجدهم مفتقرين إلى اللباس شتاءً وصيفًا، وحياءً وخجلًا، فأراد الله عز وجل أن يجعل أبشارهم بَادِيَةً حتى يعرفوا أنهم مضطرون إلى ستر هذه العورة، وإلى فعل ما يقوون به أنفسهم من الأذى، إشارة إلى أنهم كما أنهم مستحقون لهذا حسًّا فهم مستحقون له أيضًا معنًى، فليلبسوا لباس التقوى حتى يتقوا به النار، كما يلبسوا لباس الجلود حتى يتقوا بها الأذى. ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: من سائر المخلوقات.
ثم قال عز وجل: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالأمر إليه، يغفر لمن يشاء أن يغفر له فيوفقه لفعل أسباب المغفرة، وإنما قلنا ذلك؛ لأن لدينا قاعدة مهمة وهي: أن كل فعل قرنه الله بالمشيئة فلا بد أن يكون موافقًا للحكمة؛ لأن مشيئة الله ليست مشيئة مجردة ترجح شيئًا على شيء بدون سبب، وعلى هذا فقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: لمن اقتضت حكمته أن يغفر له، وهو التائب من الذنب.
وكذلك من منَّ الله عليه بالمغفرة بدون توبة، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعذب من يشاء أن يعذبه بأن فعل ما يقتضي التعذيب، وليس الأمر لمجرد مشيئة؛ لأن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بذنب، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] لا ظلمًا: بزيادة السيئات، ولا هضمًا: بنقص الحسنات.
تفسير القرطبي : معنى الآية 18 من سورة المائدة
قوله :
وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير
قوله تعالى :
وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه
قال ابن عباس : خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من اليهود العقاب فقالوا : لا نخاف فإنا أبناء الله وأحباؤه ; فنزلت الآية .
قال ابن إسحاق : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضا وبحري بن عمرو وشأس بن عدي فكلموه وكلمهم ، ودعاهم إلى الله عز وجل وحذرهم نقمته فقالوا : ما تخوفنا يا محمد ؟ ; نحن أبناء الله وأحباؤه ،
كقول النصارى ;
فأنزل الله عز وجل فيهم وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم إلى آخر الآية .
قال لهم معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب :
يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه ، وتصفونه لنا بصفته ;
فقال رافع بن حريملة ووهب بن يهوذا :
ما قلنا هذا لكم ، ولا أنزل الله من كتاب بعد موسى ، ولا أرسل بشيرا ولا نذيرا من بعده ;
فأنزل الله عز وجل : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل إلى قوله : والله على كل شيء قدير .
السدي : زعمت اليهود أن الله عز وجل أوحى إلى إسرائيل عليه السلام أن ولدك بكري من الولد .
قال غيره :
والنصارى قالت نحن أبناء الله ; لأن في الإنجيل حكاية عن عيسى " أذهب إلى أبي وأبيكم " ،
وقيل : المعنى : نحن أبناء رسل الله ، فهو على حذف مضاف ، وبالجملة .
فإنهم رأوا لأنفسهم فضلا ; فرد عليهم قولهم فقال : فلم يعذبكم بذنوبكم فلم يكونوا يخلون من أحد وجهين ; إما أن يقولوا هو يعذبنا .
فيقال لهم : فلستم إذا أبناءه وأحباءه ; فإن الحبيب لا يعذب حبيبه ، وأنتم تقرون بعذابه ;
فذلك دليل على كذبكم - وهذا هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف - أو يقولوا : لا يعذبنا فيكذبوا ما في كتبهم ،
وما جاءت به رسلهم ، ويبيحوا المعاصي وهم معترفون بعذاب العصاة منهم ; ولهذا يلتزمون أحكام كتبهم ،
وقيل : معنى يعذبكم عذبكم ; فهو بمعنى المضي ; أي : فلم مسخكم قردة وخنازير ؟ ولم عذب من قبلكم من اليهود والنصارى بأنواع العذاب وهم أمثالكم ؟ لأن الله سبحانه لا يحتج عليهم بشيء لم يكن بعد ، لأنهم ربما يقولون لا نعذب غدا ، بل يحتج عليهم بما عرفوه .
ثم قال : بل أنتم بشر ممن خلق أي : كسائر خلقه يحاسبكم على الطاعة والمعصية ، ويجازي كلا بما عمل .
يغفر لمن يشاء أي : لمن تاب من اليهود .
ويعذب من يشاء من مات عليها .
ولله ملك السماوات والأرض فلا شريك له يعارضه .
وإليه المصير أي : يئول أمر العباد إليه في الآخرة .
تفسير البغوي : مضمون الآية 18 من سورة المائدة
قوله عز وجل :
( وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه ) قيل:
أرادوا أن الله تعالى لنا كالأب في الحنو والعطف ، ونحن كالأبناء له في القرب والمنزلة ،
وقال إبراهيم النخعي : إن اليهود وجدوا في التوراة يا أبناء أحباري ، فبدلوا يا أبناء أبكاري ،
فمن ذلك قالوا : نحن أبناء الله ، وقيل: معناه نحن أبناء رسل الله .
قوله تعالى :
( قل فلم يعذبكم بذنوبكم )
يريد إن كان الأمر كما زعمتم أنكم أبناؤه وأحباؤه فإن الأب لا يعذب ولده ، والحبيب لا يعذب حبيبه ،
وأنتم مقرون أنه معذبكم؟
وقيل: فلم يعذبكم أي : لم عذب من قبلكم بذنوبهم فمسخهم قردة وخنازير؟ ( بل أنتم بشر ممن خلق ) كسائر بني آدم مجزيون بالإساءة والإحسان ، ( يغفر لمن يشاء ) فضلا ( ويعذب من يشاء ) عدلا ( ولله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير ) .
المختصر في التفسير : شرح المعنى باختصار
وادَّعى كلٌّ من اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، قل - أيها الرسول - ردًّا عليهم: لماذا يعذبكم الله بالذنوب التي ترتكبونها؟! فلو كنتم أحباءه كما زعمتم لما عذبكم بالقتل والمسخ في الدنيا،
وبالنار في الآخرة؛
لأنه لا يعذب من أحب،
بل أنتم بشر كسائر البشر، مَنْ أحسن منهم جازاه بالجنة، ومن أساء عاقبه بالنار، فالله يغفر لمن يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله، ولله وحده ملك السماوات والأرض وملك ما بينهما، وإليه وحده المرجع.
﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَاءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[ سورة المائدة: 19]
قال الإمام ابن كثير – رحمه الله -
وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النَّمَري بعض ما تقدم من أحاديث الامتحان ، ثم قال :
وأحاديث هذا الباب ليست قوية ، ولا تقوم بها حجة ،
وأهل العلم ينكرونها ؛ لأن الآخرة دار جزاء ، وليست دار عمل ، ولا ابتلاء ، فكيف يكلَّفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين ، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها ؟! .
وأجاب عن ذلك ببيان قوة الأحاديث الواردة في الباب ، كما نقلناه عنه سابقا ،
ثم قال :
وأما قوله :
" إن الآخرة دار جزاء " :
فلا شك أنها دار جزاء ، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار ، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة مِن امتحان الأطفال ، وقد قال الله تعالى :
( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ ) ن/42 ،
دوقد ثبتت السنَّة في الصحاح وغيرها :
أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة ،
وأما المنافق : فلا يستطيع ذلك ،
ويعود ظهره طبقاً واحداً ، كلما أراد السجود : خَرَّ لقفاه .
وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها :
أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه ، ويتكرر ذلك مراراً ، ويقول الله تعالى : ( يا ابن آدم ، ما أغدرك ! ) ثم يأذن له في دخول الجنة .
وأما قوله :
" وكيف يكلفهم دخول النار وليس ذلك في وسعهم ؟ " :
فليس هذا بمانع من صحة الحديث ؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط ، وهو جسر على جهنم أحدّ من السيف ، وأدق من الشعرة ، ويمرُّ المؤمنون عليه بحسب أعمالهم ، كالبرق ، وكالريح ، وكأجاويد الخيل والرِّكاب ، ومنهم الساعي ، ومنهم الماشي ، ومنهم من يحبو حبواً ، ومنهم المكدوش على وجهه في النار ، وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا ، بل هذا أطم ، وأعظم .
وأيضاً : فقد ثبتت السنَّة بأن الدجال يكون معه جنَّة ونار ، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار ، فإنه يكون عليه برداً وسلاماً ، فهذا نظير ذلك .
وأيضاً : فإن الله تعالى قد أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم ، فقتل بعضهم بعضاً ، حتى قتلوا ـ فيما قيل ـ في غداة واحدة : سبعين ألفاً ، يقتل الرجل أباه ، وأخاه ، وهم في عمايةِ غمامةٍ أرسلها الله عليهم ، وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل ، وهذا أيضاً شاق على النفوس جدّاً ، لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور ، والله أعلم .
" تفسير ابن كثير " ( 5 / 58 ) .
قال السعديُّ في تفسيرِه لهذه الآيةِ: (اللهُ تعالى أعدَلُ العادِلينَ، لا يُعَذِّبُ أحدًا حتى تقومَ عليه الحُجَّةُ بالرِّسالةِ، ثمَّ يعانِدُ الحُجَّةَ، وأمَّا من انقاد للحُجَّةِ، أو لم تَبلُغْه حُجَّةُ اللهِ تعالى؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يُعَذِّبُه، استُدِلَّ بهذه الآيةِ على أنَّ أهلَ الفَتراتِ، وأطفالَ المُشرِكين، لا يُعَذِّبُهم اللهُ، حتى يَبعَثَ إليهم رَسولًا؛ لأنَّه مُنَزَّهٌ عن الظُّلمِ) .
الدَّليلُ الثَّاني: آثار مُصَرِّحةِ بأنَّ أهلَ الفَترةِ ومن لم تَبلُغْه الدَّعوةُ يُمتَحَنونَ يومَ القيامة.
فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: (إذا كانَ يومُ القيامةِ جَمعَ اللَّهُ أَهلَ الفَترةِ والمعتوهَ , والأصمَّ , والأبكمَ والشِّيوخَ الَّذينَ لم يدرِكوا الإسلامَ ، ثمَّ أرسلَ إليهِم رسولًا أنِ ادخُلوا النَّارَ ، فيقولونَ : كيفَ ولَم يأتِنا رُسُلٌ ؟ قالَ : وأَيْمُ اللَّهِ لو دخلوها لَكانت عليهم بردًا وسلامًا , ثُمَّ يرسِلُ إليهِم رسولًا فيطيعُه مَن كانَ يريدُ أن يطيعَهُ ثُمَّ قالَ أبو هُريرةَ : اقرَأوا إن شِئتُم وَمَا كُنَّا مَعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)
قال ابنُ تيميَّةَ: (وهذا التفصيلُ يُذهِبُ الخُصوماتِ التي كَرِهَ الخَوضَ فيه لأجْلِها من كَرِهَه؛ فإنَّ من قَطَع لهم بالنَّارِ كُلِّهم، جاءت نصوصٌ تَدفَعُ قَولَه، ومن قَطَع لهم بالجنَّةِ كُلِّهم، جاءت نصوصٌ تَدفَعُ قَولَه) .
وقال الشِّنقيطي بعد ترجيحِه لهذا القَولِ: (هذا ثبَتَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وثُبوتُه عنه نَصٌّ في محَلِّ النِّزاعِ، فلا وَجْهَ للنِّزاعِ البتَّةَ مع ذلك) .
وردُّوا على ما ذَكَر بَعضُ العُلَماءِ؛ كالحليميِّ، وابنِ عبدِ البَرِّ، والقرطبيِّ، بأنَّ هذه الأحاديثَ لا تَصِحُّ، وأنَّها مخالِفةٌ لأصول المُسلِمين؛ لأنَّ الآخِرةَ ليست بدارِ امتحانٍ بما يلي:
1- أنَّ هذه الأحاديثَ صحيحةٌ، وَرَدت من طُرُقٍ مُختَلِفةٍ.
2- قال ابنُ تيميَّةَ: (التكليفُ إنَّما ينقَطِعُ بدُخولِ دارِ الجَزاءِ، وهي الجنَّةُ والنَّارُ، وأمَّا عَرَصاتُ القيامةِ فيُمتَحَنونَ فيها كما يُمتَحَنونَ في البَرْزخِ، فيقالُ لأحَدِهم: من رَبُّك؟ وما دينُك؟ ومن نبيُّك؟ وقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: 42-43] ) .
وقال الطيبي: (الدُّنيا وإن كانت دارَ ابتلاءٍ فقد يتحَقَّقُ الجزاءُ في بعضِ الأحوالِ، كما قال اللهُ تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] فهكذا الآخِرةُ، وإن كانت دارَ جَزاءٍ فقد يقَعُ فيها الابتِلاءُ، بدليلِ أنَّ القَبْرَ وهو أوَّلُ مَنِزٍل مِن مَنازِلِ الآخِرة يَجري فيه الابتلاءُ) .
وقال ابنُ القَيِّمِ مُلَخِّصًا الرَّدَّ على ذلك: (فإن قيل: فالآخِرةُ دارُ جَزاءٍ، وليست دارَ تكليفٍ، فكيف يُمتَحَنون في غيرِ دارِ التكليفِ؟ فالجوابُ: أنَّ التكليفَ إنَّما ينقَطِعُ بعد دُخولِ دارِ القَرارِ، وأمَّا في البَرْزخِ وعَرَصاتِ القيامةِ فلا ينقَطِعُ، وهذا معلومٌ بالضَّرورةِ مِنَ الدِّينِ مِن وُقوعِ التكليفِ بمسألةِ الملَكَينِ في البَرْزخِ وهي تكليفٌ، وأمَّا في عرصةِ القيامةِ، فقال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [القلم: 42] ، فهذا صريحٌ في أنَّ اللهَ يَدعو الخلائِقَ إلى السُّجودِ يومَ القيامة، وأنَّ الكُفَّارَ يُحالُ بينهم وبين السُّجودِ إذ ذاك) ، وذكروا أحاديثَ على جوازِ التَّكليفِ في الآخِرةِ، ذكَرَها ابنُ القَيِّمِ، وابنُ كثيرٍ، وغيرُهما .
قال ابنُ باز: (إذا مات غيرُ المكَلَّفِ بين والِدَينِ كافِرَينِ فحُكمُه حُكمُهما في أحكامِ الدُّنيا؛ فلا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدفَنُ في مقابرِ المُسلِمين، أمَّا في الآخِرةِ فأمْرُه إلى اللهِ سُبحانَه، وقد صَحَّ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه لَمَّا سُئِلَ عن أولادِ المُشرِكين قال: ((اللهُ أعلَمُ بما كانوا عاملين )) ، وقد ذهب بعضُ أهلِ العِلْم إلى أنَّ عِلمَ اللهِ سُبحانَه فيهم يَظهَرُ يومَ القيامةِ، وأنَّهم يُمتَحَنون كما يُمتَحَنُ أهلُ الفَترةِ ونحوُهم، فإن أجابوا إلى ما يُطلَبُ منهم دَخَلوا الجنَّةَ، وإن عَصَوا دخلوا النَّارَ، وقد صَحَّت الأحاديثُ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في امتحانِ أهلِ الفترةِ يومَ القيامةِ، وهم الذين لم تَبلُغْهم دعوةُ الرُّسُلِ، ومن كان في حُكمِهم كأطفالِ المُشرِكين؛ لقَولِ اللهِ عزَّ وجَلَّ: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وهذا القَولُ هو أصَحُّ الأقوالِ في أهلِ الفَترةِ ونحوِهم ممَّن لم تبلُغْهم الدَّعوةُ الإلهيَّةُ، وهو اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ، وتلميذِه العَلَّامةِ ابنِ القَيِّمِ، وجماعةٍ مِن السَّلَفِ والخَلَفِ، رحمةُ اللهِ عليهم جميعًا) .
نور على الدرب أهل الفترة وحكمهم
أهل الفترة وحكمهم
السؤال: يسأل السائل أيضاً ويقول: نعلم أن من كان من أهل الجاهلية أي قبل مبعث النبي ﷺ فهو من أهل الفترة، سؤالي عن أهل الفترة ما حكمهم؟ لأنني سمعت حديثاً عن رسول الله ﷺ: أنه جاءه رجل فقال: أين أبي؟ فقال: في النار، فذهب الرجل يبكي، فناداه فقال له: أبي وأبيك في النار فهل هذا الحديث صحيح أفيدونا أفادكم الله؟
play
-02:51
max volume
الجواب: الصحيح من أقوال العلماء أن أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة ويؤمرون، فإن أجابوا وأطاعوا دخلوا الجنة، وإن عصوا دخلوا النار، وقد جاء في هذا عدة أحاديث: عن أبي هريرة ، وعن الأسود بن سريع التميمي وعن جماعة، كلها تدل على أنهم يمتحنون يوم القيامة ويخرج لهم عنق من النار ويؤمرون بالدخول فيه، فمن أجاب صار عليه برداً وسلاماً، ومن أبى التف عليه وأخذه وصار إلى النار نعوذ بالله من ذلك.
فالمقصود: أنهم يمتحنون فمن أجاب وقبل ما طلب منه وامتثل دخل الجنة ومن أبى دخل النار، هذا هو أحسن ما قيل في أهل الفترة.
وأما حديث: إن أبي وأباك في النار فهو حديث صحيح رواه مسلم في صحيحه: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: في النار، فلما ولى دعاه، فقال: إن أبي وأباك في النار واحتج العلماء بهذا على أن أبا النبي ﷺ كان ممن بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة، فلهذا قال: في النار، ولو أنه كان من أهل الفترة لما قيل له هذا، وهكذا لما أراد أن يستغفر لأمه عليه الصلاة والسلام نهي عن ذلك، نهي أن يستغفر لها ولكنه أذن له أن يزورها، ولم يؤذن له في الاستغفار لها.
فهذا يدل على أنهما بلغتهما الدعوة، وأنهما ماتا على دين الجاهلية على دين الكفر، وهذا هو الأصل في الكفار أنهم في النار، إلا من ثبت -والله يعلم أحوالهم- أنه لم يبلغه الأمر ما بلغته دعوة الرسل فهذا هو صاحب الفترة، من كان في علم الله أنه لم تبلغه الدعوة فالله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، هو الحكم العدل، فيمتحنون يوم القيامة.
أما من بلغته الدعوة في حياته دعوة الرسل كدعوة إبراهيم وموسى وعيسى وعرف الحق ثم بقي على الشرك بالله فهذا ممن بلغته الدعوة، فيكون من أهل النار لأنه عصى واستكبر عن اتباع الحق، والله جل وعلا أعلم. نعم.
المقدم: بارك الله فيكم.
روى الإمام أحمد رحمه الله في "مسنده" (16301) عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
أَرْبَعَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ :
رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا،
وَرَجُلٌ أَحْمَقُ ،
وَرَجُلٌ هَرَمٌ ،
وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ ،
فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا،
وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ ،
لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ،
وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا،
وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ ،
فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ،
قَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا .
والحديث حسنه محققو المسند ، وصححه الألباني في "الصحيحة" (1434) وله شواهد متعددة ، ذكرها ابن كثير في تفسيره (5/50-53) .
تفسير البغوي : مضمون الآية 19 من سورة المائدة
( يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا ) محمد صلى الله عليه وسلم ، ( يبين لكم ) أعلام الهدى وشرائع الدين ، ( على فترة من الرسل ) أي انقطاع من الرسل .
واختلفوا في مدة الفترة بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم ، قال أبو عثمان النهدي : ستمائة سنة ،
وقال قتادة : خمسمائة وستون سنة ،
وقال معمر والكلبي ،
خمسمائة وأربعون سنة وسميت فترة لأن الرسل كانت تترى بعد موسى عليه السلام من غير انقطاع إلى زمن عيسى عليه السلام ، ولم يكن بعد عيسى عليه السلام سوى رسولنا صلى الله عليه وسلم .
( أن تقولوا ) كيلا تقولوا ، ( ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير )
تفسير القرطبي : معنى الآية 19 من سورة المائدة
قوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قديرقوله تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يعني محمدا صلى الله عليه وسلم .
يبين لكم انقطاع حجتهم حتى لا يقولوا غدا ما جاءنا رسول .
على فترة من الرسل أي : سكون ; يقال فتر الشيء سكن ، وقيل : على فترة على انقطاع ما بين النبيين ; عن أبي علي وجماعة أهل العلم ، حكاه الرماني ; قال : والأصل فيها انقطاع العمل عما كان عليه من الجد فيه ، من قولهم : فتر عن عمله وفترته عنه ، ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان من السخونة إلى البرد .
وامرأة فاترة الطرف أي : منقطعة عن حدة النظر ، وفتور البدن كفتور الماء ، والفتر ما بين السبابة والإبهام إذا فتحتهما ، والمعنى ; أي : مضت للرسل مدة قبله ، واختلف في قدر مدة تلك الفترة ; فذكر محمد بن سعد في كتاب " الطبقات " عن ابن عباس قال : كان بين موسى بن عمران وعيسى ابن مريم عليهما السلام ألف سنة وسبعمائة سنة ، ولم يكن بينهما فترة ، وأنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم .
وكان بين ميلاد عيسى والنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة ، بعث في أولها ثلاثة أنبياء ; وهو قوله تعالى : إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث والذي عزز به " شمعون " وكان من الحواريين ، وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولا أربعمائة سنة وأربعا وثلاثين سنة ، وذكر الكلبي أن بين عيسى ومحمد عليهما السلام خمسمائة سنة وتسع وستون ، وبينهما أربعة أنبياء ; واحد من العرب من بني عبس وهو خالد بن سنان .
قال القشيري : ومثل هذا مما لا يعلم إلا بخبر صدق .
وقال قتادة : كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام ستمائة سنة ; وقاله مقاتل والضحاك ووهب بن منبه ، إلا أن وهبا زاد عشرين سنة ، وعن الضحاك أيضا أربعمائة وبضع وثلاثون سنة ، وذكر ابن سعد عن عكرمة قال : بين آدم ونوح عشرة قرون ، كلهم على الإسلام .
قال ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمرو بن واقد الأسلمي عن غير واحد قالوا : كان بين آدم ونوح عشرة قرون ، والقرن مائة سنة ، وبين نوح وإبراهيم عشرة قرون ، والقرن مائة سنة ، وبين إبراهيم وموسى بن عمران عشرة قرون ، والقرن مائة سنة ; فهذا ما بين آدم ومحمد عليهما السلام من القرون والسنين .
والله أعلم .
أن تقولوا أي : لئلا أو كراهية أن تقولوا ; فهو في موضع نصب .
ما جاءنا من بشير أي : مبشر .
ولا نذير أي : منذر ، ويجوز من بشير ولا نذير على الموضع .
قال ابن عباس : قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود ; يا معشر يهود اتقوا الله ، فوالله إنكم لتعلمون أن محمدا رسول الله ، ولقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه بصفته ; فقالوا : ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بعده من بشير ولا نذير ; فنزلت الآية .
والله على كل شيء قدير على إرسال من شاء من خلقه .
وقيل : قدير على إنجاز ما بشر به وأنذر منه
المختصر في التفسير : شرح المعنى باختصار
يا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، قد جاءكم رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد انقطاع من الرسل وشدة الحاجة إلى إرساله؛ لئلا تقولوا معتذرين: ما جاءنا رسول يبشرنا بثواب الله، وينذرنا عقابه، فقد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم مبشرًا بثوابه ومنذرًا عقابه، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، ومن قدرته إرسال الرسل، وخَتْمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
[ سورة المائدة: 18]
وعلى هذا فيكون التعذيب المقرون بالمشيئة مقيدًا بما إذا اقتضت الحكمة أيش؟ أن يعذب، ومن ذلك أنتم أيها اليهود والنصارى، فقد شاء الله تعالى أن يعذبكم، وفعلًا عذبكم بذنوبكم؛ لأنكم عصيتموه.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ هذا تقدم الكلام عليه في الآية التي قبلها، لكن اختلف ختم الآيتين؛ فهناك قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأن المقام مقام رد على الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، أما هنا فالمقام مقام تهديد ووعيد فقال: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع، لا إلى غيره، وإنما قلت: لا إلى غيره، من أجل تقديم الخبر، وتقديم الخبر يفيد الحصر: إليه المرجع لا إلى غيره، فليست المسألة مسألة دعوى أنكم أبناء الله وأحباؤه، وإنما المسألة مسألة عمل؛ إما سيء، وإما حسن.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: كذب اليهود والنصارى في دعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه.
* ومنها: أن اليهود والنصارى يقرون بثبوت المحبة لله، فيقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
وقد أنكر من هذه الأمة صفة المحبة لله وقالوا: إن الله لا يُحِب ولا يُحَب، وفسروا المحبة التي أثبتها الله لنفسه بما لا يدل عليه ظاهر لفظه، قالوا: المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، وفسروها بأحد المعنيين؛ لأن مذهبهم أن الإرادة ثابتة لله، وأن الثواب شيء منفصل عن الله، فهو من جملة المفعولات وليس من جملة الصفات، وهؤلاء من؟ الأشاعرة، يقولون: ما في محبة بين الله وبين العبد، وإنما المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب.
اليهود والنصارى قالوا هذا، قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، فأثبتوا أن الله تعالى يحب وأنهم هم أحبابه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اليهود يدَّعون ما يقتضي أن يكونوا خيرًا من هذه الأمة، وجهه: أنهم قالوا ذلك في معرض الرد على رسالة النبي ﷺ، فكأنهم قالوا: نحن أحق بالرسالة منكم أيها العرب ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى ما اشتهر عند بني إسرائيل أنهم شعب الله المختار، ويرون أنهم أفضل العالمين، وأفضل من العرب الذين منهم ظهر الإسلام، وبهم ظهر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إنكار الله تعالى عليهم هذه الدعوى من وجهين: الوجه الأول: رد ما ادعوه. والثاني: إثبات ما لا يمكن معه هذه الدعوى.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي في المناظرة أن تبطل حجة خصمك أولًا، ثم تأتي بما يثبت قولك؛ ولهذا تجد العلماء الذين يذكرون أقوال العلماء –أي: اختلافهم- تجدهم يذكرون أولًا الرد على القول المقابل لأقوالهم، ثم ما يثبت أقوالهم، وهذا كله مبني على القاعدة المعروفة وهي: التخلية قبل التحلية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب الله لليهود والنصارى لم ينقطع ولن ينقطع؛ لقوله: ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾ لم يقل: فلم عذبكم؛ ليستفاد بذلك أن تعذيب الله تعالى لهم مستمر؛ لأن الفعل المضارع يفيد الاستمرار، واليهود معذبون مشردون خاصة؛ لأن دعواهم المحبة والبنوة أعظم من دعوى النصارى، وهم -إن شاء الله- سيعذبون العذاب الأخير على يد المسلمين، وذلك حينما يقتتلون مع المسلمين، فيقتلهم المسلمون، حتى إن اليهودي يختبأ بالشجرة فتنادي المسلم: هذا يهودي فاقتله(١).
* طالب: هل يمكن أن يقال في قوله تبارك وتعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ أن اليهود أرادوا بذلك حقيقة البنوة وأن منهم ابن لله، مثلًا كما قال الحسن بن أبي الحسن البصري: خطبنا علي، ويقصد أهل الكوفة، وإلا فهو لم يكن موجودًا، وكما نقول نحن: انتصرنا على الكفار يوم بدر، ونحن لم نكن أصلًا موجودين؟
* الشيخ: أما لو كانوا كلهم من ذرية عيسى لا بأس، كلهم من ذرية عزير لا بأس، لكن ليسوا كذلك.
* الطالب: هل من دليل يا شيخ؟
* الشيخ: ما رأيت أحدًا قال بهذا، يعني أنت تريد المعنى: وقالت اليهود: منا أبناء الله، وقالت النصارى: منا أبناء الله، لا.
* الطالب: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾ حيث إن عزير (...)؟
* الشيخ: لا، ما أرادوا.
* طالب: ألا يمكن الأخذ من الآية هذه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ بعد عدم إنكار الله عز وجل لصفة هذه الدعوى الرد على الأشاعرة؛ فإن الله عز وجل لم ينكر مسألة المحبة وإنما أنكر كونها واقعة عليهم، هل يمكن أن يكون دليل في الرد على الأشاعرة؟
* الشيخ: سبحان الله! إحنا ما قلنا هذا؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: قلنا: هم يعرفون من صفات الله ما لا يعرفه هؤلاء المنكرون، إذا قلنا: هذا أفضل من يكون دليلًا على هذا.
* طالب: قلت: الأشاعرة قالوا: إن المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، (أو) هنا احترازًا من أي شيء؟ ما فهمت؟
- أرسل قناتك هنا أصعدها لك ألف عضو دون مقابل🔥:
@Salafiisme
وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل:
تفسير ابن كثير
ثم قال تعالى رادا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم :
{ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } أي:
نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية ، وهو يحبنا .
ونقلوا عن كتابهم أن الله [ تعالى ] قال لعبده إسرائيل : " أنت ابني بكري " .
فحملوا هذا على غير تأويله ،
وحرفوه .
وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم ،
وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام ، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم :
إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ،
يعني : ربي وربكم .
ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من البنوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام ، وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه وحظوتهم عنده ، ولهذا قالوا : نحن أبناء الله وأحباؤه .
قال الله تعالى رادا عليهم :
{ قل فلم يعذبكم بذنوبكم } أي:
لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه ، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم؟
وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء : أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه ،
فتلا الصوفي هذه الآية : { قل فلم يعذبكم بذنوبكم }
وهذا الذي قاله حسن ، وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال :
حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس قال :
مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه ، وصبي في الطريق ، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ ، فأقبلت تسعى وتقول :
ابني ابني! وسعت فأخذته ،
فقال القوم : يا رسول الله ، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار . قال : فخفضهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لا والله ما يلقي حبيبه في النار " . تفرد به .
[ وقوله ] { بل أنتم بشر ممن خلق } أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم وهو تعالى هو الحاكم في جميع عباده
{ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } أي: هو فعال لما يريد ، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب .
{ ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما } أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه ، { وإليه المصير } أي:
المرجع والمآب إليه ، فيحكم في عباده بما يشاء ، وهو العادل الذي لا يجور .
[ و ] قال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :
وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمان بن أضاء وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه وكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله وحذرهم نقمته ، فقالوا :
ما تخوفنا يا محمد ! نحن والله أبناء الله وأحباؤه ،
كقول النصارى فأنزل [ الله ] فيهم : { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } إلى آخر الآية .
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير .
ورويا أيضا من طريق أسباط عن السدي في قول الله [ تعالى ]
{ وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } أما قولهم :
{ نحن أبناء الله وأحباؤه } فإنهم قالوا : إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك - بكرك من الولد - فيدخلهم النار فيكونون فيها أربعين ليلة حتى تطهرهم وتأكل خطاياهم ، ثم يناد مناد أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل .
فأخرجوهم فذلك قولهم : { لن تمسنا النار إلا أياما معدودات } [ آل عمران : 24 ]
تفسير السعدي : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل
ومن مقالات اليهود والنصارى أن كلا منهما ادعى دعوى باطلة، يزكون بها أنفسهم، بأن قال كل منهما:
{ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ }
والابن في لغتهم هو الحبيب، ولم يريدوا البنوة الحقيقية، فإن هذا ليس من مذهبهم إلا مذهب النصارى في المسيح.
قال الله ردا عليهم حيث ادعوا بلا برهان: { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ } ؟
فلو كنتم أحبابه ما عذبكم
[لكون الله لا يحب إلا من قام بمراضيه] { بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ } تجري عليكم أحكام العدل والفضل { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ }
إذا أتوا بأسباب المغفرة أو أسباب العذاب، { وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ }- أي:
فأي شيء خصكم بهذه الفضيلة، وأنتم من جملة المماليك ومن جملة من يرجع إلى الله في الدار الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.
التفسير الميسر : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل
وزعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، قل لهم -أيها الرسول-:
فَلأيِّ شيء يعذِّبكم بذنوبكم؟
فلو كنتم أحبابه ما عذبكم، فالله لا يحب إلا من أطاعه،
وقل لهم: بل أنتم خلقٌ مثلُ سائر بني آدم، إن أحسنتُم جوزيتم بإحسانكم خيرا، وإن أسَأْتُم جوزيتم بإساءتكم شرًّا، فالله يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وهو مالك الملك، يُصَرِّفه كما يشاء، وإليه المرجع، فيحكم بين عباده، ويجازي كلا بما يستحق.